قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الشعراء الثوريون -> محنة الزواج
4- محنة الزواج
بايرون 5181 - 6181
وبعد إتمام طقوس الزواج ركبا في يوم من أيام الشتاء العابسة متجهين إلى (هالنابي هول) في ضواحي درهام لقضاء شهر العسل· لقد كان عمره الآن يقترب من السابعة والعشرين، وكانت هي في الثالثة والعشرين· وقضى ثماني سنوات أو أكثر يكاد لا يكف عن اللقاءات الجنسية غير الشرعية وغير المسؤولة وقلما كانت معاشرته الجنسية ترتبط بالحب· وعلى وفق ما ذكره مور Moore عن فقرة قرأها في مذكرات بايرون (تم إحراقها في عام 4281) فإن الزوج لم ينتظر حلول الليل، وإنما طرح الليدي بايرون على الأريكة قبل تناول العشاء في يوم الزواج نفسه(72) وبعد تناول العشاء إن جاز لنا أن نثق في ذاكرته سألها إن كانت تنوي أن تنام معه في السرير نفسه، وأضاف قائلا إنني أكره النوم مع أي امرأة لكن إن اخترت ذلك فسأفعل(82) وكيّف وضعه مع طبيعتها (المعنى غير عادته ونام معها في السرير نفسه) لكنه أخبر هوبهوس أنه في تلك الليلة الأولى حاصرته نوبة مفاجئة من الانقباض وغادر السرير وفي اليوم التالي (كما زعمت الزوجة) قابلني عازفا عني وتمتم بكلمات ساخرة لاذعة لقد نفد القضاء، وكان ما كان(92) ووصله خطاب من أوجستا لاي فقرأ على أنابلا استهلاله: يا أعز خلق الله وأفضلهم وأولهم(03) وعلى وفق ما روته الزوجة فإنه كان يشكو قائلا إنه إذا كنت تزوجته قبل ذلك بعامين لكنت قد أنقذته من علاقة لا يستطيع هو نفسه أن يسامح نفسه عليها - لقد قال إنه يستطيع أن يخبرني لكن لا يجوز لأن هذا سر شخص آخر··· وتساءلت إذا كانت أوجستا تعرف هذه العلاقة، فبدا مرعوبا لتساؤلي(13) وعلى أية حال فيبدو أن أنابلا لم تكن تشك في أوجستا وقتها· وبعد ثلاثة أسابيع في (هالنابي هول) عاد العروسان وهما لا يزالان في شهر العسل إلى (سيهام) ليقيما مع أسرة (ميلبانك)· وكيّف بايرون نفسه وأصبح أليفا لكل من حوله بمن فيهم زوجته· وبعد ستة أسابيع بدأ يَحِنّ لمباهج لندن وأصوات أصدقائه· ووافقت (أنابلا)· وفي لندن أقاما في مقر فاخر في 31 (بيكادللي تراس) وبعد يوم من وصولهما أتى (هوبهوس) واستعاد بايرون روحه الفَكِهه· تروي زوجته أنه طوال عشرة أيام كان رقيقا رقة لم أعهدها فيه أبداً من قبل(23) وربما عرفاناً بالجميل أو خوفاً من الوحدة دعت أوجستا لقضاء بعض الوقت معهما· وبالفعل أتت أوجستا في أبريل سنة 5181 وظلت مقيمة معهما حتى يونيو· وفي العشرين من هذا الشهر زار جورج تكنور المؤرخ الأمريكي الذي تخصص في تاريخ الأدب الإسباني عش الزوجية الجديد وأثنى على مسلك بايرون· وفي هذه المناسبة دخل عم (أنابلا) مبتهجا بأخبار يحملها مفادها أن نابليون قد هزم لتوه في واترلو، فقال بايرون لقد كدت أموت كمداً لذلك·
وواصل بايرون كتابة الشعر· وفي أبريل 5181 اشترك مع مؤلفين يهوديين في إصدار (ألحان عبرية Hebrew Melodies) وقد ألف بايرون كلماتها ووضع اليهوديان ألحانها· وبيع منها عشرة آلاف نسخة رغم أن سعر النسخة كان جنيها إنجليزيا، وأصدر الناشر مري Murry طبعة بالقصائد وحدها (دون الألحان الموسيقية) لاقت أيضا رواجا كبيرا· وفي أكتوبر أنهى بايرون (حصار كورنيث The Seige of Cornith)، وقدمت الليدي بايرون نسخة واضحة للطابع· لقد قال بايرون لليدي بليسنجتون Blessington: إن (أنابلا) على درجة كبيرة من الانضباط والتحكم في النفس بشكل لم أر له مثيلا·· وهذا يؤثر فيَّ سلبا(33)· وكان لديه بعض العذر لنزقه وسرعة استثارته· وقد استأجر بيتا مفروشا غاليا ليقيم فيه مع زوجته وراح ينفق ببذخ في إعادة تأثيثه - كل هذا لأنه افترض أن الثمن الذي سيتقاضاه من بيع بيته في نيوستيد Newstead Abbey سيكون مرتفعا، لكن الأسعار تدنت في هذه الأثناء ووجد بايرون نفسه محاصراً بكل ما تعنيه الكلمة· وفي نوفمبر سنة 5181 دخل مساعد المأمور البيت المؤثث واحتجز بعض الأثاث وهدد بالمبيت في البيت إلى أن يدفع بايرون ما عليه من ديون (يسدد فواتيره)· وشعر بايرون أن والديْ (أنابلا) الثريين لابد أن يساهما مساهمة أكثر كرما في تكاليف منزل الزوجية الجديد·
وقد طبعت متاعبه أثراً واضحا بسبب ما سببته من مرارة وكآبة· لقد قال لزوجته إذا كانت هناك امرأة قادرة على جعل الزواج أمراً محتملاً لي، فهو أنتِ· أعتقد أنك ستظلين تحبينني حتى أضربك وعندما عبَّرت عن أملها ويقينها أنه سيعرف كيف يحبها، راح يكرر هذا متأخر جدا الآن· لو أنّك تزوجتني منذ عامين مضيا ···· لكن قدري هو أن أحطم كل من أقتربُ منه(43)· وقبل بايرون وظيفة في الهيئة الحكومية لمسرح درورى لين Drury Lane Theatre فاستغرقه الشّراب مع شريدات وآخرون، وكوّن علاقة جنسية مع إحدى الممثلات(53)· ودعت (أنابلا) أخته غير الشقيقة (أوجستا) للقدوم لمعاونتها على ضبطه· وفي 51 نوفمبر 5181 قدمت (أوجستا) ووبخّت أخاها، ووجدت نفسها هي و (أنابلا) ضحايا حنقه وغضبه وحزنت (أوجستا) كثيرا لحال زوجة أخيها(63)·
وخلال أصعب هذه الشهور حملت الليدي بايرون وفي العاشر من ديسمبر 5181 وضعت أنثى وأسمتها (أوجستا أدا) وأصبح اسمها بعد ذلك (أدا) وفرح بايرون وسَعِد بالطفلة وبالتالي بزوجته· لقد قال لهوبهوس في هذا الشهر إن زوجتي كاملة ·· إنها الكمال نفسه· إنها أفضل مخلوق يتنفس ·· لكن نفسي ترفض الزواج (73) وسرعان ما عاودته نوبات الغضب بعد مولد (أدا) وفي إحدى نوبات غضبه قذف في نار المدفأة ساعة ثمينة كانت معه منذ صباه ثم كسرها بالقضيب المعدني الذي يحرّك به وقود المدفئة(83)، وفي 3 يناير 6181 - على وفق ما قالته (أنابلا) لأبيها - دخل بايرون غرفتها وتحدث بعنف ظاهر عن علاقته الجنسية بإحدى نساء المسرح· وفي 8 يناير استدعت الدكتور متّى بيلي Matthew Baillie لفحص بايرون، فأتي وفحص الشاعر الحبيس، ومال إلى وصف الأفيون له·
وكان من الواضح أن بايرون موافق على ضرورة ذهاب (أنابلا) مع طفلها لتقيم مع أمها الليدي (ميلبانك) وكان اسم أسرتها قبل زواجها هو نول Noel - المقيمة في عقارات نول Noel في كيركبى Kirkby في ليسسترشير وفي بكور، الخامس عشر من شهر يناير غادرت مع (أدا) بينما كان بايرون لايزال نائما· وفي ووبورن Woburn توقفت لترسل له تحذيرا وعظيا، جديرا بالذكر:
بايرون الأعز: الطفلة على مايرام وهي أفضل المسافرين· آمال أن تكون صالحا good، وتذكر دعواتي وصلواتي ووصاياي لا تستسلم لحرفة الشعر البغيضة ولا للبراندي (نوع من الخمور) ولا لأي شيء غير شرعي أو شخص لا يكون على جادة الطريق· رغم أنك غير مطيع فدعني أسمع أنك أصبحت مطيعا وأنا في كيركبى Kirkby ابنتنا (أدا) تحبك · وكذلك أنا· بيب Pip(93)
وكتبت له من (كيركبى) مرة أخرى كتابات فكهة وعاطفية ذاكرة له أن والديها يتطلعان لرؤيته· وفي اليوم نفسه كتبت لأوجستا (التي كانت لاتزال تقيم مع بايرون) تنصحها بتخفيف اللودانيوم (مستحضر أفيوني) الذي يتناوله بايرون بثلاثة أرباعه ماء· وبالتدريج أخبرت (أنابلا) والديها كيف كان بايرون يعاملها - ذلك من وجهة نظرها، فَصُدِما وأصرا على انفصالها عنه نهائيا، فاندفعت الليدي (ميلبانك) إلى لندن لمناقشة الطبيب الذي كان يراقب سلوك بايرون، فإذا كان خبل (جنون) بايرون محقَّقا لأمكن إبطال زواجه دون ضرورة الحصول على موافقته· وكتب الطبيب تقريراً ذكر فيه أنه لا يرى علامات الجنون على الشاعر لكنه سمع أنه كانت تنتابه حالات هياج عصبي وأرسلت (أنابلا) تحذيرا لأمها بألا تُدخِل (أوجستا لاي) في الأمر لأن (أجستا) هي أصدق صديقاتي·· وأخشى كثيرا أن تدرك أن كثيرين يؤيدون الانفصال عن بايرون، وسيكون هذا قاسيا بالنسبة إلىها(04)·
وفي الثاني من فبراير سنة 6181 راسل السير(رالف ميلبانك) - والد (أنابلا) - بايرون طالبا منه الانفصال عن ابنته بشكل ودي، فأجابه بايرون متوددا ذاكراً أنه لا يرى سببا لأن تغير زوجة ظلت ترسل إلى وقت قريب رسائل ملؤها الحب موقفها هذا التغيير الكامل· وكتب إلى (أنابلا) متسائلا هل هي حقا موافقة بكامل إرادتها على موقف أبيها· وأصبحت في حالة أسى ومحنة بسبب هذا الخطاب لكن والديها منعاها من كتابة خطاب ترد فيه عليه· وكتبت (أوجستا) إليها طالبة إعادة النظر في الأمر، فأجابتها (أنابلا): إنني فقط - أذكر اللورد بايرون بمقته الشديد الذي يفوق الحد للحياة الزوجية· وبرغبته وتصميمه· اللذين عبر عنهما - حتى منذ بداية الزواج - على التخلص من هذا الرباط الذي كان يرى فيه قيدا لايحتمل(14) وفي 21 فبراير ذهب (هوبهوس) ليرى بايرون· وفي الطريق سمع بعض الإشاعات تدور في الأوساط الاجتماعية والأدبية في لندن مفادها عدم إخلاص بايرون لزوجته وفيما يلي نُتفة مما كتبه (هوبهوس) في مذكراته عن هذا اليوم: رأيت السيدة (لاى) وجورج بايرون - ابن عم الشاعر - وعلمت منهما ما أخشى أن يكون حقيقة وهو أن بايرون مذنب لطغيانه الشديد، كثير التهديد والعوعيد دائم الغضب والثورة، مهمل لزوجته، بل وألحق بها أذى حقيقيا فكان على سبيل المثال يخبرها بأنه كان يعيش مع امرأة أخرى··· لقد كان يغلق الأبواب، ويلوح بالمسدسات ·· وهي أمور ترويها جميعا الليدي بايرون تؤكد إنه مدان (مذنب) - لكنهم يبرئونه - كيف؟ بقولهم انه مجنون···· بينما سمعت هذه الأمور أتت السيدة (لاي) وراحت تقول إن أخاها يصرخ بمرارة في غرفة النوم·· إنه بائس ·· بائس حقا·
الآن وجدت من واجبي أن أخبر بايرون أنني غيرت رأيي··· وعندما أخبرته بما سمعته في الشوارع في هذا اليوم ذهل - لقد كان قد سمع أنه متهم بالقسوة والإغراق في الشراب وعدم الإخلاص لزوجته· لقد ذكرت له كثيرا مما سمعته في الصباح - فاهتاج هياجا هائلا وقال إنه محطم وإنه سيحطم رأس نفسه·· وكان أحيانا يقول: وحتى لو أحبتني ذات مرة، وفي أوقات أخرى كان يقول إنه سعيد للتخلص من مثل هذه المرأة - وقال: لو أنني غادرت البلاد لانفصلت عنها فورا(24)·
وفي نحو هذه الفترة تلقى بايرون فاتورة مطلوباً سدادها بمبلغ ألفي جنيه ثمنا للمركبة الكبيرة التي كان كان قد اشتراها له ولزوجته· ولم يستطع تسديد الدين فلم يكن معه إلا 051 جنيها، ومع هذا فإنه في نحو 61 فبراير 6181 أرسل مائة جنيه إلى الشاعر كولردج وهذا دليل على كرمه الطائش الذي تتسم به شخصيته·
وفي 22 فبراير أتت (أنابلا) إلى لندن وذكرت للدكتور (ستيفن لوشينجتون) أن الانفصال عن بايرون أصبح ضروريا بناء على تقريره عن حالة بايرون· وفي هذا الأسبوع سرت إشاعات ذكرت السيدة لاي وبايرون المتهم باللواط، أو العلاقة الجنسية غير السوية، وهنا أدرك بايرون أن الاستمرار في رفضه الانفصال بهدوء عن زوجته قد يؤدي إلى إجراء قضائي تتعرض فيه (أوجستا) لتدمير سمعتها· وفي 9 مارس وافق على الانفصال وعرض التخلي عن كل حقوقه في ثروة زوجته التي كانت تتيح للزوجين ألف جنيه في السنة· لكنها وافقت على حصوله على هذا المبلغ سنويا ووعدت علانية بتجديد صداقتها مع (أوجستا) وأوفت بوعدها، كما أنها لم تطلب الطلاق·
وسرعان ماألف بعد الانفصال قصيدة أرسلها إليها:
- Fare thee well, and if for ever.
- Still fare thee well.
وواساه في إخفاق زواجه جماعة من أصدقائه أتوا إليه هم: هوبهوس، سكروب ديفز، لاي هنت، صامويل روجرز، لورد هولاند، بنيامين كونستانت· وحملت له ربيبة جودون (ابنة زوجة جودون) - كلير Claire كلمة إعجاب من الشاعر المنافس بيرسي شيلي Shelley وعرضت نفسها عليه لتكون بلسماً لجراحه· وقبل عرضها مفتتحاً بذلك سلسلة جديدة من الأحزان· وفي 52 أبريل 6181 أبحر مع ثلاثة من الخدم وطبيبه الخاص قاصدا أوستند Ostend ولم يرإنجلترا بعد ذلك·