قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> القنصلية -> الدستور الجديد
الفصل السابع
القنصليّة
من 11 نوفمبر 9971 إلى 81 مايو 4081
1- الدستور الجديد
1slash1 القناصل (الحكّام القناصل)
في 21 نوفمبر سنة 9971 اجتمع القناصل المؤقتون في قصر لكسومبرج لإعادة بناء فرنسا من جديد· وكان هؤلاء القناصل المؤقتون هم نابليون وسييز Sieyès وروجر (روجيه) دوكو Roger Ducos، وساعدهم في مهمتهم لجنتان تضمان أفراداً من المجالس والجمعيات القديمة، وكان كل من سييز ودوكو لديهما بالفعل مقر إقامة في لكسمبورج باعتبارهما كانا عضوين في حكومة الإدارة السابقة، وقد انتقل نابليون وجوزفين ويوجين Eugene وهورتنس Hortense والعاملون معهم إلى لكسومبورج في 11 نوفمبر 9971·
وقد واجه المنتصرون في هذا الانقلاب أمّة نهشت الفوضى في بِنْيتها الاقتصادية والسياسية والدينية والأخلاقية· وكان الفلاحون يخشون إذا ما عادت أسرة البوربون المالكة أن تُلْغَى سندات الملكية التي بحوزتهم· وكان التجار والحرفيون يرون أن رفاهيتهم مهدَّدة بسبب الموانئ المحاصرة، والطرق التي اعتراها الإهمال وأعمال اللّصوصية وتردّد أصحاب الأموال في استثمار أموالهم بضمان الحكومة التي سبق أن اجتاحتها الإنقلابات عدَّة مرَّات· والآن وقد أصبحت الحاجة ملحّة لقوّة القانون وتنفيذ المشروعات العامة، وتقديم الغوْث للفقراء، لم يكن تحت تصرف الخزانة إلاَّ 0021 فرنك· وكان رجال الدين في حالة معارضة دائمة: فمن بين ثمانية آلاف قس كاثوليكي في فرنسا، رفض ستة آلاف منهم التوقيع على الدستور المدني لرجال الدين (الإكليروس) وراحوا يعملون ضد الدولة في عداء سافر أو مقنَّع، أما التعليم العام فقد تدهور حاله - بعد إبعاد الكنيسة عن تولِّي أمره - رغم البيانات الرسميّة الفخمة ورغم الخطط الحكومية الطموحة· أما الأسرة الدعامة الأساسية للنظام الاجتماعي فكانت قد اهتزّت بسبب حرية الطلاق مما أدّى لانتشاره، وبسبب كثرة الزواج الاعتباطي (غير المدروس) وبسبب تمرّد الأبناء· أما الروح العامة للشعب فقد كانت تحتضر خوفاً من الثورة والحرب وبسبب الشك في كل زعيم وبسبب التشاؤم لعدم تحقّق الآمال، بينما كانت هذه الروح في سنة 9871 قد بلغت ذُرى الوطنية والشجاعة· لقد كان مثل هذا الموقف يتطلب فنّ إدارة شؤون الدولة، لا دهاءً سياسياً، ويتطلب حسماً دكتاتورياً (كما تنبّأ مارا Marat وحثّ من قبل) لا مناقشات ديمقراطية تَتَّسم بالترف في جمعيات فارغة - لقد كان المطلوب مزاوجة بين الرؤية الرحّبة والفكر الهادف والعمل المضني والبراعة مع البصيرة وإرادة آمرة· وقد انطبق كل هذا على نابليون·
وفي أوّل اجتماع لهؤلاء القناصل المؤقتين اقترح سييز أن يكون نابليون - ذلك الجنرال ذو الثلاثين عاماً - هو الرئيس (القنصل الأوّل) لكن نابليون استرضى سييز Sieyès بترتيب الأمر بحيث يتولّى الرياسة كل واحد منهم على التعاقب، واقترح - أي نابليون - أن يكون سييز هو المسؤول الأوّل عن صياغة الدستور الجديد· وعكف هذا المنظِّر القديم على دراسته وترك نابليون (مع دوكو Ducos اللطيف المسالم) لإصدار المراسيم لضمان حُسن سيرْ الإدارة، وتحسين أداء الخزانة بتطوير قدرتها على الوفاء بديونها، وتهدئة النزاعات واكتساب ثقة الشعب الذي أزعجه اغتصاب السلطة بالقوة·
وكان أوّل ما قام به القنصل الأول The ruling Consul أنه إرتدى زيَّاً مدنياً مُتواضعاً مُحتشماً وطرح لباسه العسكري· لقد كان عليه أن يكون هو الفتى الأول فوق خشبة مسرح الأحداث· لقد أعلن عن نواياه بمجرد تأسيس الحكومة الجديدة مقترحاً شروط السلام مع إنجلترا والنمسا· وكان طموحه في بواكير فترة حكمه هذه هو طمأنة فرنسا وتقويتها لا إجبار إنجلترا على التسليم· لقد كان نابليون في هذا الوقت هو من أسماه بِت Pitt ابن الثورة ومضمّد جراح فرنسا الناتجة عن النزاعات الداخلية، ومخطط رخائها الساعي لاستتباب السلام· ابن الثورة الذي هو إفراز من إفرازاتها، وحاميها، والعامل على الاحتفاظ بما حققته من مكاسب اقتصادية، لكنه أىضاً كان واضحاً في إبداء رغبته في إنهاء الثورة·
لقد أسعد البورجوازية عندما أصدر في 71 نوفمبر سنة 9971 قراراً بنفي ثمانية وثلاثين شخصاً كانوا مصدر خطر على الأمن العام (وكان نابليون لا يستغني عن الدعم الاقتصادي الذي تقدّمه البورجوازية له، فقد كان هذا أمراً ضرورياً لسلطته) وقد كان قراره هذا يمثل الدكتاتورية المفرطة إذ جلب من السّخط أكثر مما جلب من الاستحسان، لذا فإنه سرعان ما عدّل القرار ليجعله نفياً إلى المحفاظات (المديريات الفرنسية) بدلاً من النفي خارج فرنسا·وألغى ضريبة المصادرة التي تتراوح قيمتها من 02% إلى 03% والتي كانت حكومة الإدارة قد فرضتها على كل الدخول(1) التي تزيد على المستوى العادي· والغى القانون الذي كانت الحكومة تعمل بمقتضاه على احتجاز المواطنين البارزين كرهائن يتم تغريمهم أو نفيهم إذا ارتكب مواطنوهم أية جرائم ضد الحكومة· وهدّأ الكاثوليك في إقليم الفندي Vendée بدعوة زعمائهم إلى مؤتمر وأكّد لهم نواياه الحسنة ووقّع معهم في 42 ديسمبر هدنة أنهت الحروب الدينية في فرنسا لفترة· وأمر أن تعاود كل الكنائس الكاثوليكية - التي سبق أن كُرّست قبل سنة 3971 - ممارسة العبادات الكاثوليكية في كل الأيام ما عدا يوم الديكادي(2) décadi (اليوم العاشر) وفي 62 ديسمبر أو بعد ذلك بقليل أعاد من المنفى ضحايا أجنحة الثورة التي حققت انتصارات على الأجنحة الثورية الأخرى في وقت من الأوقات: الليبراليون السابقون في الجمعية الوطنية National Assembly بمن فيهم لافاييت Lafayette، ولطَّف من حدَّة أعضاء لجنة الأمن العام Committee of Public Safety، مثل بارير Bayère ولازار كارنو Lazare Carnot الذي عاد إلى ممارسة مهامه في وزارة الحرب· وأعاد بونابرت الحقوق المدنية للنبلاء غير المشاغبين، وللمسالمين من أقارب الذين تركوا فرنسا بسبب أحداث الثورة emigrès· وأبطل المهرجانات التي كان وقودها الحقد والكراهية، كمهرجان الاحتفال بذكرى مقتل الملك لويس السادس عشر، ونفى الجيرونديين Girondins وذكرى سقوط روبيسبير· وأعلن نابليون أنه لن يحكم فرنسا لصالح أية فئة من الفئات المتصارعة - اليعاقبة أو البورجوازية أو الملكيين - وإنما سيحكمها كممثّل للأمّة كلها· لقد أعلن أنه إن حكم لصالح أي فريق فمعنى هذا أنه سيعتمد عليه (دون سواه) عاجلاً أم آجلاً· ولن يسمح لي الفرقاء الآخرون بذلك أبدا· إنني وطني فرنسي(3)·
وعلى النحو نفسه نظر الشعب الفرنسي له - حقاً لقد نظر إليه الفرنسيون جميعاً باعتباره وطنياً فرنسيا فيما عدا بعض الجنرالات الحاقدين، واليعاقبة الجامدين· لقد تحوّل الرأي العام الفرنسي منذ 31 نوفمبر بشكل حاسم لصالحه· لقد كتب السفير البروسي لحكومته في ذلك اليوم قائلاً: كل ثورة سابقة اعتراها كثير من الخوف والريبة، أما هذه الثورة الفرنسية، فعلى العكس، فقد أبهجت أرواح الجميع وأيقظت أكثر الآمال حيوية، كما شهدتُ ذلك بنفسي(4)· وفي 71 نوفمبر بلغ الهبوط في البورصة أحد عشر فرنك، وفي 02 من الشهر نفسه ارتفع إلى 41، وفي 12 من الشهر نفسه، ارتفع إلى 02(5)·
وعندما قدَّم سييز Sieyès للقنصليْن الآخرين خطته فيما يتعلق بدستور السنة الثامنة (9971) فإنهما سرعان ما أدركا أنَّ المولِّد السابق الذي وُلدت الثورة على يديه قد فقد كثيراً من ذلك الإعجاب الذي كان يُكنه للطبقة الثالثة أي طبقة العوام، ذلك الإعجاب الذي كان يُزكى أوار لهيب نشراته أو دفاتره الدعائية المتَّسمة بروح التحدي خلال العقد الماضي· لقد أصبح الآن متأكداً تماماً أنه ليس في مقدور أي دستور أن يحفظ الدولة لفترة طويلة إذا امتدت جذوره - وجذور الدولة معه - في إرادة غير ثابتة الاتجاه تحركها عواطف الجماهير غير المُدركة لأبعاد الأمور·
لقد كادت فرنسا في هذه الفترة تكون خالية من المدارس الثانوية، وكانت صحافتها مُمثِّلة للتحزّب والتشيّع لفئة أو أخرى مما جعلها مصدر تَعْمِية على العقل العام أكثر منها مصدر إِخْبار صحيح·
وقد قصد الدستور الجديد لحماية الدولة من الجهل المنتشر من ناحية ومن الحكم الاستبدادي من ناحية أخرى· وقد تحقَّق نصف نجاح في هذا السبيل·
وقام نابليون بمراجعة سييز Sieyès في بعض أفكاره التي أوردها في الدستور الجديد، لكنه بشكل عام قبل معظمها لأنه - أي نابليون - كان بدوره غير ميّال للديمقراطية· ولم يغير رأيه الذي مؤدّاه أنّ الشعب (الفرنسي) غير مؤهَّل لاتخاذ قرارات حكيمة بشأن انتخاب ممثليهم أو بشأن الأمور السياسية؛ فهم أناس تأسرهم الجاذبية الشخصية، وتخدعهم البلاغة الخطابية والكتابات الصحفية، ويُؤثِّر فيهم القُسس الذين ترفرف قلوبهم حول روما· واعتقد نابليون أن الشعب الفرنسي نفسه لابد أنه معترف بعدم مقدرته (أي مقدرة الشعب) على مواجهة مشاكل الحكومة· وسيكون الشعب راضياً إذا خوّل لهم الدستور الجديد حق الموافقة أو الاعتراض على قضايا تطرح عليهم في استفتاء عام· لقد أعاد سييز Sieyès الآن تشكيل فلسفته السياسية وفقاً للمبدأ الأساسي التالي: لابد أن تأتي السلطة من أعلى، وأن تأتي الثقة من أدنى(6) وبتعبير آخر فلتحكم الحكومة وليثق الشعب·
لقد بدأ بانحناءه احترام موجزة للديمقراطية· فقد كان على كل فرنسي بلغ العشرين أو أكثر أَنْ يصوّت لاختيار عُشر هذه الفئة العمرية ليُصبح المنتخبون (بفتح الخاء) وجهاء محليون (في الكوميونات) Communal notables ويقوم هؤلاء المنتخبون (بضم الميم وفتح الخاء) بدورهم بانتخاب عُشر عددهم ليكونوا وجهاء على مستوى المحافظات (الأقسام أو الدوائر) departmental notables وهؤلاء بدورهم ينتخبون عُشر عددهم ليكونوا وجهاء على مستوى فرنسا National notables· وهنا تمخضّت العملية الديمقراطية عن: موظفين محلِّيين كان لا بد أن يعينهم (لا ينتخبهم) الوجهاء الكوميونيون (المنتخبون على مستوى الكوميونات)، وموظفين محليين على مستوى الدوائر أو المحافظات يتم تعيينهم من قِبَل المنتخبين على المستوى نفسه، وموظفين كبار على مستوى الدولة الفرنسية يتم تعيينهم من قِبَل المنتخبين (بضم الميم وفتح التاء) على هذا المستوى الثالث (الوطني)· وكان لا بد أن تتم كل التعيينات من قِبل الحكومة المركزية·
وأسفرت هذه الانتخابات عن تأسيس:
(1) مجلس الدولة الذي كان عادة ما يضم خمسة وعشرين عضواً يعينهم رأس الدولة The chief of state مخوَّلين باقتراح القوانين الجديدة·
(2) مجلس التريبيون Tribunat أو مجلس المدافعين عن حقوق الشعب (وهو ما تعنيه الكلمة) ويتكون من مائة عضو Tribunes (والمعنى المباشر للكلمة هو: حامي حمى الشعب) مخوَّلين بمناقشة الإجراءات المقترحة ولهم الحق في تقديم توصياتهم إلى الهيئة التشريعية·
(3) الهيئة التشريعية A corps Législatif وهي مكونة من ثلاثمائة عضو من حقهم رفض الإجراءات المقدَّمة أو تكييفها مع القانون (وليس مناقشتها)·
(4) السينات Sénat أو مجلس الشيوخ وعادة ما يضم ثمانين عضواً من ذوي العقول الناضجة مخوَّلين بإلغاء القوانين التي يحكمون بأنها غير دستورية، وهم مخوّلون أيضاً بتعيين أعضاء مجلس التريبيون (مجلس المدافعين عن حقوق الشعب) وأعضاء الهيئة التشريعية، كما أنهم مخوّلون بإضافة أعضاء جدد إلى مجلسهم (مجلس الشيوخ أو السينات) من بين وجهاء الأمة National notables كما أن عليهم قبول الأعضاء الجدد الذين يعينهم الناخب العظيم grand elector·
(5) الناخب العظيم: ومصطلح الناخب العظيم هو المصطلح الذي أطلقه سييز Sieyès على رأس الدولة لكن نابليون رفض المصطلح وتوصيفه، لأنه رأى في هذا المنصب (كما يدل عليه المصطلح الذي وصَّفه سييز sieyès) مجرد وكيل تنفيذي لقوانين تمت إجازتها دون مشاركته أو موافقته، وتجعله مجرَّد رئيس شكلي (صُوري) ليس له من الأمر شيء سوى استقبال الوفود والدبلوماسيين، وتصدّر الحفلات الرسمية· وشعر نابليون أنّ هذه الأمور لا تحتاج إلى موهبة، وكان على عكس ذلك يتطلع إلى أن يصل بأقصى سرعة ممكنة - عن طريق القوانين - إلى تحقيق أمل أمة تصرخ مطالبة بالنظام والتوجيه، ومصرّة على البقاء (الاستمرار)، لذا فقد قال لسييز Sieyès إن ناخبكم العظيم هذا Grand Elector مجرّد ملك عاطل وقد ولّى الآن زمن هؤلاء الملوك الكسالى· إنَّ أيّ رجل ذي قلب وعقل لا يمكنه أن يقبل هذه الحياة البليدة مقابل ستة ملايين فرنك ومسكن في التوليري؟ ما هذا؟ أيكمن جالساً يُعيِّن من يعملون بينما يظل هو بلا عمل! هذا غير مقبول(7)· لقد طلب الحق في أن يبادر بالتشريع، وإصدار المراسيم وأن يعين في مناصب الحكومة المركزية من يراه كُفؤاً حتى ولو لم يكن من بين الوجهاء المنتَخبين (بفتح الخاء)· لقد كان برنامجه لإعادة البناء في المجالات السياسية والاقصتادية والاجتماعية يتطلب استحواذاً مضموناً على السلطة طوال سنوات عشر· لذا فإن نابليون لم يرغب في أن يكون الناخب العظيم - ذلك اللقب ذو المذاق البروسي - وإنما أراد أن يكون القنصل الأول ذلك اللقب الذي يحمل عبق روما القديمة· وهكذا رأى سييز Sieyés دستوره يسقط ليصبح ملكيا إلاّ أنه ملكي معدَّل نظراً للمهمة الإشرافية لمجلس الشيوخ (السينات) وتم تعيين سييز Sieyès ودوكو Ducos قنصلين وفي 21 ديسمبر 9971 أحلّ نابليون محلّهما كلاً من: جان - جاك كامباسير Jean - Jacques Cambacérés كقنصل ثان، وشارك فرانسو ليبرون Charles Francois Lebrun كقنصل ثالث·
ومن الخطأ تصنيف هذين القنصلينْ باعتبارهما مجرد موظَّفيْن مُطيعيْن· فقد كان لكل منهما خبراته وتجاربه· لقد أصبح كامباسير Cambacèrés الآن هو المستشار القانوني لنابليون، وكان كامباسير قد شغل سابقاً في حكومة الإدارة منصب وزير العدل· وكان يترأس مجلس الشيوخ، كما كان في حالة غياب القنصل الأول - يترأس مجلس الدولة (Conseil dصEtat) Council of State وقام بدور قيادي في تشكيل مدوَّنة نابليون القانونية Code Napoléon· وقد كان شخصاً هادئاً وكان معتزاً بالولائم الفخمة التي يُقيمها، لكن هدوءه هذا وكذلك ميله للتأمل مكَّناه - غالباً - من إنقاذ القنصل الأول (نابليون) من أخطاء طائشة· لقد قام بتحذير نابليون من معاداة أسبانيا وحذَّره من التورّط مع روسيا، أما شارل - فرنسوا ليبرون Lebrun فقد كان فيما مضى أمين سر لريني دي موبو Rene de Maupeou في مهمته الساعية لإنقاذ فرنسا البوربوتيّة من الإفلاس (أي أنه قام بهذه المهمة يوم كانت فرنسا تحت حكم أسرة البوربون الحاكمة) وسبق له أن شارك في إعداد التشريعات المالية التي أصْدرتها الجمعية الوطنية National Assembly وحكومة الإدارة، والآن فقد بدأ مهمته في حكومة القناصل مع نابليون بخزانة خاوية فعمل على تنظيم مالية الحكومة الجديدة· لقد قرَّر نابليون كفاءة هذين الرجلين فعندما أصبح إمبراطوراً جعل من ليبرو Lebrun مسؤولاً أول عن الخزانة، كما جعل من كامباسير Cambacérés مستشاره الأول، وقد ظلا وفيَّيْن له حتى النهاية·
ورغم إيمان نابليون الراسخ بأنّ ظروف فرنسا تتطلَّب قرارات عاجلة وتنفيذ سياسات سريعة إلاَّ أنَّه قدَّم مقترحاته· في عامه الأوَّل في الحاكم - إلى مجلس الدولة وسمع أعضاءه وهم يُهاجمون ويدافعون واشترك هو نفسه في المناقشات الدائرة بشكل إيجابي· وكان هذا دوراً جديدا له، فقد اعتاد أن يقود أكثر من اعتياده الاشتراك في المناقشات، وقد أصبحت أفكاره الآن تتجاوز كلماته (تسبق كلماته): لكنه تعلَّم بسرعة وعمل بكل جهده داخل مجلس الدولة وخارجه وبذل كل ما يستطيع لتحليل المشكلات وإيجاد الحلول· لقد كان حتّى الآن مجرَّد مواطن قنصل Citoyen - Consul وسمح لآخرين بفرض آرائهم عليه(8) وكان أعضاء مجلس الدولة من أمثال بورتالي Portalis وروديريه Roederer وثيباودو Thibaudeau من ذوي الكفاءة العالية، ولم يكونوا من النوع المنساق، ومع هذا فإنَّ مذكراتهم تَغُصّ بالثناء على رغبة نابليون الشديدة في الإصلاح وبذله قُصارى جهده في العمل· لنستمع إلى روديريه Roederer وهو يقول: أنه دقيق في كلِّ موقف، يُطيل الجلسة لخمس ساعات أو ست··· ودائماً يعودُ إلى هذا السؤال: أهذا عدل؟ أهذا مفيد؟··· وهو دائماً يربط كل مشكلة بظروفها التي يعمد إلى تحليلها تحليلاً دقيقاً والحصول على معلومات بشأن فلسفة التشريعات السابقة الصادرة في أيام الملك لويس الرابع عشر وفردريك العظيم Frederick the Great··· ولم يحدث أبداً أن تم تأجيل المجلس دون أن يكون أعضاؤه أكثر علماً بالأمور من ذي قبل - إذا لم يكن ذلك من خلال المعلومات التي يحصلون عليها منه، فمن خلال البحوث التي يُجبرهم على القيام بها·· وما كان يُميزه عنهم جميعاً هو قوة ملاحظته ومرونته ودأبه إنني لم أره أبداً وقد اعتراه التعب· ولم أجده أبداً وقد فقد عقله تألّقه حتّى ولو كان بدنه متعباً··· أنه لا يوجد أبداً من يُكرّس نفسه كُلِّية للعمل الذي هو عاكف عليه مثله، ولم أَرَ أفضل منه في استثمار وقته وتخصيصه لإنجازِ ما يتحتَّم عليه عمله(9)·
في تلك الأيام كان في مقدور المرء أَنْ يُحب نابليون·
1slash2 الوزراء
وبالإضافة إلى تنظيم أمور التشريعات اللازمة لحكم فرنسا، فقد انخرط في العمل الأصعب ونعني به إدارة البلاد، لقد قسّم هذه المهام الإدارية بين ثماني وزارات جعل على رأس كل منها أكفأ من وجد من الرجال بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية وماضيهم· لقد كان بعضهم يعاقبه وبعضهم من الجيرونديين وبعضهم الآخر من الملكيين وفي حالة أو حالتين سمح نابليون لميوله الشخصية بتجاوز الحد فتطغى على الاعتبارات العملية، ومن ذلك أنه عيَّن لابلاس Laplace وزيراً للداخلية، لكنه سرعان ما وجد الفلكي والرياضي الكبير وقد نقل روح التفاصيل الرياضية الدقيقة إلى الإدارة(01) فنقله إلى السينات (مجلس الشيوخ) وأوكل وزارة الداخلية لأخيه لوسين (لوسيان) بونابرت Lucien·
لقد كان العمل الأساسي، والذي يكاد يكون متعذراً، لوزارة الداخلية هو إعادة الحيوية للكميونات أو المجالس البلدية، وتطويرها لإعادة قدرتها على الوفاء بديونها، باعتبارها - أي هذه الكيمونات أو المجالس البلدية - هي الخلايا المكونة للجهاز السياسي· وقد عبر نابليون بنفسه عن هذه الحال في خطاب وجهه إلى لوسين (لوسيان) في 25 ديسمبر سنة 9971·
منذ سنة 0971 وهذه الكيانات المحلية (الكميونات أو المجالس البلدية) البالغ عددها 000،63 تشبه البنات اليتيمات· لقد كانت هذه الكيانات هي وارثة الحقوق الاقطاعية القديمة، وقد أهملها وسلبها إرادتها الأمناء المفوضون الذين كانت حكومة المؤتمر الوطني وحكومة الإدارة ترسلهم· إن مناصب: رئيس البلدية والخبير التابع له· والمستشار البلدي، أصبحت بالتدريج لا تعني بشكل عام سوى أنها نوع جديد من اللصوصية· فشاغلو هذه المناصب يقطعون الطريق ويسرقون المشاة ويستولون على الأخشاب وينهبون الكنائس ويختلسون ممتلكات الكيمونات·· وإذا كان لابد أن يستمر هذا النظام عشر سنوات أخرى فماذا سيحدث لمؤسسات الإدارة المحلية هذه؟ إن هذه المؤسسات لم ترث شيئاً سوى الانخراط في المناقشات، وسوى الإفلاس حتى أنها ستطلب الإحسان من السكان(11)·
هكذا كان نابليون في نوبات غضبه، لقد كان مبالغاً بمرارة· وإن كان ما قاله صحيحا لجاز الاقتراح بأن يُسمح (بضم الياء) للكوميونات باختيار موظفيها، كما هو الحال في كوميون باريس· لكن نابليون لم يكن راغباً لوصول الأمور فيها إلى ما وصلت إليه في باريس· فالثورة الفرنسية - فيما يرى مؤرخ أتى بعد انقضاء أحداثها، لم تكتشف في الكوميونات الأصغر (من كموميون باريس) سوى عدد قليل من الفلاحين كانوا متعلمين بدرجة كافية وكانوا مثقفين لدرجة تمكنهم من الإحساس بمعنى التكامل والصالح العام(21)· وغالباً ما كان هؤلاء الحكام الذين تم اختيارهم محلياً - مثلهم مثل الحكام الذين بعثت بهم باريس - إما أنهم غير أكفاء، وإما فاسدون، وإما غير أكفاء وفاسدون معاً· لذا فقد أصم نابليون أذنيه عن المطالبات بالحكم الذاتي المحلي Communel self-rule· لقد فضّل - بعد أن رجع للنظام الروماني القنصلي أو لنظام المحافظين intendants في أواخر حكم أسرة البوربون - أن يُعيِّن (أو يجعل وزارة الداخلية تعين) لكل دائرة أو محافظة أو مديرية أو قسم مأموراً prefect (منوطاً به تنفيذ القوانين)، ونائب مأمور (أو مأموراً مساعداً) في الوحدات الإدارية الفرعية، وأن يعين لكل كميون مديراً أو محافظاً أو رئيساً mayor ويكون كل معيَّن (بتشديد الياء وفتحها) مسؤولاً أمام من هو أعلى منه وأخيراً أمام الحكومة المركزية· وعلى هذا فقد كان كل المأمورين المعيَّنين من الرجال ذوي الخبرة الواسعة، وكان معظمهم من الأكفاء جداً(31)· وفي كل الأحوال وجدناهم يمكنون نابليون من القبض على زمام السلطة إلى حد كبير·
وكانت الخدمة المدنية (الجهاز الإداري كَكُل) في فرنسا في عهد نابليون هي الأكثر كفاءة والأقل ديموقراطية من بين كل ما عرفه التاريخ، ربما فيما عدا روما القديمة· وقاوم الشعب هذا النظام، الذي أثبت مع ذلك أنه ترياق يمكن تبرير استخدامه لعلاج نزعتهم الفردية المنطوية على تحقيق مكاسب، وقد احتفظ البوربون عندما عادوا للسلطة بهذا النظام كما احتفظت به الجمهوريات الفرنسية المتعاقبة· لقد أعطى هذا النظام لفرنسا استقراراً واستمرارية طوال قرن اجتاحته الاضطرابات السياسية والثقافية فقد كتب فاندال Vandal سنة 3091 إن فرنسا تعيش اليوم في ظل التشكيل الإداري والقوانين المدنية التي أورثها لها نابليون·
وكانت المشكلة الأكثر إلحاحاً هي إعادة ملء الخزانة· لقد عرض نابليون وزارة المالية على مارتن - ميشيل جودين Martin - Michel Gaudin بناء على توصية من القنصل ليبرو Lebrun وكان جودين قد رفض في وقت سابق هذا المنصب في ظل حكومة الإدارة، وكان مشهوراً بالكفاءة والأمانة· وكان توليه لهذا المنصب في ظل حكومة القناصل ضماناَ لتأييد الماليين وثقتهم في هذه الحكومة الجديدة· فوصلت للخزانة قروض لإنقاذ الدولة وقدم أحد الماليين (البنكيين) للخزانة قرضا مقداره 000،005 فرنك ذهبا ولم يطلب فوائد· وسرعان ما أصبح في الخزانة 21 مليون فرنك تُغطى بها نفقاتها الجارية وتقدم منها للجيش طعامه كساءه، فقد عانى أفراد الجيش طويلا من الملابس الرثة كما أنَّ رواتبهم لم تكن قد دفعت منذ فترة طويلة· (وكان نابليون يضع دائما الجيش في المحل الأول من اعتباره) وسرعان ما نقل جودين Gaudin سلطة تقدير الضرائب وجمعها من المسؤولين المحليين إلى الحكومة المركزية، نظرا للسمعة السيئة للسلطات المحلية في هذا الشأن· وفي 31 فبراير سنة 0081 وحد جودين الوكلات المالية المختلفة في بنك واحد هو بنك فرنسا Bank of France وطُرحت أسهمه للبيع وأصبح له حق إصدار العملة الورقية· وسرعان ما استطاعت الإدارة الدقيقة للبنك أن تُصدر أوراقاً نقدية محل ثقة انتشر استخدامها بين الناس· وكان هذا في حد ذاته ثورة· ولم يكن البنك مؤسسة حكومية وإنما بقي قطاعاً خاصا (in private hands) لكن الحكومة دعمته، وأشرفت عليه جزئياً عن طريق العوائد الحكومية المودعة به، وأصبح على وزير الخزانة باربي ماربوا Barbe - Marbois بالإضافة إلى وزير المالية إدارة ميزانية الدولة والحفاظ عليها في البنك·
وكانت أكثر الأمور في هذا النظام الإداري مدعاة للسخط هي: الحظر، وأعمال البوليس السري والعقاب على الجرائم، وإجراءات حماية المسؤولين الحكوميين من الاغتيال· وكان جوزيف فوشي (فوشيه) Fuaché هو رجل هذه المهام· لقد سبق أن تمرس بكثير من أشكال الخداع والتنكر، وباعتباره كان من المشتركين في قتل الملك، فقد كان الملكيون يضعونه نصب أعينهم كهدف للانتقام، لذا فقد كان يمكن لنابليون أن يعتمد عليه كحاجز منيع يحول بين البوربون Bourbon والاستيلاء على العرش· فبينما دلل جودين Gaudin الماليين ورجال البنوك وروّضهم، وجدنا فوشيه Fouché يُشرك اليعاقبة في آمال القنصل الأول باعتباره ابناً مخلصا للثورة - يحمي العامة من الارستقراطية والإكليروس (رجال الدين) ويحمي فرنسا من القوى الرجعية· وكان نابليون يخشى فوشيه ولا يثق به، وظل محتفظا بطاقم منفصل من المخبرين السريين من بين مهامهم مراقبة وزير البوليس، ولكنه لم يبعده عن منصبة إلا في سنة 2081 وكان هذا بحذر شديد، وأعاده سنة 4081 وظل محتفظاً به إلى سنة 0181· لقد كان نابليون يقدر في فوشيه اعتداله في طلب الدعم المالي، وأوحى لهذا الوزير اللمَّاح بأن يموِّل قواته - جزئياً - بمصادرة أموال نوادي القمار بالإضافة إلى الحصول على أموال من المباغي والمواخير(41)·
وكُلِّفت قوات درك خاصة (جندرمة) لمراقبة الشوارع والمخازن والمكاتب والمنازل التي من المفترض أنها تشارك في دخل الأحياء أو الدوائر (داخل المدن)·
أما دفاع الفرد حتى لو كان مجرماً عن نفسه أمام البوليس والقانون والدولة فلم يحظ بالعناية الكافية في فرنسا على النحو الذي حظي به في انجلترا في تلك الأيام، لكن شيئا من ذلك قد كفله قضاة أكفاء· وعند اسناد هذا الفرع من فروع الادارة للفقيه القانوني أنديه - جوزيف أبريمال André - Joseph Abrimal قال له نابليون: أيها المواطن· إنني لا أعرفك، لكن هناك من أخبرني أنك أكثر الرجال أمانة عندما تتولى أمراً من أمور الحكم، وهذا هو السبب الذي جعلني أعينك وزيراً للعدالة(51) وسرعان ما امتلأت فرنسا بالمحاكم المختلفة التي غصت بهيئات المحلفين Juries التي تضم الكبار والشباب وقضاة الصلح Justices of Peace والمحضرين bailiffs والمدعين العموم (المفرد: مدّعي عام Prosecutor) والمدعين (مقدمي الدعاوى Plaintiffs) وكتاب العدل (محرري العقود notaries) والمحامين···
أما حماية الدولة الفرنسية من الدول الأخرى فتلك هي مهمة وزارة الحرب التي تولاها الجنرال لويس - اسكندر بيرثييه Louis - Alexander Berthier ووزارة البحرية التي تولاها دينيس ديكر Denis Decres ووزارة الخارجية Ministere des Relations Exterieures التي تولاها تاليران Talleyrand المستعصي على الفساد· وكان قد بلغ من العمر عند توليه هذا المنصب خمسة وأربعين عاماً، وقد حقق شهرة عريضة كشخص مهذب رقيق الحاشية عميق الفكر فاسد الأخلاق (عاهر) with moral depravtiy لقد رأيناه أخيراً (في 41 يوليو سنة 0971) يقيم قداساً مقدساً في مهرجان معسكر دي مار de - Mars Champ، وبعد ذلك بفترة قصيرة كتب لآخر محظية من محظياته آديليد دي فيلول، كونتيسة فلاهوت Adelaide de Filleul, Comtesse de Flahaut : إنني آمل أن تكوني قد أحسست لأي إلهٍ وجهت صلواتي بالأمس، ولمن أقسمت قسم الولاء والاخلاص في هذه الصلوات· لقد كان ذلك موجهاً لك· فأنتِ الموجود الأسمى Supreme being الذي أعبده وسأظل أعبده دوماً(61) وقد أنجب من الكونتيسه ابناً لكنه حضر عرسها بهدوء كواهب خفي للعروس(71) وكان ضعفه أمام جمال النساء مصحوباً بطبيعة الحال بشغفه بالفرنكات فبها يعيش الجمال (المقصود أن النساء الجميلات في حاجة إلى المال الوفير)· ومنذ رفض الأخلاق المسيحية واللاهوت الكاثوليكي وجدناه يوظف بلاغته وفصاحه لسانه لتحقيق المكاسب، وتلقى باقة ورد - لهذا - من كارنو Carnot الذي قال عنه:
لقد حمل تاليران معه كل رذائل الحكم القديم دون أن يكون قادراً على اكتساب فضائل الحكم الجديد· إنه شخص بلا مبادئ ثابتة· إنه يغير مبادئه كما يغير ملابسه، ويغير اتجاهه وفقا للريح، فهو فيلسوف إن كانت الفلسفة هي الصرعة السائدة، وهو جمهوري الآن لأن ذلك ضروري ليكون أي شيء، وسيعلن غداً أنه ملكي تماماً إن كان سيحصل من جراء هذا الاعلان على أي شيء· إنني لا أشتريه بشروى نقير أو بتعبير آخر أنا لا أريده بأي ثمن مهما كان بخساً· ووافق ميرابو Mirabeau على أن تاليران سيبيع روحه من أجل المال، وسيكون على حق لأنه في هذه الحال إنما يبيع القذارة بالذهب(81)·
وعلى أية حال فقد كانت هناك حدود لدوران تاليران وعبثه، فعندما طردت الجماهير الملك والملكة من قصر التوليري وأقامت دكتاتورية البروليتاريا، فإنّه لم يَنْحَنِ للسادة الجدد وإنما استقل قارباً واتجه إلى إنجلترا في 71 سبتمسر نسة 2971، وهناك قُوبل بمشاعر مختلفة ومتباينة، فقد استقبله بحرارة كل من جوزيف يرستلي Joseph Priestley وجيرمي بنثام Jeremy Bentham وجورج كاننج Geroge Canning وشارلز جيمس فوكس(91) Fox، أما من استقبلوه ببرود فهم الارستقراطية الإنجليزية الذين لم ينسوا دوره في الثورة الفرنسية· وفي مارس سنة 4971 انتهى التسامح الانجليزي معه وصدرت الأوامر له بمغادرة انجلترا في غضون أربع وعشرين ساعة، فأبحر إلى الولايات المتحدة وعاش هناك بارتياح من عوائد ممتلكاته واستثماراته، وعاد إلى فرنسا (أغسطس 6971)· وأصبح وزيراً للخارجية (يوليو 7971) في ظل حكومة الإدارة· وبمثل هذه الطاقة والقدرة استطاع أن يضيف لثروته الكثير بأساليب شتى حتى أنه كان قادراً على إيداع مبلغ ثلاثة ملايين فرنك في البنوك الإنجليزية والألمانية· وعندما علم أن حكومة الإدارة ستسقط استقال منها في 02 يوليو سنة 9971 وراح ينتظر مطمئناً مترقباً وصول نابليون للحكم ليستدعيه لشغل منصبه من جديد، ولم يطل انتظاره فقد استدعاه القنصل (نابليون) في 22 نوفمبر سنة 9971 ليصبح - من جديد - وزيراً للخارجية·
لقد اعتبره نابليون شخصاً ذا قيمة باعتباره حلقة وسطى بين الحاكم (المقصود متولي المنصب) المُحْدَث (أي الذي لم يتول شؤون الحكم من قبل) والملوك المنحلين· لقد ظل تاليران - خلال كل ثوراته وتقلباته - محافظاً على ملابس الارستقراطية القديمة وعاداتها وطريقتها في التفكير وأسلوبها في الحديث: فقد كان حسن المنظر مقبولاً (رغم قدمه المعوجة) كما كان هادئاً رابط الجأش حاد الذهن لماحاً حتى أنه إذا لزم الأمر استطاع أن يقتل بعبارة ساخرة· وكان دائب العمل ودبلوماسياً داهية قادراً على إعادة صياغة تصريحات سيده (نابليون) الطائشة الفظة ليغلفها بغلاف ودي أنيق· وكان مبدأه لا تتعجل في اتخاد القرار(02) - وهو شعار طيب يتناسب مع رجل أعرج، وفي حالات مختلفة أدى تأخره في إرسال بريد الدولة إلى تراجع نابليون عن قرارات غير صائبة·
لقد أراد - مهما كان العلم الذي يرفرف فوقه - أن يعيش مبذراً في بحبوحة دائمة، مهتبلاً فرص المسرات بتروٍ، جامعاً ثمار أي شجرة يلقاها· وعندما سألة القنصل (نابليون) كيف تمكن من جمع هذه الثروة الضخمة؟ أجابه مبتسماً ودون مواربة لقد اشتريت بضائع في السّابع عشر من شهر برومير Brumaire (الجمهوري) وبعتها بعد ذلك بثلاثة أيام(12)· ولم يكن ما قاله لنابليون سوى البداية، ففي غضون أربعة عشر شهراً من استعادته لمنصبه كوزير للخارجية أضاف لحساباته البنكية خمسة عشر مليون فرنك أخرى· لقد كان يلعب في السوق بناء على معلومات يحصل عليها من داخل الحكومة، كما أنه تلقى عمولات tidbits من القوى الأجنبية التي بالغت في تقدير تأثيره على سياسات نابليون· وفي نهاية فترة القنصلية قُدرت ثروته بأربعين مليون فرنك(22)· وكان رأي نابليون فيه أنه شخص مقرف وليس هناك من يحل محله (لا يمكن الاستغناء عنه)· لقد وصفه مستوحياً ذكرى ميرابو Mirabeau بأنه الأعرج أنه بُراز (غائط) في جورب حريري(32) مستخدماً عبارات أقل إيحاء في الفرنسية من نظيراتها لدى الإنجلوسكسون· وكان نابليون نفسه الذي استحوذ على الخزانة الفرنسية وفرنسا كلها - فوق مستوى الرشوة·
1slash3 كيف استقبل الفرنسيون الدستور الجديد؟
واجه الدستور الجديد عند نشره في 51 ديسمبر 9971 كثيراً من النقد رغم ما ورد به من دعوى أنه إنما قام على المبادئ الحقة لحكومة تمثيل نيابي، وعلى احترام حقوق الملكية والمساواة والحرية· وأن السلطات التي رسخها ستكون قوية راسخة كما ينبغي أن تكون لضمان حقوق المواطنين ومصالح الدولة· أيها المواطنون لقد قطعت الثورة شوطاً بعيد المدى في سبيل تحقيق المبادئ التي انطلقت منها· لقد انتهت الآن هذه الثورة it is Finished(42)· لقد كانت هذه كلمات مطاطة لكن نابليون اعتبرها كافية لأن الدستور سمح لكل الذكور البالغين بالادلاء بأصواتهم في المراحل الأولى للانتخابات· وأنه - أي الدستور - نص على ألاّ يكون هناك تعيين جديد إلاَّ من بين الممثلين notables الذين انتخبهم الشعب بطريق مباشر أو غير مباشر، وأنّه - أي الدستور - أقر ملكية الفلاحين والبورجوازية التي استحوذوا عليها بالشراء نتيجة قيام الثورة، وأقر إلغاء الرسوم الاقطاعية وإلغاء العشور التي كانت تجمعها السلطات الكنسية· ومن الناحية النظرية أكد مساواة كل المواطنين أمام القانون وأهليتهم لشغل أي موقع في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، ورسخ - أي الدستور - حكومة مركزية قوية للقضاء على الجريمة والفوضى السياسية والفساد والتسيب الإداري، وللدفاع عن فرنسا ضد القوى الاجنبية، وأنه - أي الدستور - قد أنهى الثورة بأن جعلها أمراً واقعا (أي حقق ما كانت تعمل على تحقيقه) إذ حقق غرضها في نطاق حدود طبيعية وشكَّل شكلاً جديداً من التنظيم الاجتماعي يمتد بجذوره في حكومة ثابتة الأركان، وإدارة ذات كفاءة وحرية على مستوى الأمة كلها، وقانون دائم·
ومع هذا كان هناك متذمرون، فقد شعر اليعاقبة أن دستور السنة الثامنة قد تجاهلهم ذلك أن الحكومة النيابية (حكومة التمثيل الوطني representative government) التي أخذ بها الدستور إنما هي حكومة تُسلِّم الثورة·· بشكل متملق للبورجوازية· وكان العديد من الجنرالات في حالة دهشة فَلِمَ لم يختر القدر واحداً منهم ليتسنم الذروة السياسية بدلاً من هذا الكورسيكي التافه (نابليون) ومن أقوال نابليون أنه ليس من جنرال من هؤلاء الجنرالات إلا وتآمر ضدي(52) وحزن الكاثوليك لأن الدستور أقر مصادرة الثورة لممتلكات الكنيسة، وعم الاضطراب مرة أخرى منطقة الفندي Vendee (0081)· والملكيّون تملكهم الغيظ لأن نابليون قد رسخ وضعه بدلاً من أن يدعو لويس الثامن عشر Louis XVIII ليعتلي عرش البوربون· وبدأ الملكيّون في شن حملات صحفية رافضين الحكم الجديد وساعدهم على ذلك أنهم كانوا يسيطرون على معظم الصحف(62)· وقد رد نابليون على هذه الحملات (71 يناير سنة 0081) بوقف ستين صحيفة من ثلاث وسبعين صحيفة كانت تصدر في فرنسا في ذلك الوقت بحجة أنها تتلقى أموالاً من دول أجنبية· وتم تقليص الصحافة الراديكالية ايضا وأصبحت جريدة المونيتور (المرشد أو المعلم Moniteur) هي الجريدة الرسمية الناطقة باسم الحكومة· وأدان الصحفيون والكتاب والفلاسفة هذا التعدي على حرية الصحافة، والآن تحقق أمل مدام دي ستيل de Stael لتلعب دور إيجيريا Egeria (الناصحة) فبدأت هجوماً ضارياً استمر طوال حياتها ضد نابليون واصفة إياه بأنه دكتاتور وَأَدَ الحرية في فرنسا·
وكانت صحيفة المونيتور هي اللسان الناطق بالدفاع عن نابليون· لقد قالت أنه لم يدمر الحرية، وإنما كان هذا أمراً قائماً بالفعل بسبب الحاجة إلى حكومة مركزية لأغراض الحرب، وبسبب تلاعب اليعاقبة بالانتخابات، ودكتاتورية الجماهير المشاغبة، وتوالي الانقلابات في الأعوام التي تولت فيها حكومة المديرين الحكم، وما كان قد تبقى منها (الحرية) تمرغ في أوحال الرشوة الساسية والفساد الأخلاقي· إن الحرية التي وَأَدَها (صَلَبها) نابليون كانت هي حرية الجماهير بعدم الالتزام بالقانون، حريتهم في ارتكاب الجرائم والسرقة والقتل، حرية الدعاية الغوغائية في الكذب وحرية القضاة في تقاضي الرشاوي وحرية رجال المال في الاختلاس، وحرية رجال الاعمال في الاحتكار· ألم يدافع مارا Marat عن الدكتاتورية باعتبارها العلاج الوحيد لفوضى المجتمع التي ضربت أطنابها فجأة بسبب وصاية الدين والهيمنة الطبقية والأوتوقراطية الملكية، وأوصى بترك الأمور تحت رحمة إلحاح الغرائر وطغيان العامة؟ ألم تمارس لجنة الأمن العام هذه الدكتاتورية ممارسة فعلية؟ لقد آن الأوان لفرض شيء من النظام لإعادة ضبط الأمور، فهذا أمر لازم لتقوم الحرية على أساس(72)·
أما الفلاحون فلم يكونوا بحاجة لمثل هذه الحجج ليؤيدوا الدستور الجديد، فهم يمتلكون الأراضي وقد أيدوا سراً كل حكومة تقمع اليعاقبة· وهنا وجدنا البروليتاريا في المدن يتفقون مع الفلاحين - رغم المصالح الاقتصادية المتعارضة· أما ساكنو الشقق - عمال المصانع والكتبة في المحلات والبائعون الجوالون - الذين هم مثل السانس كولت (الذين يرتدون البناطيل الطويلة أي الذين ليسوا نبلاء ولا إكليروس) وكانوا يكافحون طلباً للخبز والسلطة، فقد وجدناهم يفقدون إيمانهم بالثورة التي حلقت بهم في عنان السماء ثم هوت بهم من حالق، تاركة إياهم وقد تمزقت آمالهم، ولم يبق هناك سحر يثيرهم سوى بطل الحرب وهازم إيطاليا فهو في رأيهم لن يكون أسوأ من السياسيين في حكومة الإدارة· أما البورجوازيون - رجال البنوك والتجار ورجال الأعمال - فكيف يرفضون رجلا احترم الملكية (بكسر الميم) احتراما كاملا وأقر مبدأ الحرية الاقتصادية؟ إنهم به (أي بنابليون) ربحوا الثورة وورثوا فرنسا· لقد كان هو رجلهم حتى سنة 0181·
وعندما أصبح نابليون واثقاً من تأييد الغالبية العظمى له طرح الدستور الجديد للاستفتاء العام في 42 ديسمبر سنة 9971 ولا ندري إن كان هذا الاستفتاء قد جرى التلاعب فيه مثل كثير من الاستفتاءات المشابهة قبل ذلك وبعده أم لا، لك الإحصاء الرسمي للأصوات يشير إلى موافقة 701،110،3 على الدستور الجديد، واعتراض 265،1(82)·
ولما أدرك نابليون كثرة المؤيدين له، انتقل مع أسرته ومعاونيه من لكسومبرج المزدحمة إلى قصر التوليري الرحب وكان ذلك في 91 فبراير سنة 0081· وكان انتقاله مصحوباً بموكب فخم يضم ثلاثة آلاف تشكيل من الجنود، وجنرالات يركبون خيولاً، والوزراء في العربات وأعضاء مجلس الدولة في مركبات كبيرة، أما القنصل الأول (نابليون) فكان في مركبة فخمة تجرها ستة خيول بيض· لقد كان هذا الموكب أول نموذج للعروض التي كان نابليون يأمل عن طريقها في التأثير في جماهير باريس· وقد شرح ذلك لسكرتيره:
بورين Bourriene سنبيت أخيراً هذه الليلة في قصر التوليري· إنك في حال أفضل مني: فأنت لست مضطرا لإظهار نفسك، لكنك قد تأخذ طريقك إلى هناك· وعلى أية حال فلابد أن أذهب إلى التوليري في موكب، وهذا يُزعجني لكنه ضروري للحديث إلى عيون الناس··· في الجيش تتجلى البساطة لكن في مدينة كبيرة وفي القصر لابد أن يجذب رئيس الحكومة الانتباه بكل طريقة ممكنة مع الحذر(92)·
واكتلمت طقوس النصر بملاحظة مزعجة: على أحد مراكز الحراسة في ساحة قصر التوليري قرأ نابليون: العاشر من أغسطس 2971 - تم إلغاء الملكية في فرنسا ولن تعود مرة أخرى أبدا(03) وأثناء تجواله في غرف القصر التي سبق أن شهدت يوما ما ثراء البوربون، أبدى مستشار مجلس الدولية - روديريه Roederer - الملاحظة التالية: أيها الجنرال هذا محزن فأجاب نابليون نعم، محزن مثل العظمة(13) واختار نابليون غرفة واسعة لا يزينها سوى الكتب ليعمل بها مع سكرتيره بورين Bourrienne وعندما أطلعه مساعدوه على السرير الملكي وغرفة النوم الملكية رفض استخدامها مفضلاً النوم بشكل معتاد مع جوزفين إلا أنه على أية حال قال لزوجته بطريقة لا تخلو من فخر تعالي يا صغيرتي كرول Creole ونامي في سرير سادتك(23)·
| صفحة رقم : 14577 |
|