قصة الحضارة -> عصر نابليون -> خاتمة المطاف -> إلى النهاية -> المعركة الأخيرة

5- المعركة الأخيرة


أدت الاضطرابات الداخلية ونقص التدريبات البدنية إلى أن أصبح نابليون شيخا هَرِماً وهو لايزال في سني الأربعين· لقد أدّى إصرار لو Lowe على أن يقوم جندي بريطاني بمتابعة المبراطور أينما ذهب بحصانه خارج حدود لونجوود إلى غضب الأسير (نابليون) فتحاشى الخروج للتريّض بحصانه أو في عربته· كما أن وجود العسس على مرأى من غرفه جعله يطيل المكث وراء الأبواب المغلقة، كما أدّى عزوفه عن الحياة وأمله ألاّ يطول مقامه في الدنيا إلى سكون وعدم نشاط· لقد كتب بيرتران في سنة 8181: مضى مائة يوم منذ··· خرج من المنزل وذكر لا كاس أن الدورة الدموية للإمبراطور كانت تعاني صعوبات(34) إذ انخفض نبضه إلى 55 نبضة في الدقيقة(44)·
وفي سنة 0281 بدأ العمل في زراعة حديقة، وهاجم مشاكله بشجاعة حربية وانضباط· لقد جنّد كل مستعمرته للعمل في المشروع فسعدوا بالخروج على روتينهم اليومي وانخراطهم في الحفر وجر عربات المزرعة والزرع والري وإزالة الأعشاب الضارة· وبادر السير هدسون لو - في مبادرة ودية منه - إلى إرسال النباتات وأدوات الزراعة لسجينه(54)· وازدهرت الحديقة فسرعان ما أنبتت خضروات طازجة راح نابليون يأكلها ببهجة· وتحسنت صحته بشكل ملحوظ· لكن بعد أن تمّ استهلال محصول الحديقة وساد الطقس السيء عاد نابليون إلى كسله قابعا خلف الأبواب·
وسرعان ما عاودته الآلام وحاصرته في جبهات عديدة: آلام في الأسنان، صداع، طفح جلدي، تقيّؤ، دوسنتاريا، برودة أطراف، وساءت قرحته، وداء السرطان الذي تبين أنه مصاب به بعد تشريح جثته، اتضح أنه كان قد بدأ يُسبب له آلاما متواصله(64)· لقد أثرت هذه المعاناة الجسدية في مزاجه بل وحتى في عقله، فأصبح متشائما سريع الهياج، مُحِسّا بالمرارة، بل إنه راح ينظر لما حققه من فخار وعظمة على أنهما شيء تافه، مستعداً للإساءه سريع التسامح، يَعُد البنسات القليلة ويعطي - برغبته - مبالغ كبيرة(74)· وفي سنة 0281 وصف حالته بجزع: كيف سقطت؟! أنا - الذي كان نشاطي لا حد له· أنا الذي لم أخلد للراحة! أيصبح هذا حالي؟ كسولا بليدا خَدِرا! لقد أصبحت أبذل جهدا لأفتح عيني (لأرفع الجفن عن عيني) لقد كنت في بعض الأحيان معتاداً أن أُملي في مختلف الموضوعات على أربعة أو خمسة من السكرتيرين يكتبون بالسرعة نفسها التي بها أتحدث، لكنني كنتُ وقتها نابليون··· أما الآنا فأنا لا شيء···· إنني حي لكنني ميت(84)·
لقد تعاقب عليه عدد من الأطباء المختلفين لكن واحداً منهم لم يمكث معه الفترة الزمنية الكافية لدراسة أعراض مرضه بشكل منهجي أو وضع نظام دائم لعلاجه وطعامه· وكان الدكتور أوميرا OصMeara هو أول أطبائه (في سانت هيلانا) وأفضلهم، لكن مهمته قد أُنْهيت بعد فترة وجيزة· وحل محله طبيبان بريطانيان (ستوكو Stokoe وأرنوت Arnott) وكان كلاهما طبيبا جيدا وصبورا وواعيا، لكن في 12 سبتمبر 9181 اضطرب الأمر بوصول الدكتور فرانسسكو أنتومارشي Antommarchi البالغ من العمر تسعة وثلاثين عاما، وكان يحمل توصية من خال نابليون (الكاردينال فش Fesch) فسمح له الطبيبان الآخران بالعناية به· لقد أجاب أنتومارشي بإسهاب عن سؤال نابليون عما إذا كان الجنرالات أم الأطباء هم الاكثر إفناءً للبشرية أو بتعبير آخر أيهما أكثر ضحايا، إذ كان هذا الطبيب معتزا بنفسه واثقامنها عديم الرحمة إذ عندما اشتكى نابليون من آلام في معدته، وصف له أنتومارشي مُقَيئّا على عصير الليمون، فكادت روحه تخرج لفرط الألم، وظن أنّ السُّم قد دُسَّ له في الدواء، فطرد أنتومارشي ولم يسمح له بالعودة لعلاجه(94)، لكن في غضون يوم أو يومين عاد أنتومارشي بأدويته وقاروراته، وكان على الإمبراطور أن يتحمله رغم أنه (أي الإمبراطور) راح يسبّه ويلعنه بأقذع السباب واللعنات مما لا يُمكن كتابته هنا(05)·
وفي نحو منتصف مارس 1281 لزم نابليون فراشه ولم يعد يغادره بعد ذلك إلا نادرا· لقد كان يعاني من آلام مستمرة لا تكاد تتوقّف فراح أنتومارشي والطبيبان الآخران يهدّئانها بإعطائه جرعات صغيرة من الأفيون على نحوٍ متكرر· وقال نابليون في 72 مارس: لو انتهت مهمتي في هذه الدنيا، إني إذن لسعيد· لقد كنتُ أتطلّع للموت في عدة أوقات فأنا لا أخاف الموت(15)· وخلال هذا الشهر الأخير من حياته كان يتقيّأ كل الطعام الذي يتناوله تقريبا· وفي 51 أبريل كتب وصيته، وفيما يلي قبس منها:
1- أموت على دين الدين الرسولي الروماني (دين الدعاة الأوائل للمسيحية) الذي وُلدت في أحضانه···· 2- أريد أن توضع رفاتي على ضفاف نهر السين وسط الشعب الفرنسي الذي أحببته كثيرا· 3- لقد كان لدي دوما من الأسباب ما يجعلني أسعد بزوجتي الحبيبة ماري لويز· إنني أكِنّ لها لآخر لحظة في حياتي أسمى مشاعر المودّة· إنني أتوسل إليها أن ترعى ابني وأن تحميه من الشِّراك (والمشاكل) التي لا زالت تعكر طفولته··· 5- إنني أموت قبل الأوان مقتولا على يد الحكومة البريطانية The Englsh Oligarchy(25)·
لقد كان لديه ستة ملايين فرنك، كان عليه توزيعها (5.3 مليون + الفوائد)، وكان قد أودعها مع لافيت Laffitte، وكان يعتقد أن له مليونين آخرين عند يوجين بوهارنيه· لقد أوصى بمبلغ كبير لبيرتران ومونثولو ولا كاس، ولكبير خدمه مارشان Marchan وسكرتيره مينيفال Meneval ولجنرالات آخرين أوأبنائهم وأوقف أشياء مختلفة على عدد كبير من الأشخاص ممن خدموه أو ساعدوه· لم ينس أحدا· كما أوصى بعشرة آلاف فرنك للضابط كانتيلون Cantillon الذي تحمل المحاكمة بتهمة اشتراكه في مؤامرة لقتل اللورد ويلنجتون، وهي التهمة التي بُرِّئَ منها· لقد كان لكانتيلون كثير من الحق لقتل هذا الأوليجارشي (الملكي المؤيد لحكم الأقلية) تماما كما كان لهذا الأخير الحق في أن يرسلني لأهلك على صخرة سانت هيلانا(35)·
وترك في ورقة منفصلة وصية لابني) ربيع 1281: لا يجب أن يفكر ابني في الثأر لموتي، بل الأحرى به أن يتعلم منه درسا· يجب أن يضع في عقله ما أنجزته دون أن ينساه· وعليه أن يكون مثلي فرنسيا تماما· وعليه أن يكافح ليحكم بسلام· وإن كان عليه أن يحاول بدء حروبي التي انتهت بدءا جديدا لا لشيء إلا لمجرد تقليدي، وبدون ضرورة تفرضها هذه الحرب، فإنه ساعتها لن يكون أكثر من قرد (مقلّد)· فإن يبدأ أحد القيام بعملي نفسه فهذا يعني أنني لم أنجز شيئا· فالأجدى هو إكمال هذا العمل بإثبات قوّة أساساته (ومؤسساته) وإكمال الصّرْح الذي وضعت أساسه وتصميمه· فالعمل الذي قمتُ به لا يمكن أن يحدث مرتين في قرن واحد· لقد كنتُ مضطرا لكبح أوربا وترويضها بقوّة السلاح، أما الآن فيجب إقناعها (لابد أن تكون مقتنعة)· لقد أنقذتُ الثورة بينما كانت على وشك الموت· لقد طهّرتها من جرائمها وسموْتُ بها فأصبح الشعب الفرنسي يتألق شهرة· لقد أوحيتُ لفرنسا وأوربا بأفكار جديدة لن تُنسى أبدا· عسى أن يرعى ابني البذرة التي وضعتها حتى تُزْهر! عساه يطور كل عناصر الرخاء الكامنة في التربة الفرنسية(45)·
وكان لابد أن تتم الاستعدادات الأخيرة كي يُسْلم الروح· لقد استغرق وقتا طويلا ليصل إلى الايمان الديني (المقصود الكاثوليكي - المترجم) ولأنه كان قد قرأ جيبون Gibbon فقد ظهر أنه يعتبر كل الأديان زائفة (كما ينظر إليها الفيلسوف) لكنه كرجل دولة كان يعتبرها مفيدة(55)· لقد كان قد تحّول للإسلام (النص: الدين المحمدّي) ليربح مصر، وإلى الكاثوليكية ليقبض على زمام الأمر في فرنسا· ولقد عبَّر لجورجو بما يفيد إيمانه بالمادية البسيطة: قل ما تشاء! إن كل شيء مادي (كل شيء مادة) غير أن التنظيم (الاتساق) فيها مختلف، فهناك هو أكثر اتساقا، وهناك ما هو أقل· عندما أخرج للصيد آمر بفتح أحشاء الأيْل deer فأرى أن ما بداخله هو نفسه الذي بداخلي· وعندما أرى أن للخنزير معدة مثلي، وحصيلة هضم مثلي، أقول لنفسي (إن كان لي روح فإن له أيضا روحاً(65)· عندما نموت يا عزيزي جورجو نصبح جميعا موتى(75)· وفي 72 مارس (أي قبل موته بستة أسابيع) قال لبيرتران: إنني سعيد جدا أنني بغير دين· إنني أجد في هذا ترضية (سلوى كبرى، فأنا لا أضع في اعتباري إرهابا متخّيلا (المقصود عذابا مُنتَظراً) ولا خوفاً من المستقبل(85)· وسأل: كيف نوائم بين ازدهار الشرّير وعذاب القدّيس مع وجود إله عادل؟ انظر إلى تاليران· إنّه متأكد أنّه سيموت في فراشه(95)·
وكلما اقترب منه الموت بدأ يجد أسبابا للايمان· قال لجورجو: المجنون وحده هو الذين يعلن أنه سيموت دون اعتراف· هناك الكثير مما لا يعرفه المرء(06) وكان يشعر؟ أن الدين جزء ضروري من الوطنية:
الدين يشكل جزءا من قدرنا· إنه مع التربة والقوانين والعادات يكوّن الكلّ المقدّس الذي نسميه (أرض الآباء Fatherland) التي لايجب أن نتخلّى عن مصالحها· وعندما طلب مني بعض الثوريين القدامى أيام الكونكوردات (الوفاق مع الكنيسة الكاثوليكية) أن أجعل فرنسا بروتستنطية شعرتُ كما لو أنهم يطلبون مني خلع الجنسية الفرنسية لأصبح إنجليزيا أو ألمانيا(16)·
لذا فقد قررّ بتواضع أن يخضع للطقوس التقليدية التي يتبعها الفرنسي وهو يُسلم الروح، فوجد قسيسا محليا ورتب الأمر لإقامة قدّاس على روحه كل يوم أحد في لونجوود، وراح يجد راحة في عقيدة طفولته وراح يُسلّي أصدقاءه ونفسه بكيفية استقباله في السماء: إنني أذهب للقاء كليبه (كليبر) وديزيه Desaix ولان Lannes ومسينا Massena··· ني Ney· سيأتون للقائي· وسنتحدث عما فعلناه· سنتحدث عن مهامنا مع فريدريك وتورين Turenne وكونديه Conde وقيصر وهانيبال Hannibal(26) وفي 62 أبريل بلغ به الوَهَن مبلغا كبيرا حتى أنه أطاع الأطباء دون سؤال· وفي هذا المساء راح يهذي مهتاجا للحظة قائلا إنه سيعطي ابنه 004 مليون فرنك(36)· وذكر مونثولو الذي يقيم معه الآن ليل نهار أنه في نحو الساعة الرابعة صباح يوم 62 أبريل قال له بعاطفة جيّاشة: لقد رأيتُ لتوّى جوزفين الطيبة··· إنها تجلس هناك، كما لو أنني لم أرها إلا ليلة البارحة· إنها لم تتغير - إنها دائما هي نفسها لا زالت مخلصة لي· لقد قالت لي إننا سنلقي ثانية، ولن نفترق ثانيةً أبدا· لقد وعدتني، أرأيتها؟(46)·
وفي 3 مايو أُجريت له الطقوس الدينية· وفي هذا اليوم انضم طبيبان إلى أرنوت Arnott وأنتومارشي واتفق الأربعة على إعطاء المريض عشر حبات من الكالول Calomel (مُسهِّل) لقد أدّى هذه الجرعة الكبيرة بشكل غير معتاد من هذا الدواء غير المناسب إلى اضطراب عنيف مرعب مع فقد للوعي·· وظهرت كل علاقات النزيف في الجهاز المعوي(56)· فمات في 5 مايو 1281 وهو يتمتم قائلاً: على رأس الجيش A la tete de La,rmee وفي 6 مايو أنهى أنتومارشي فحص الجثة بعد الوفاة بحضور ستة عشر آخرين بمن فيهم سبعة جراحين بريطانيين، وبيرتران ومونثولو· لقد أظهر تشريح الجثة السبب الرئيسي لما كان يعاني منه نابليون: قرحة سرطانية في الفتحة بين المعدة والمعي (البيلورس Pylorus) وثمة قرحة أحدثت ثقبا بسعة ربع بوصة في جدار المعدة متسببة في نشر التعفّن فيما حولها، وكان أنتومارشي قد شخص العلّه على أنها التهاب كبدي لكن اتضح أن الكبد رغم أنه كان أكبر من المعتاد لم تكن به ظواهر مرضية(66)· واتضح وجود الأكياس الدهنية لا في الجلد فقط وغشاء التجويف البطني وإنما أيضا في القلب وربما كان هذا سببا في بطء نبضاته على نحو غير طبيعي· وكانت المثانة صغيرة وبها بعض الحصوات الصغيرة، وربما كان هذا بالإضافة إلى تشوّه الكلية اليسرى سببا في حاجة الإمبراطور إلى التبول تباعا وربما يفسّر هذا عدم تركيزه بشكل مستمر في أثناء معركة بورودينو Borodino ومعركة واترلو· ولم يسجل أي واحد ممن فحصوا الجثة أي أثر لمرض السيفلس (الزهري) لكن أعضاءه التناسلية كانت صغيرة وبدت ضامرة·
وفي 9 مايو انطلق موكب كبير يضم السير هدسون لو Lowe لنقل الجثمان إلى مقبرة خارج لونجوود في وادي جيرانيومز Geraniums وكان نابليون نفسه قد اختار هذا الموقع، ولُف بالعباءة التي كان يرتديها في معركة مارنجو Marengo ودُفن معه سيفه الذي كان محل فخره وشعار حياته· وظلت جثته في هذا القبر تسعة عشر عاما حتى أحبته فرنسا ثانية فأعادت رفاته إلى بلاده·


صفحة رقم : 14774