قصة الحضارة -> قيصر والمسيح -> الزعامة -> الملوك الفلاسفة -> الفيلسوف إمبراطور


في وقت من الأوقات أكثر مما كانت وقتئذٍ إتحاداً وتماسكاً في زحفها، ولم تهدد رومة في يوم ما أشد من تهديدها إياك في ذلك الوقت. وأقدم ماركس على العمل الحاسم بسرعة أدهشت الناس جميعاً، فنبذ ملاذ الفلسفة، وقرر أن ينزل بنفسه إلى الميدان ليخوض غمار الحرب التي تنبأ بأنها ستكون أخطر الحروب التي خاضتها رومة منذ أيام هنيبال، وروع إيطاليا بتجنيد رجال الشرطة، والمجالدين والعبيد، وقطاع الطرق، ومرتزقة البرابرة، في فيالقه التي حصدتها الحروب والأوبئة. وحتى الآلهة نفسها قد جندها لأغراضه: فقد أمر كهنة الأديان الأجنبية أن يقربوا القرابين إلى رومة حسب طقوسهم المختلفة، وحرق هو نفسه من الضحايا على المذابح ما جعل أحد الفكهين يذيع رسالة بعثت بها إليه ثيران سود، ترجوه فيها ألا يسرف في الانتصار وتقول فيها: "ما أشد خسارتنا إذا انتصرت"(55). وأراد أن يوفر المال اللازم للحرب دون أن يفرض لها ضريبة خاصة فباع بالمزاد العلني في السوق العامة ما في القصور الإمبراطورية من خزانات الثياب، والتحف الغنية، والحلي. وأعد العدة للدفاع بعناية عظيمة- فحصن المدن القائمة على الحدود من غالة إلى بحر إيجة، وسد الممرات الموصلة إلى إيطاليا، وأغرى القبائل الألمانية والسكوذية بالرشا السخية على الهجوم على مؤخرة الغزاة. ثم درب جيشه ونظمه أحسن تدريب وتنظيم بجد وشجاعة تثيران أعظم الإعجاب لمجيئهما من رجل يكره الحرب. ثم قاد الجيش بنفسه في حرب عوان وضع خططها بمهارة وقدرة حربية فنية، وفك الحصار عن أكويليا، وطارد المحاصرين وبدد شملهم عند نهر الدانوب، حتى لم يكد ينجو منهم من القتل إلا من وقع في الأسر.
ولم يكن يخفي عليه أن أعماله هذه لم تقض على الخطر الألماني، ولكنه حسب أن ما أدركه يجعل الموقف آمناً إلى حين، فعاد إلى زميله إلى رومة؛ ولكن لوسيوس قضى نحبه في الطريق بالسكتة القلبية، غير أن الشائعات، كالسياسة، لا تعرف سبيلاً إلى الرحمة، فقالت إن ماركس دس له السم. وقضى الإمبراطور الفترة الواقعة بين يناير وسبتمبر عام 169 في رومة ليستريح من الجهود التي أضنت بنيته الضعيفة حتى كادت تقضي عليه، وكان يشكو نزلة معوية كثيراً ما كانت تتركه ضعيفاً لا يقوى على الحركة. ولكنه عالج هذا الداء بالاقتصاد في الطعام فكان لا يأكل إلا أكلة خفيفة في اليوم. وكان الذين يعرفون حالته الصحية وغذاءه القليل يدهشون مما كان يبذله في القصر والحقل من جهود، كل ما يعللونها به أنه كان يعوض بعزيمته ما يعوزه من قوة جسمه. وقد استدعى إليه عدة مرار جالينوس البرجمومي أشهر أطباء زمانه، وأثنى عليه لبساطة ما كان يصفه له من العلاج(56).
ولعل ما توالى عليه من المتاعب المنزلية مضافة إلى الأزمات السياسية والعسكرية قد ساعد على اشتداد علته حتى أصبح شيخاً منهوكاً في الثامنة والأربعين من عمره. ولعل زوجته فوستينا، التي ترى وجهها الجميل في كثير من التماثيل، لم يكن يسرها أن تشارك في الطعام والفراش رجلاً يكاد يكون هو الفلسفة متجسدة، ذلك أنها كانت إمرأة مرحة نشيطة، تتوق إلى حياة أكثر بهجة مما تستطيع أن تهبها إياها فطرته الرزينة الوقور. غير أن النمامين في المدينة كانوا يتهمونها بخيانة زوجها؛ وهجته المسرحيات التقليدية الصامتة ووصفته بأنه ديوث، بل ذهبت إلى أبعد من هذا فذكرت أسماء من ينافسونه على زوجته(57). لكن ماركس فعل ما فعله أنطونينس مع أمه فوستينا فصمت ولم يقل شيئاً، ولم يكتف بالصمت بل عين عشاقها المزعومينفي مناصب عالية، وأظهر إلى فوستينا كل دلائل العطف والاحترام، وألّهها لما ماتت (175) وشكر في تأملاته الآلهة لأنها وهبته "زوجة محبة مطيعة"(58). وليس لدينا قط دلائل ندينها بمقتضاها(59)، ولقد ولدت له أربعة أبناء، كان يحبهم حباً لا نزال نحس بحرارته في رسائله التي كتبها لفرنتو. وقد ماتت منهم بنت في طفولتها، وأما الثانية فكانت حياة لسيوس سبباً في حزنها، ووفاته سبباً في ترملها. وكان الاثنان الآخران توأمين ولداً


صفحة رقم : 3673