قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الدولة الببيزنطية في أوج مجدها -> تقدم المسيحية -> الغرب المسيحي -> القديس جيروم


ولم يتوان نقاده عن أن ينزلوا به أشد القصاص، رأوه يُعَلّم الكتب اليونانية واللاتينية، اتهموه بالوثنية؛ ولما رأوه يَدْرس اللغة العبرية على أحد اليهود، اتهموه بأنه ارتد إلى الدين اليهودي؛ ولما أهدى كتبه للنساء قالوا إن الباعث له على هذا هو الجشع المادي، أو ما هو أسوأ من الجشع المادي(22). ولم يكن سعيداً في شيخوخته؛ ذلك أن البرابرة انقضوا على بلاد الشرق الأدنى، واجتاحوا سوريا وفلسطين (395) "وكم من أديرة استولوا عليها، وكم من أنهار خضبت مياهها بالدماء!" ثم ختم أقواله بهذه العبارة "إن العالم الروماني يتساقط"(24). وماتت في أثناء حياته بولا ومرسالا، وأوستكيوم وكن عزيزات عليه. وظل الرجل يواصل العمل في كتاب بعد كتاب، وقد ذبل جسمه وضعف صوته من فرط زهده، وتقوس عوده. وحضرته الوفاة وهو يكتب شرحاً لسفر أراميا -لقد كان رجلاً عظيماً أكثر مما كان رجلاً صالحاً؛ وكان هجاء لاذعاً لا يقل في ذلك عن جوفنال، وكاتب رسائل لا تقل فصاحة عن سنكا، وعالماً مجداً لا ينقطع عن الدرس والتبحر في الدين.


صفحة رقم : 4227