قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> القنصلية -> الطريق إلى الإمبراطورية

6- الطريق إلى الإمبراطورية


1804


وبينما نابليون يتأمل في أمر المؤامرة اعترته الدهشة لم يتحتم عليه أن يمارس عمله في ظل تهديــد دائم باغتيالــه، بينماــ الحكــام الذيــن تحالفــوا ضــده مــراراً - جورج الثالث في إنجلتـرا وفرنســوا الثانــي فـي النمسا والإمبراطوريـة الرمانيـة المقدسـة وفريدريـك وليــم الثالث فـي بروســيا واســكندر الأول في روســيا - يمكن للواحــد منهم أن يُواصل حكمه حتى يوافيه الموت بشكل طبيعي، كما يمكن للواحد منهم أن يُعَوِّل على نقل سلطته إلى وريثه الطبيعي أو المُعيَّن· ووجد أن هذا لا يمكن أن يكون بسبب أخذهم بأساليب الحكم الديمقراطي سياسة وتعييناً· لقد ظهر له أن السر الكامن في استقرار أوضاعهم يكمن في شرعيتهم - أي رسوخ مبدأ الوراثة في الحكم في الرأي العام بسبب اعتيادهم عليه طوال أجيال وقرون·
لقد كان نابليون يحلم بينه وبين نفسه بالحكم المطلق الخالص بل وأن يكون مؤسس أسرة حاكمة تكتسب شرعيتها بمرور الزمن وتكتسب عبير العراقة· لقد شعر أن الأعمال التي يتطلع لإنجازها تتطلب استقراراً واستمرارية كالتي يتسم بهما الحكم المطلق· لقد وضع في اعتباره كيف أن قيصر أدخل القوانين الرومانية والحضارة الرومانية إلى بلاد الغال Gaul وأبعد الجرمان إلى ما وراء الراين واكتسب لقب إمبراطور والقائد العام - حسناً، ألم يفعل نابليون هذا؟ وفكر نابليون كيف أن أغسطس Augustus أنجز الكثير خلال فترة حكمه الإمبراطوري الذي دام واحداً وأربعين عاماً بعد أن أنهى الفوضى التي سببها العامة مُتلقياً دعم أعضاء السينات (مجلس الشيوخ) الذين كانوا على درجة كافية من الحكمة تجعلهم يتخلون عن المناقشات الطويلة واللَّغْو مُخْلين الطريق أمام العبقرية· وان نابليون ابن إيطاليا والذي يُكنُّ إعجاباً بالرومان القدماء يتطلع إلى مثل هذا الاستمرار في الحكم الذي لا يُعكِّر صفوه شيء وإلى الحق في تعيين من يَخْلُفه على نحو ما كان يفعل أباطرة القرن الثاني·
وكان يفكر أيضاً في شرلمان وغالباً ما كان يتحدث عنه· شرلمان الذي استمر حكمه ستة وأربعين عاما (867 - 418) ففزض النظام على بلاد الغال وجلب لها الرخاء ونشر قوانين الفرانكيين (الفرنج Franks) - كقوة متحضرة - في ألمانيا وإيطاليا، ونال مباركة البابا، ألم يفعل نابليون كل ذلك؟ ألم يُعِد لفرنسا دينها الذي قمع الشغب الوثني الذي أطلقته الثورة من عقاله؟ ألا يستحق - مثل شارلمان - التاج مدى الحياة؟
لم يكن أغسطس ولا شرلمان يؤمنان بالديمقراطية ولم يكونا لِيُخْضِعا أحكامهما المصقولة الحكيمة وسياساتهما بعيدة النظر وخططهما المستقبلية لنقد ممثلي الجماهير الساذجة المتسم بالميل للأسفاف ومناقشاتهم غير المجدية لكونهم عُرضة لقبول الرشاوى· لقد عرف قيصر وأغسطس الديمقراطية الرومانية في أيام شراء أصوات الناخبين مع أيام ميلو Milo وكلوديوس Clodius، وما كان لهما أن يحكما توصية من جماهير لا عقل لها· لقد شهد نابليون الديمقراطية الباريسية في سنة 2971 وشعر أنه لا يستطيع أن يقرر (ويعمل) باسم الجماهير الملتهبة عواطفها· لقد آن الأوان لطي صفحة الثورة وتعزيز مكاسبها الأساسية وإنهاء الفوضى والقلق والحرب بين الطبقات·
والآن بعد أن طارد أنصار الملكية بأحكام الإعدام، أصبح مُستعداً لقبول دعواهم الرئيسية التي مؤدّاها أنّ فرنسا ليست مستعدّة - عاطفياً أو عقلياً - لحكم نفسها بنفسها (المقصود ليست مستعدة للحكم الديمقراطي) وأن شكلاً من أشكال الحكم الفاشستي أمرٌ لا مفر منه· وفي سنة 4081 - وفقاً لما ذكرته مدام دي ريموزا Remusat بدأ أشخاص مُعيَّنون مُرْتبطون على نحو ما بالأمور السياسية يؤكدون أن فرنسا تشعر بضرورة حق السلطة في الحكم المطلق· ورأى السياسيون من الحاشية والمؤيدون للثورة أن استتباب الهدوء في البلاد يعتمد على حياة فرد واحد وراحوا يناقشون عدم استقرار نظام القنصلية· لقد مالت آراء الجميع شيئاً فشياً إلى الملكية(001)· واتفق نابليون معهم، فقد ذكر لمدام ريموزا Remusat أن الفرنسيين يحبون الملكية وكل زخارفها(101)·
وعلى هذا، فإنه ليبدأ الطريق إليها، قدَّم للفرنسيين كل زخارف الملكية (بهارجها الخارجية) فأمر القناصل بارتداء زي رسمي وكذلك الوزراء وأفراد الحكومة الآخرون· وشاع استخدام المخمل في صنع هذه الملابس، وكان هذا في جانب منه لتشجيع صُنّاع المخمل في ليون· وجعل نابليون في خدمته الشخصية أربعة جنرالات وثمانية معاونين وأربعة مديرين للشرطة واثنين من السكرتيرين· وشهدت المحكمة القنصلية بروتوكولات معقدة، وفُرِض فيها نمطُ سلوك خاص (اتيكيت) يضارع ما كان في العهد الملكي· وعُيّن الكونت أوغسط دي ريموزا Auguste de Remusat قيِّما على المراسم، بينما أصبحت زوجته كلير Claire على رأس أربع سيّدات لمرافقة جوزفين· وأضاف الخدم ذوو الملابس المزركشة والمركبات المزدانة مزيداً من التعقيد للحياة الرسمية· وقد راعى نابليون كل هذه المراسم أمام الجماهير أما عندما يكن بعيداً عن عيون العامة فإنَّه يجنح إلى بساطته التي اعتاد عليها· وعلى أية حال، فإنّه كان يبتسم ابتسامة الرضا والموافقة في مهرجانات البلاط وعندما يرى الملابس التنكرية في الكرنفالات وعند قيامه بزيارات رسمية للأوبرا حيث تعرض زوجته عباءاتها (الغالية) مذكِّرة بأميرة أخرى مُسْرفة ماتت مؤخراً ميتة تثير الشفقة· لقد دلَّلته باريس كما دلّل هو جوزفين، ومع ذلك فلم يكن نابليون هذا الحاكم الشاب لينخرط في الأناقة المتكلَّفة والمظاهر الكاذية فما كان لمن جمع بين إهابة روح أغسطس الإدارية وانتصارات قيصر ليفعل ذلك· لقد بدا من الطبيعي أن يصبح نابليون إمبراطوراً·
ومن الغريب أن نقول أن كثيراً من الجماعات سمعت - بلا امتعاض - الإشاعات التي مؤدّاها أنه على وشك أن يتوَّج· لقد كان هناك حوالي 000،002،1 فرنسي قد اشتروا من الدولة ممتلكات صادرتها من الكنيسة أو من المهاجرين الذين تركوا فرنسا إثر أحداث الثورة· وهؤلاء كانوا يرون أنه لا ضمان لسندات ملكيتهم خير من منع عودة البوربون ورأوا في استمرار سلطة نابليون خير ضمان لمنع وقوع كارثة بسلبهم ما اشتروه· وكان الفلاحون يفكرون على النحو نفسه، أما البروليتاريا فكانت منقسمة إذ كانت لا تزال مغرمة بالثورة باعتبارها - إلى حد كبير - من عملها لكنها أيضاً كانت مرتاحة للتوظيف الثابت والأجور الطيبة الذين أتاحهما الحكم القنصلي· بالاضافة الى أن أفرادها لم يكونوا بعيدين عن الإحساس بالعظمة أو مستثنين من الإحساس بفتنة الإمبراطورية وسحرها، وربما كانوا في هذا يفوقون كل أولئك الذين ناضلوا من أجل فرنسا· أما البورجوازية فكانت متشككة في الأباطرة إلاّ أن هذا الإمبراطور المرتقب (نابليون) كان هو رجلهم المخلص والنشط· وكان المحامون الذين نشأوا في أحضان القانون الروماني في غالبهم ميّالين إلى تحويل فرنسا إمبراطورية لتواصل عمل أغسطس والأباطرة الفلاسفة من نيرفا Nera إلى ماركوس أوريليوس Aurelius، بل أن الملكيّين كانوا يرون أنه حتى لو لم يستطيعوا إعادة سلالة البوربون فإنها خطوة للأمام إن عادت الملكية لفرنسا· أما الإكليروس فإنهم رغم معرفتهم أن تقوى نابليون ما هي إلاّ غطاء سياسي فقد كانوا ممتنين لإعادة الكنيسة· وكادت كل الطبقات خارج باريس تؤمن بأن الحكومة الملكية المستقرة هي وحدها التي تستطيع ضبط النَّزَق الفردي والانقسام الطبقي الذي يُدَمْدم تحت قشرة الحضارة أو بتعبير آخر الكامن في الحضارة التي لا تشكل سوى قرشة خارجية·
ومع هذا فقد كانت هناك أصواتٌ معارضة فباريس التي سبق أن قامت بالثورة وعانت من أجلها ما كان لها أن تتخلى عنها بكل دساتيرها التي تُتيح قدراً من الديمقراطية كَثُر هذا القدر أم قل - دون أسف عليها جهراً أم سراً· والزعماء اليعاقبة الذين كانوا لايزالون على قيد الحياة رأوا في التغيير المتوقَّع نهاية لدورهم في توجيه فرنسا، وربما نهاية لحياتهم· والذين كانوا قد صوَّتوا لإعدام لويس السادس عشر قد علموا الآن أن نابليون قد استثمر اشتراكهم في قتل الملك، وكان عليهم أن يعتمدوا على فوشيه Fouche لحيميهم لكن فوشيه كان يمكن أن يُطرد مرة أخرى· والجنرالات الذين كانوا يأملون في اقتسام فرنسا معه ومشاركته السلطة لعنوا الحركة التي كانت تُعد لإلباس الثياب الملكية الأورجوانية لهذا التافه القادم من كورسيكا(201)· أما الفلاسفة والعلماء في المعهد الفرنسي فحزنوا لأن واحداً من أعضاء معهدهم (نابليون) كان يخطط لإسقاط الديمقراطية في استفتاء إمبراطوري·
حتى بين أفراد الأسرة المالكة كانت هناك مشاعر متضاربة· فقد كانت جوزفين تُعارض بخوفٍ أيَّ اتجاه نحو الإمبراطورية فإذا أصبح نابليون إمبراطوراً صار أكثر توقاً لوريث، وبالتالي مال لتطليقها فهو لا يتوقع أن تنجب له ولياً للعهد، وإذا ما تم طلاقها فقدت في لحظات عالمها المتألق العامر بالملابس الغالية والمجوهرات· وكان اخوة نابليون وأخواته يحثونه منذ زمن طويل على طلاقها· لقد كانوا يكرهون هذه الكرول Creole العاهرة اللعوب كعقبة في سبيل أحلامهم لتحقيق السلطة· والآن فإنهم يؤيدون الاتجاه للإمبراطورية كخطوة لإزاحة جوزفين، وقد صاغ جوزيف أخو نابليون القضية كالتالي: مؤامرة كادودال ومورو حتمت إعلان مبدأ الوراثة كأساس للحكم· فقد تؤدي حركة مفاجئة إلى الإطاحة بنابليون كقنصل (أول) ومن ثم فإن مبدأ الوراثة يُعد بمثابة ترس حماية فإن قَتْله في هذه الحال لا يُحقِّق الغرض المطلوب وهو الإطاحة بنظام الحكم كله· والحقيقة أنَّ طبيعة الأشياء تجعلنا نميل إلى تحقيق مبدأ الوراثة في الحكم· إنها مسألة ضرورة(301)·
وتحرك أعضاءُ مجلس الدولة ومجلس الشيوخ (السينات) والتريبيون (مجلس الدفاع عن حقوق الشعب) وغيرهم في الحكومة بكياسة لتحقيق رغبات نابليون لأسباب بسيطة فموافقتهم لن تؤدي إلاّ إلى التقليل من حريتهم في المناقشة، تلك الحرية التي كانت قد قُيِّدت بالفعل بالإضافة الى أن معارضتهم قد تُنهي أدوارهم السياسية، كما أن الموافقة في وقت باكر قد تُحقِّق لهم مكافآت سخية· وفي الثاني من شهر مايو سنة 4081 أقرَّت الهيئات التشريعية ثلاثة اقتراحات. 1- سيتم تعيين نابليون بونابرت إمبراطوراً للجمهورية الفرنسية، 2- لقب إمبراطور والسلطات الإمبراطورية ستكون وراثية في أسرته·· 3- الحرص على حماية مبادئ المساواة والحرية وحقوق الشعب ككل وفي 81 مايو أعلن مجلس الشيوخ (السينات) نابليون إمبراطوراً· وفي 22 مايو أقرت نتيجة الاستفتاء (من خلال الأصوات المسجلة والتي وقّع فيها كل منتخب على قراره) هذا الأمر الواقع بواقع 923،275،3 موافقون و 965،2 معارضون، فقال جورج كادودال في سجنه بعد أن وصلته هذه الأخبار: لقد أتينا هنا - أي إلى السجن - لنجعل لفرنسا ملكاً، أمّا الآن فقد جعلنا لها إمبراطوراً(401)·


صفحة رقم : 14582