قصة الحضارة -> عصر نابليون -> خاتمة المطاف -> وماذا بعد -> العودة إلى رحاب الوطن
2- العودة إلى رحاب الوطن
حتى وإن تلاشت ظواهر الأحداث من ذاكرة الفرنسيين فإن صورة نابليون نفسه أخذت شكلا حيا جديدا في ذاكرتهم وخيالهم· فكلّما التأمت الجروح بفعل الزمن، وكلما تم تعويض الملايين الذين ذهبوا للحرب ولم يعودوا، فامتلأت الحقول والدكاكين من جديد، وزاد عدد أفراد الأسر، بدت صوت عصر نابليون أكثر تألقا وبطولة بشكل لا مثيل في التاريخ المدني (أي بصرف النظر عن الوقائع الدينية في التاريخ)· إننا نجد - بادئ ذي بدء - أن الجنود القدماء راحوا يتذكرون أعمالهم البطولية ومآثرهم وينسون معاناتهم· لقد راقت لعيونهم انتصارات نابليون وقلما كانوا يلومونه لهزيمته· لقد أحبوه ربما كما لم يحب جنود قائدهم في وقت من الأوقات· لقد أصبح رامي القنابل المعمّر الذي حارب مع نابليون هو حكيم قريته تخلّده آلاف القصائد والحكايات والأغاني· ففي القصة الشعرية التي تحمل عنوان (العَلَم القديم Lavieux Drapan) ومئات غيرها وجدنا Pierre de Beranger (0871 - 7581) يمجدّ نابليون ومعاركه ويهجو النبلاء المستبدين والأساقفة النَّهِمين لتملّك الأراضي لدرجة أحنقت حكومة البوربون فسجنته (1281 - 8281) وكتب فيكتور هوجو Hugo قصيدته (Ode to the Column) يحتفي فيها بعمود فيندوم Vendome ودلالته التاريخية متوجاً بتمثال نابليون الذي أُزبح سنة 5181 ثم أُعيد سنة 3381· أما بلزاك Balzac في عمله (طبيب المعركة) (3381) فقد صوّر لنا بشكل مُفعم حيوي جندياً محنّكا غيورا يشجب البوربون لإصدارهم تقريرا يفيد أن نابليون قد مات· هذا لم يحدث، فالعكس هو الصحيح فمن المؤكد أن نابليون ما زال حيا، وأنه كان ابنا لله جعله أبا للجنود(9)· أما ستندهال Stendhal فلم يكتف بأن بث في رواياته مديحا لنابليون، وإنما أصدر في سنة 7381 كتابه حياة نابليون يلخص لنا فحواه (فحوى كتابه) في المقدمة حيث يقول: ليس في قلبي حب إلا لنابليون وقال عن نابليون إنه أعظم من عرفته البشرية منذ قيصر(01)·
وربما قبل نابليون هذا الإطراء مع شيء غير مؤكد بالنسبة إلى قيصر (دكتاتور روما القديمة)، فلم يكن نابليون ليفقد الأمل في أن تعود فرنسا إلى أيامه (أيام قيصر)· وكان نابليون قد راح يعزّي نفسه في منفاه بأن يؤدي امتعاض الفرنسيين بسبب نفيه وسجنه إلى أن يصبحوا مخلصين له ثانية· لقد قال لأوميرا: ستكون هناك ردّة فعل لصالحي بعد أن أرسلوني للمنفى· إن استشهادي (كوني ضحية) هو الذي سيعيد تاج فرنسا لأسرتي··· قبل انقضاء عشرين سنة عندما أكون قد وُوريتُ الثرى، سترى ثورة أخرى في فرنسا(11)· وقد تحقَّقت النبوءتان·
ومن هنا فقد أملى مذكراته لتبقى على صورته حية، وقد حقَّقت أغراضها جيدا· وقد تم تهريب مذكراته عن معركة واترلو التي أملاها على جورجو من جزيرة سانت هيلانا، وتم نشرها في باريس سنة 0281، وذكر لنا لا كاس أن نشرها كان نبأ مثيرا وأنه أحدث ضجة(21)· وفي عامي 1281 - 2281 صدرت في فرنسا ستة مجلدات أخرى من سيرته الذاتية· وسرعان ما شقّت مذكرات وحكايات الإمبراطور طريقها ولعبت دورا كبيرا في تعديل الأسطورة (أي صورته بين الناس) وجعلته وهو ميت، قوة حيّة في فرنسا·
وأصبح رفاقه هم رُسُله apostles (أي حواريوه وفي هذا تشبيه له بالمسيح، والرسل في المفهوم المسيحي هم الدعاة الأوائل للمسيحية - المترجم)، ودافع عنه أوميرا بشجاعة (2281) في عقر دار ألد أعدائه، ودافع عنه لا كاس وجعله بلا أخطاء في كتابه ذي المجلدات الأربعة (3281)، ذلك الكتاب الذي أصبح إنجيلا لعقيدة جديدة مُلهمة· ولم يظهر تقرير الكونت دي مونثولو الموسّع حتى سنة 7481، كما لم يظهر تقريرا جورجو، وبيرتران إلابعد موتهما، لكن في هذه الأثناء كانت شهادتاهما الحية تغذيان هذا الايمان (بنابليون)، وراح مونثولو يذكرنا بتوجيهاته لابنه وهو - أي نابليون - على فراش الموت مُضْفيا الفضائل على الماضي الإمبراطوري: الحذر والاعتدال والحكم الدستوري وحرية الصحافة وانتهاج سياسة السلام مع العالم والآن أتى دور النصيحة المناسبة: دعو ابني يقرأ التاريخ ويتأمله، فالتاريخ هو الفلسفة الوحيدة الصادقة(31)·
وحتى في شهادة رفاقه المخلصين فإن الإمبراطور العظيم رغم متاعبه وآلامه وحبسه ومرضه وزيادة أخطائه بحكم كبر سنه، بدا الناس رغم كل هذا وقد نسوا كل هذا وركزوا على انتصاراته الحربية وتراثه الإداري وحدّة ذهنه· لقد كان في الواقع قد تبّرأ من معظم الثورة، فاستبدل الاستبداد بالحرية (أي ترك الحرية وأخذ بالاستبداد) وأحل الارستقراطية محل المساواة والنظام محل جماعات الإخاء (الأخويات)، لكن في صورته الجديدة المعدّلة أصبح مرة أخرى ابنا للثورة واليعاقبة الذين كانوا في وقت من الأوقات أعداءه المضْطهدين، أما الآن فإنهم يتحلّقون حول ذكراه· وفي الوقت الذي كان فيه نابليون ينقِّي سجله ويكفّر عن ذنوبه بما لاقاه من عقاب، كان حكم البوربون الذين حلّوا محله يفقد بريقه، ويقل إقبال الفرنسيين عليه رغم قبولهم إياه في البداية· لقد كان لويس الثامن عشر نفسه رجلا معقولا تأثر بالتنوير لكنه كان قد سمح أن يسيطر الملكيون على حاشيته، وكان هؤلاء الملكيون غير متسامحين في شيء، ويطالبون بكل شيء بما في ذلك عقاراتهم ومزارعهم القديمة بل ويطالبون بحكومة لا تقيدها مؤسسات التمثيل النيابي· وَوُوجهت المعارضة (بإرهاب أبيض) من الجواسيس والمطاردين، وبالإعدام السريع· ولم يكن الجنود القدامى بمستطيعين نسيان مطاردة ني Ney وإطلاق الرصاص عليه، وكان الجيش لا يزال يذكر بإعزاز نابليون (ذا الجسد الضئيل) الذي كان يتحدث بلا كلفة مع المجنّدين حول النيران الموقدة للتدفئة في المعسكرات، فنابليون هذا قد رقّاهم دون نظر إلى طبقاتهم ودون تأخير بيروقراطي، وكان جيشه العظيم فخراً لفرنسا ورعبا للملوك (أعداء فرنسا)· وتذكر الفلاحون أن نابليون حماهم في مواجهة مطالب النبلاء والإكليروس· وكانت البروليتاريا قد انتعشت في ظل حكمه، وكانت الطبقة الوسطى قد حققت ثروة وحظيت بالمكانة الاجتماعية· وشعر ملايين الفرنسيين أنه رغم أوتوقراطيته (ممارسته حكم الفرد) فإنه حافظ على أساسيّات الثورة: نهاية الإقطاع وعوائده ورسومه المرهقة، فتح الطريق للتقدم والترقي أمام كل الطبقات دون استثناء، المساواة أمام القانون، تسيير أمور العدالة بناءً على قوانين واضحة ومكتوبة موحّدة على مستوى الأمة· وعلى هذا فبعد عشرين عاما من وفاته ، وُلد نابليون من جديد وراح من جديد يسيطر على عقول الناس وخيالهم· كتب شاتوبريان: العالم مرتبط بنابليون··· لقد فشل نابليون في الاستيلاء على العالم وهو حي، لكنه امتلكه بعد أن مات(41)· لقد غذَّت المشاعر البونابرتية ثورة 0381 المعتدلة· لقد انتهى تسلسل الملك بشكل مباشر في أسرة البوربون بتنحّي شارل العاشر عن العرش، فقد كان الملك الجديد لويس فيليب من الفرع الأورلياني Orleanist للبوربون، وكان ابنا للويس فيليب جوزيف، دوق أورليان الذي كان يطلق على نفسه فيليب إيجاليتيه Philippe Egalite (فيليب مساواة، فالكلمة Egalite تعنى مساواة) وكان قد صوّت لصالح إعدام لويس السادس عشر· لقد نَعِم الملك الجديد لفترة بتأييد البونابرتيين ودعْمهم، وقد جعل من شعار الألوان الثلاثة (علم الثورة) رمزا للحكم الإمبراطوري وأمر بإعادة تمثال نابليون إلى قمة عمود فيندوم Vendome·
وفي هذه الأثناء كانت وصيّة الرجل الميت (نابليون) قد نُشِرت، وبدت الفقرة الثانية منها رغبة إمبراطورية أخيرة: أرغب في أن أُدفن على ضفاف نهر السين بين الشعب الفرنسي الذي أحببته كثيرا· وفي كل أنحاء فرنسا راحت ترتفع وتتعالى مناشدات الأمة أعيدوه إلى وطنه· دعوا فرنسا تقيم لبطلها الجنازة التي يستحقها مثله· دعوا الرفات المنتصر (انتصار الرفات - كما أصبح يسمّى) يُزيل عار السجن الكئيب! ووصلت المناشدة إلى الحكومة، ويبدو أن وزير الخارجية الفرنسية لويس أدولف ثييه (ثيير Thiers) هو الذي اقترح على زملائه في الوزارة أن يطلبوا من الملك أن يخاطب بريطانيا العظمى للموافقة على نقل جثة نابليون إلى باريس· وثييه هذا (7971 - 7781) هو الذي كتب أعظم كتاب عن تاريخ نابليون، وتم انتخابه في سنة 1781 كأول رئيس في الجمهورية الثالثة· لقد وافق لويس فيليب على مخاطبة الحكومة البريطانية في هذا الشأن لأن ركوبه هذه الموجة قد يُكسبه قلوب الفرنسيين· ولم يكن مجلس الوزراء البريطاني فوافقا على رأي زعماء الحكومة لكن اللورد بالمرستون أجاب مباشرة وببراعة: إن حكومة صاحبة الجلالة تأمل أن يكون ردها الإيجابي دليلا تقدمه للشعب الفرنسي على رغبتها في محو آخر أثر للعداوة بين الأمتين، تلك العداوة التي أدت في حياة الإمبراطور - إلى حرب مسلحة بين الأمتين(51) وعَهِد الملك الفرنسي إلى ابنه فرانسو أمير جونفيل Prince de Joinville بالتوجه إلى سانت هيلانا ليعيد رفات نابليون· وفي 7 يوليو سنة 0481 أبحر الأمير من طولون على منَ السفينة (بل بول Belle Paule) وبصحبته الجنرالات؛ بيرتيران، وجورجو، وكونت دي لا كاس ومارشان خادم نابليون الأثير لديه، فهؤلاء هم الذين سيقررن أنَّ الجثّة لنابليون· وصلوا سانت هيلانا في 8 أكتوبر، وبعد كثير من الإجراءات الرسمية رأوا الجثة بعد إخراجها من القبر وتعرفوا عليها وفي 03 نوفمبر وصلوا بها إلى شيربورج Cherbourg·
وهناك بدأت أطول جنازة في التاريخ· نقول أطول جنازة كحقيقة مؤكَّدة· لقد نقلت الجثة إلى الباخرة نورماندي Normandie التي نقلتها بدورها إلى فال دي لا هاي Val de La Haye على السين إلى الأدنى من الرون Rouen ثم نقلت إلى سفينة نهرية أقيم عليها معبد (مصلّى أو كنيسة صغيرة) يحرسها في أركانها الأربعة كل من بيرتران، وجورجو، ولاكاس، ومارشان، وتحت هذا المعبد (أو الكنيسة الصغيرة) كان التابوت الذي يضم الرفات مُطلاً على نهر السين· وراحت السفينة تتوقف أمام كل مدينة كبرى للاحتفاء على الشاطىء(61)· وعند كوربفوّى Courbevoie (شمال باريس بأربعة أميال) نقل التابوت إلى عربة جنائزية مزيّنة يحفها موكب من الجنود والبحارة وذوي المكانة ليمر عبر نيللي Neuilly وتحت قوس النصر وعلى طول الإليزيه، وكانت الحشود فرحة تصفّق(71)· وفي وقت متأخر من هذا اليوم اللاذعة برودته وصل الجثمان أخيرا إلى مكانه (القبر) - كنيسة مقابر ضحايا الحرب ذات القبة الرائعة· وغصّ صحن الكنيسة ومماشيها بآلاف المشاهدين الصامتين بينما يحمل أربعة وعشرون بحارا التابوت الثقيل إلى مذبح الكنيسة حيث خاطب الأمير دي جونفيل de Joinville أباه الملك قائلا: سيدي، لقد أحضرت لك جثمان إمبراطور فرنسا فأجاب الملك لويس فيليب: إنني أستقبله باسم فرنسا· ووضع بيرتران سيف نابليون فوق التابوت، وأضاف جورجو قبّعة الإمبراطور، وأنشدت الجموع القداس على روحه بمصاحبة موسيقا موزارت، وأخيرا أصبح رفات الإمبراطور حيث كان يود أن يكون - في قلب باريس وعلى ضفاف نهر السّين·