قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الأدب والفكر في مرحلة انتقال -> وليم بلايك

4- وليم بلايك


7571 - 7281


ولد وليم بلايك قبل جين أوستن بثمانية عشر عاما ولاقى نحبه بعد موتها بعشر سنين· ويمثل بلايك حلقة الوصل أو المرحلة الانتقالية إلى الرومانسية· لقد عاش في عالم الأسرار ورفض العلم وشك في الله وعبد المسيح وحوّل الكتاب المقدس ونافس الأنبياء ودعا إلى مدينة مثالية (يوطوبيا) يقطنها قديسون يمشون على الأرض ·
لقد كان ابنا لصانع جوارب في لندن، واعتراه الرعب وهو في الرابعة من عمره عندما رأى الرب ينظر إليه عبر النافذة· وبعد ذلك بقليل رأى الملائكة ترفرف فوق شجرة، كما رأى النبي حزقيال Ezekiel يتجول في حقل(3)· وربما لم يُرسل به أهله إلى المدرسة حتى العاشرة من عمره بسبب خيالاته التي كانت تختلط بحواسه دون فاصل أو قاعدة· وقد التحق بعد وصوله هذه السن (العاشرة) إلى مدرسة رسم، وفي الخامسة عشرة بدأ التدرب على مهنة النحت مع النحات جيمس باسير Basire واستمر على هذه الحال طوال سبع سنوات · لقد قرأ كثيرا بما في ذلك أعمالا رومانسية مثل ذخائر الشعر الإنجليزي القديم لبيرسى Percy ومؤلف ماكفرسون Macpherson المعروف باسم أوسيان Ossian وكتب هو نفسه الشعر ورسم الرسوم التوضيحية· وعندما بلغ الثانية والعشرين تم قبوله كدارس للحفر في الأكاديمية الملكية Royal Academy ولكنه تمرد على نصائح رينولدز Reynolds الكلاسية، وفي وقت لاحق ندم على أنه أضاع جهده وشبابه وعبقريته في ظل كابوس السيد يشوع Joshua وجماعته الماكرة من الخدم المستأجرين(4) وقد طور أسلوبه الخيالي في الرسم رغماً عنهم وكان قادرا على إبراز شخصيته من خلال الألوان المائية وأعمال الحفر·
ولم يكن ميالاً بشدة إلى الجنس الآخر وقد عبر ذات مرة عن أمله في ألا تكون هناك لقاءات جنسية وعن أمنيته في زوال هذه الرغبة من البشر(5)· ومع هذا فقد تزوج وهو في الخامسة والعشرين من كاترين بوشير Catherine Boucher وكان غالبا ما يسبب لها المتاعب بنوبات غضبه كما كان يرعبها برؤاه، ومع هذا فقد اعترفت بعبقريته واهتمت به بإخلاص حتى آخر حياته ولانعرف أن له أطفالا لكنه كان يجب اللعب مع أطفال أصدقائه· وفي سنة 3871 قام جون فلاكسمان Flaxman و أ· س · ماثوس A.S. Mathews بتمويل طبعة خاصة لأشعار بلايك الباكرة، وقد أعيد نشر هذه الاسكتشات الشعرية في سنة 8681 فأسهم ذلك في تحقيق شهرته التي تأخرت· وبعض هذه الأشعار مثل إلى نجم المساء (الزهرة) وهي مقطع ملحمي غير مقفى احتل مكانا حفيا في الشعر الإنجليزي(6)· وقد كان مثله في ذلك مثل أي روح شاعرة حساسة باغضا لتركز الثروة وشيوع الفقر في إنجلترا· لقد كان مثل توم بين Paine وجودون Godwin وماري ولستونكرافت Wollstonecraft وغيرهم من الراديكاليين الذين تعاملوا مع الناشر جوزيف جونسون Johnson، قد شرب حتى الثمالة من نبيذ التنوير الفرنسي وتغنوا بالعدالة الاجتماعية والمساواة· وكان مظهره ينم عن روح نافرة من أي نظام مفروض· كان قصيرا ممتلئا ذا ملامح نبيلة مفعمة تعبيرا وحيوية وكان شَعره بنيا مُشرباً بصفرة مصففا بإتقان وكانت خصلاته غير متدلية وإنما منتصبة وكان ينظر وكأنه رادار لما هو بعيد ، ولابد أن عينه الحادة وجبهته العريضة وفراسته الشديدة قد أضفت على مظهره جاذبية حقيقية(7)·
وفي سنة 4871 افتتح محل طباعة في شارع برود Broad Street واتخذ من أخيه الأصغر روبرت مساعداً له فكانت علاقتهما حميمة لأن كل وحد منهما كرس حياته للآخر، ولكن روبرت كان متلافا كثير الإنفاق وقد أدى موته في سنة 7871 إلى تعميق التوتر والكآبة في نفس وليم، وأدّى إلى الجانب الصوفي في فكره· لقد كان مقتنعا أنه رأى روح روبرت لحظة موته وهي تصعد عبر السقف· رآها وهي تصفق من فرط السعادة(8) وقد عزا إلى شبح روبرت طريقة الحفر على إحدى اللوحات - سواء حفر النص أو حفر الرسوم التوضيحية· وكانت كل كتب بلايك تقريبا محفورة على النحو نفسه وكانت تباع بمبلغ يتراوح بين شلنات قليلة وعدة جنيهات للواحد منها· وكان قراؤه - حتى ذلك الوقت - قليلين·
وفي سنة 9871 أصدر أول عمل كبير من أعماله هو أغاني البراءة وكان يضم تسع عشرة مقطوعة شعرية· ومن الواضح أنه كان يعني بالبراءة مرحلة ما قبل البلوغ عندما كانت الحكايات المجمعة والمتعلقة بالمسيح تحظى بالتصديق وتسبب للمستمع إليها سعادة قصوى وبهجة، وعلى أية حال فقد كان بلايك قد بلغ الثانية والثلاثين من عمره عندما ظهرت قصائده هذه ونحن نحس أن الخبرة راحت تنمي موت البراءة· ولابد أن نعيد هنا سطوره الشهيرة التي يمكن أن نضاهيها بأبياته التي وجهها لنمر Tiger بعد ذلك بخمس سنوات :
أيّها الحمل الصغير، من خلقك؟

ألا تعلم من سوّاك؟

ألا تعلم من نفخ فيك الحياة ورزقك؟

وهيأ لك المجرى تشرب منه

وكساك ثوب البهجة

ياله من ثوب ! إنه أنعم الأثواب

ثوب من صوف فاتن متألق

أيها الحمل الصغير، من سوّاك فعدلك حملا؟

ألا تعرفه؟ !

أيها الحمل الصغير

أنا سأقول لك

إنه يدعى باسمك

لأنه أسمى نفسه حَمَلا

إننا ندعو نفسنا باسمه

أيها الحمل الصغير ليباركك الرّب

ليباركك الرّب

وربماكانت القصيدة التالية هي الأجمل· إنها بعنوان الصبي الأسود الصغير وفيها يعجب الصبي الزنجي لم خلقه الله أسود البشرة· إنه يحلم بوقت يأتي يلعب فيه الصبي الأسود مع الصبي الأبيض دون أن تعوق ظلال اللون لعبهما· وثمة قصيدتان بعد ذلك - قصيدة كنّاس المدخنة وفيها يتخيل ملكاً (ملاك) ينزل من السماء ليحرر العاملين في تنظيف المداخن من معاطفهم الملوثة بالسخام التي يعملون - وينامون - وهي تغطي أبدانهم، أما القصيدة الأخرى فهي الخميس المقدس والتي ينهيها بتحذيره: والآن، فلتتمسك بالرحمة والشفقة، وإلا أبعدت الملائكة عن بابك
ومرت خمسة أعوم: إنها الأعوام التي اندلعت فيها الثورة الفرنسية وتألقت مثاليتها (1971) ثم عادت إلى المذابح والإرهاب (2971 - 4971)· وفي سنة 9871 - على وفق بعض الروايات - وضع بلايك فوق رأسه غطاء الرأس الأحمر الذي يرمز للثورة الفرنسية وانضم إلى بلين Plaine في مهاجمة الكنيسة الإنجليزية وأثرت فيه الاضطرابات والفوضى فانفجر مؤلفاً قصيدة قصصية بسيطة زاخرة بالنبوءات تعكس ما ورد في إرمياء Jeremiah وهوشع Hosea، فكانت إعلانا مشئوما لعالم تجلله الخطايا والآثام·
ولانوصي أولئك الذين يمتعضون من الإبهام بقراءة عمله هذا ولكننا نلاحظ أن بلايك في ديوانه زواج الفردوس وجهنم (في معرض هجائه لسويدنبرج Swedenborg) يقارن بين هاتين المملكتين (ممكلة الفردوس وممكلة جهنم ) من ناحية والبراءة والخبرة من ناحية أخرى· وبعض الأمثال التي أتى بها من الجحيم استوحت راديكالية هوتيمان وفرويد ونيتشةWhitmanic - Freudian - Nietzschean radicalism :
كل الطعام المفيد يتم الحصول عليه دون شباك أو شراك···

فما هو أجدى وأرفع أن تجعل آخر في مواجهتك···

فكبرياء الطاووس هي عظمة الرب ··· وعري

النساء هو عمل الرب···

وقتله لطفل في مهده لا تجدي معه رغبات ممرضة

لاجدوى من جهودها···

فالرب هو - فقط - الفعل والوجود في الكائنات

أو البشر···

فكل الأرباب في صدور البشر···

فعبادة الرب هي توقير مواهبه للآخرين ·· وهي حب أعظم الرجال ··· إن أولئك الذين يغارون من الرجال العظماء أو يشوهون سمعتهم إنما يكرهون الرب لأنه ليس هناك أرباب سوى هؤلاء العظماء·
وفي ديوانه أغاني الخبرة (4971) نجد الشاعر يعارض ما ورد في ديوانه أغاني البراءة بقصائد غنائية أخرى عامرة بالشك والإدانة:
أيها النمر·· أيها النمر

المتألق كالنار في ظلمات الغابة

أي يد خالدة أوعين ساهرة

أمكنها صياغة سيمتريّة رُعبك ؟!

يالكتفيك! يالمكرك ! ويالحيلك!

أيمكنها أن تتحمل قلبك؟!

ومتى بدأ قلبك يسحق ويضرب ويخفق؟

يا لقسوة أقدامك! ·· يالقسوة قدميك الخلفيتين!

وقدميك الأماميتين!

متى تطرح النجوم حرابك؟

ومتى ترتوى السماء بدموعك؟

أليس هوالذي يسرّه فعلك؟

أليس هو الذي جعل الحمل Lamb يوجدك؟

وبينما نجد في ديوانه أغاني البراءة الصبي الصغير التائه وقد أنقذه الرب وأعادهُ مسرورا إلى بيته، نجد في أغاني الخبرة صبيا يحرقه القُسس لأنهم لم يعرفوا له دينا· وفي ديوان أغاني البراءة يصف في قصيدته الخميس المقدس كاتدرائية القديس بول مزدحمة بالأطفال السعداء الذين ينشدون الترانيم، نجده يتساءل في أعاني الخبره يتساءل:
أهذا شيء مبارك (مقدس) يستحق أن نراه؟·

في بلاد غنية مثمرة

يرزح الأطفال في البؤس

يأكلهم البرد والمرابون

أتلك أغنية صارخة مضطربة؟

أيمكن أن تكون أغنية مرحة؟!

وهذا العدد الكبير من الأطفال الفقراء فيها

إنها بلاد الفقر·

ولم تكن الثورة فيما يبدو علاجا لهذه الشرور فالقبضة الحديدية أطاحت برأس الطاغية، ثم أصبحت طاغية بد لاعنه(9)· لقد وجد بلايك - الذي لم يكن يحب الثورات العنيفة - العزاء فيما تبقى لديه من عقيدة دينية· إنه الآن لايثق في العلم لأنه خادم للماديّة وأداة يستخدمها النشيط ضد البرئ وتستخدمها السلطة ضد البسطاء· فالفن هو شجرة الحياة والعلم هو شجرة الموت، والرب هو يسوع المسيح(01)·
وبعد سنة 8181 لم يكتب بلايك شعرا إلا قليلا ولم يجد له إلا قلة من القراء، وعاش على إنتاجه في الفن· وفي بعض سني الستينيات من عمره عانى الفقر الشديد حتى اضطر إلى حفر الإعلانات لمصنع ودجوود Wedgwood للخزف· وفي سنة 9181 أنقذه من فقره جون لينل John Linnel إذ عهد إليه برسم الرسوم التوضيحيه لسفر أيوب Book of Job والكوميديا الإلهية لدانتي· ووافته منيته (7281) بينما كان يعمل في هذين العملين، ولم يكن ثمة حجر يشير إلى موضع دفنه لكن بعد قرن كامل من وفاته نصب لوح حجري عليه اسمه في البقعة التي دفن فيها، وفي سنة 7591 صنع له سير جاكوب إبستين Jacob Epstein تمثالا نصفيا وضع في كنيسة وستمنستر Westminster وعند موته كان الانتقال إلى مرحلة الرومانسية قد غدا انتقالا كاملا· لقد بدأ هذا الانتقال مترددا عندما كانت الكلاسية في ذروتها مع الفصول Seasons التي ألفها (0371) طومسون والقصائد الغنائية Odos التي ألفها كولنز (7471)، و Clarissa Harlowe التي ألفها ريشاردسون Richardson (7471) وأغاني الرثاء Elegy التي ألفها جري Gray (1571) وجولي Julie لروسو (1671)،au la nouvelle Héloise ، وFingel (2671) التي ألفها ماكفرسون Macpherson وقلعة على أوترانتو Otranto (4671) التي ألفها والوب Walope وكتابات بيرسي Percy عن الشعر الإنجليزي القديم (8671) والقصائد الغنائية الإسكتلندية والألمانية، وما كتبه شترتون Chatterton (9671) وويرثر Werther (فيرثر) التي كتبها جوته Goethe (4771)· حقيقة أن أي عهد لم يكن يخلو من الرومانسية، فالرومانسية لم تنعدم أبداً في أي وطن أو عصر عند أي فتى أوفتاة، وكانت الكلاسية بناء متغلغلاً غير راسخ في الحكم وكانت قيدا على نبضات وعواطف تسري في العروق مسرى الدم·
ثم أتت الثورة الفرنسية فجلبت الحرية حتى في مرحلة انهيارها - أي انهيار الثورة، ففقدت الأشكال القديمة للقوانين والنظم التقليدية هيبتها وسطوتها، وانطلقت المشاعر والخيالات والطموحات والتطلعات تعبّر عن نفسها بالكلمة والفعل· لقد أشعل الشباب نيران الشعر والفن تحت كل قاعدة أدبية وكل حظر أخلاقي وكل تضييق عقدي وكل دولة مكتسية بقشور القانون، وفي سنة 8971 راح وردزورث وكولردج يكتبان معا القصائد والمباحث التقديمية للقصائد الغنائية المعروفة باسم Lyrical Ballads وراح بيرنز Burns وسكوت Scott يغنيان للحب والثورة والحب في سكتلندا، وراحت جيوش نابليون تحطم الحدود بشكل أسرع من قدرة الثورة على نشر حلمها· لقد أصبح الأدب في كل مكان هو صوت الحرية· قلما بدا المستقبل مفتوحا بلا آفاق تحده كما هو الآن، وقلما كانت الآمال بلا نهاية كما هو الآن، وقلما بدا العالم شابا كما يبدو لنا الآن·


صفحة رقم : 14651