قصة الحضارة -> روسو والثورة -> فرنسا قبل الطوفان -> روسو المنبوذ -> اللاجئ
قد زيفه على روسو هوراس وليول. ولندع وليلول نفسه يتحدث عنه في خطاب له إلى هوراس كونواي في 12 يناير 1766.
"أن الفضل في شهرتي الراهنة لتأليف تافه جداً، ولكنه أثار ضجة لا تصدق. ذلك إنني كنت ذات مساء في بيت مدام جوفران أسخر من ادعاءات روسو وتناقضاته، وقلت أشياء أضحكتهم. فلما عدت إلى البيت دونتها في خطاب، وأريته في الغد لهلفتيوس ودوق نفرنوا، وقد سرا به كثيراً حتى إنهما، بعد الإشارة على بعض الأخطاء اللغوية....شجعاني على إطلاع الناس عليه. وأنا كما تعلم يطيب لي أن أهزأ بالدجالين سواء السياسيين منهم أو الأدباء مهما عظم قدر مواهبهم، لذلك لم أنكر الفكرة. وسرت النسخ مسرى النار، وهاأنذا "أصبحت موضة Et Me Voici( la mode ...وإليك الخطاب (وهو مترجم حرفياً عن فرنسية وليلول):
ملك بروسيا إلى مسيو روسو عزيزي جان-جاك
لقد لفظت جنيف وطنك، لقد جعلتهم يطاردونك من سويسرا، البلد الذي أطريته كثيراً في كتاباتك، وقد أصدرت فرنسا أمراً باعتقالك. فتعال إليّ إذن، فأنا معجب بمواهبك، وتمتعني أحلامك، وهي (بهذه المناسبة) تشغلك فوق ما ينبغي وأطول مما ينبغي. وعليك أن تكون في النهاية حكيماً وسعيداً. لقد أثرت ما يكفي من الأقاويل بسبب غرائب لا تليق برجل عظيم بحق. فأثبت لخصومك أن في استطاعتك أحياناً أن تكون معقولاً، فمن شأن هذا أن يغيظهم دون أن يؤذيك. إن بلادي تقدم لك معتكفاً هادئاً، وإنني أرجو لك الخير، وأحب أن أساعدك إذا استطعت أن تستطيب مقامك. أما إذا واصلت رفض معونتي، فتأكد أنني لن أخبر أحداً بالأمر. وإذا أصررت على إجهاد نفسك لتجد نكبات جديدة، فاختر ما يحلو لك منها، فأنا ملك، وفي استطاعتي أن أحصل لك منها على ما يلبي رغباتك، وسأكف عن اضطهادك حين تكف عن أن تجد فخرك في أن تضطهد-وهو بالتأكيد ما لن يحدث لك أبداً بين خصومك.
صديقك المخلص فردريك(69)
أما وليول فلم يحدث له أن التقى بروسو قط. ولم يجد عقله الرفيع الثقافة، وثراؤه الموروث معنى في كاتبات روسو. وقد عرف عيوب روسو وحماقته من حفلات عشاء مدام جوفران، حيث كان يلتقي ديدرو وجريم. وأغلب الظن أنه لم يدرك أن روسو الحساس إلى درجة العصاب، قد دفعته إلى مشارف الانهيار العقلي سلسلة من المجادلات الضيقات. ولو كان وليول على علم بهذا حقاً لكانت دعابته قاسية شائنة. على أننا ينبغي أن نضيف أنه حين طلب هيوم رأيه في إيجاد معتكف لروسو في إنجلترا، تعهد وليول بأن يمد الطريد بكل ضروب المعونة(100).
أكان هيوم على علم بهذا الخطاب؟ يبدو أنه كان موجوداً ببيت مدام جوفران حين لفق أول الأمر، وقد اتهم بأنه "شارك" في تحريره(101). وقد كتب إلى المركيزة دباربنتان في 16 فبراير 1766:
"إن الدعابة الوحيدة التي سمحت بها لنفسي في أمر خطاب ملك بروسيا المزعوم كانت على مائدة عشاء اللورد أو سوري(102)". وفي 3 يناير 1766 قام هيوم بزيارة وداع لضيوف البارون دولباخ وأخبرهم بآماله في إنقاذ "الرجل القصير القامة" من الاضطهاد وتوفير أسباب السعادة له في إنجلترا. أما دولباخ فتشكك قائلاً يؤسفني أن أبدد الآمال والأوهام التي تخدعك، ولكني أقول لك أنه لن يمضي طويل زمن حتى ينقشع عنك الوهم بصورة محزنة. إنك لا تعرف صاحبك، وأصارحك بأنك تحتضن ثعباناً في صدرك(103)".
وفي صباح الغد غادر باريس إلى كاليه في مركبتي أجرة هيوم وروسو مع جان-جاك دلوز وسلطان كلب روسو. ودفع روسو نفقاته بعد أن رفض عروض هيوم ومدام دبوفليه، ومدام دفرديلان بمده بالمال. فلما بلغوا دوفر (10 يناير) عانق هيوم، وشكره لأنه أتى به إلى بلد تسوده الحرية.