قصة الحضارة -> حياة اليونان -> انتشار الهلنستية -> استسلام الفلسفة -> العودة إلى الدين

الفصل الرّابع


العودة إلى الدين


لقد مر النزاع بين الدين والفلسفة حتى الوقت الذي نتحدث عنه في ثلاث مراحل: مهاجمة الدين كما حدث قبل عهد السقراطيين؛ والمحاولة التي تهدف إلى استبدال قانون أخلاقي طبيعي بالدين كما فعل أرسطو وأبيقور؛ ثم العودة إلى الدين كما فعلت المتشككة والرواقية- وتلك هي الحركة التي انتهت بظهور الأفلاطونية الجديدة والمسيحية. وقد حدث مثل هذا التعاقب أكثر من مرة في تاريخ العالم، ولعله يحدث في هذه الأيام. فطاليس يقابل جالليو، ودمقريطس يقابل هُبز، والسوفسطائيون يقابلون رجال دوائر المعارف الفرنسيين، وبروتاغوراس يقابل فلتير؛ ثم إن أرسطو يقابل اسبنسر، وأبيقور يقابل أناطول فرانس؛ وبيرون يقابل بسكال، وأرسسلوس يقابل هيوم، وأقرانيداس يقابل كانت، زينون يقابل شوبنهور، وأفلوطين Plotinus يقابل برجسن. نعم إن الترتيب التاريخي لهؤلاء الفلاسفة يجعل التشابه بينهم غير يسير، ولكن الاتجاه الأساسي للتطور واحد في جميع الأحوال.
لقد تخلى عصر النظم العظيمة عن مكانه إلى التشكك في قدرة العقل الإنساني على فهم العالم أو السيطرة على غرائز الناس وإخضاعها للنظام وللحضارة. ولقد كانت هذه حال المتشككة بالمعنى الذي يقصده منها كانت لاهيوم: فقد كان هؤلاء يرتابون في الفلسفة كما يرتابون في العقائد التحكمية، وحطموا أسس المادية، وأشاروا بقبول الطقوس الدينية القديمة في هدوء. ولم يبعد التشكك الناس على يد بيرون، كما لم يبعدهم على يد بسكال، عن الدين بل قادهم إليه، وقد ختم بيرون نفسه حياته بأن كان كاهن المدينة الأكبر المبجل. ولم يكن هجر الأبيقوريين للسياسة واتجاههم نحو القوانين الأخلاقية، وفرارهم من الدولة إلى الروح، لم يكن هذا كله إلا لحظة قصيرة في الرجعة إلى العهد الأول؛ وقد مهد قصر الاهتمام على النجاة الفريدية الطريق إلى ظهور دين يستهوي الفرد أكثر مما يستهوي الدولة. وكان ثمة كثيرون من الناس لا يستطيعون أن يجدوا في الحياة ما وجده فيها أبيقور من سلوى اقتنع بها ورضي، فقد حلت بهم الفاقة، أو مصائب الدهر، أو المرض، أو الثكل، أو الثروة، أو الحرب؛ وتركت نصائح الدهر كلها أفئدتهم فارغة. وها هو ذا هجسياس القوريني Hegesias of Cyrene قد بدأ في نظر القوريين كما بدأ أبيقور، ولكنه انتهى إلى الاعتقاد بأن في الحياة من الألم أكثر مما فيها من اللذة، ومن الحزن أكثر مما فيها من الفرح، وأن النتيجة الوحيدة التي تتمخض عنها الفلسفة الطبيعية هي الانتحار . وقد فعلت الفلسفة ما تفعله الابنة الضالة بعد المغامرات المبهجة وزوال الخدع عن بصيرتها، فأقلعت عن الجري وراء الحقيقة والبحث عن السعادة، وعادت بعد أن تابت وأنابت إلى أمها الدين، تبحث فيه مرة أخرى عن أسس تقيم عليها آمالها ومبادئ تؤيد بها صدقاتها.
وبينما كانت الرواقية تسعى لإقامة صرح القانون الأخلاقي للطبقات المفكرة، كانت تعمل أيضاً للاحتفاظ بمعونة القوى غير الطبيعية لتدعم بها أخلاق الرجل العادي، وصبغت فكرتها الميتافيزيقية والأخلاقية صبغة دينية أخذت تقوى على مر الزمان. وكان زينون ينكر كل وجود حقيقي للآلهة التي يقول بها العامة(67)، ولكن أقلانيتوس بعد جيل واحد اقترح محاكمة أرستارخوس لأنه ملحد. ولم يكن زينون يدعو إلى شيء من الفساد الخلقي الشخصي، ولكن سكنا كان يتحدث عن النعيم في الدار الآخرة بألفاظ لا تكاد تفترق في شيء


صفحة رقم : 2807