قصة الحضارة -> عصر الإيمان -> الحضارة اليهودية -> عقل اليهودي وقلبه -> الأدب


شعوره بما حل باليهود من نوائب على ما كان يرفل فيه من نعيم، فأخذ يتغنى بشعبه، وبأقرانه، ودينه، وكان يتوق كما يتوق غيره من اليهود لأن يختتم حياته في فلسطين:
أي مدينة الدنيا (أورشليم) يا ذات الجمال والجلال والكبرياء!

ليت لي جناحي نسر أطير بهما إليك حتى أبلل بدمعي ثراك!

إن قلبي في الشرق، وإن كنت مقيماً في الغرب(13).

ولم يكن يهود أسبانيا المنعمون فيها يرون في هذه الأشعار أكثر من ألفاظ مقفاة موزونة، ولكن هليفي كان مخلصاً في أقواله. فقد استودع أسرته في أيد أمينة عام 1141، وبدأ رحلة شاقة إلى أورشليم. وأتت الرياح بما لا تشتهي سفينته فحولتها عن طريقها ودفعتها إلى الإسكندرية حيث استقبلته الجالية اليهودية، ورجته ألا يجازف بالذهاب إلى أورشليم وكانت وقتئذ في أيدي الصليبيين. وبعد أن أقام في الإسكندرية وقتاً ما غادرها إلى دمياط ومنها إلى صور ثم انتقل منها لسبب لا نعلمه إلى مشق حيث اختفى ذكره من التاريخ. وتقول إحدى الأقاصيص أنه ذهب إلى أورشليم، فلما وقعت عينه عليها أول ما وقعت خرَّ راكعاً، وقبَّل الأرض، فداسته حوافر جواد يركبه أعرابي وقضت على حياته(14). ولكننا لا نعرف هل وصل حقاً إلى مدينة أحلامه، وكل الذي نعلمه علم اليقين أنه كتب في دمشق "أغنية لصهيون" ولعله كتبها في آخر سنة من حياته، وكان جوت الشاعر الألماني يعدها من أعظم القصائد في أدب العالم كله(15):
ألا ترغبين يا صهيون في أن تبعثي بتحياتك من صخورك المقدسة

إلى شعبك الأسير الذي يحييك لأنه البقية الباقية من أبنائك؟...

ألا ما أجش صوتي وأنا أندب أحزانك ولكني حين أبصر حريتك في

أوهام أحلامي تنساب من صوتي النغمات حلوة شجية كنغمات القيثارة المعلقة

على شاطئ نهر بابل... ألا ليتني أستطيع أن أصب روحي حيث صبت

روح الله في أبنائك القديسين في الأزمان السابقة! لقد كنت منزل الملوك

وعرش الله، ولست أدري كيف يحتل العبيد الآن العرش الذي جلس عليه

أبناؤك من قبل؟

من ذا الذي يرشدني لبحث عن الأماكن التي أطل منها الملائكة بجلالهم

على سلك وأنبيائك في الأزمان القاصية؟

ومن ذا الذي يهب لي جناحين أطير بهما لأضع حطام قلبي بين خرائبك

وأستريح ن تجوالي؟

سأولّي وجهي نحو أرضك وأمسك بحجارتك أعتز بها كما يعتز الناس

بالذهب الثمين...

إن هواءك يبعث الحياة في نفسي، وذرات ترابك هي المسك الشذي،

وأنهارك تفيض بالعسل المصفى.

وما أعظم بهجتي إذا استطعت أن أجيء إلى معابدك المخربة عارياً حافي

القدمين! حيث احتفظ بالتابوت، وحيث سكن الملائكة المكرمون في

المخابئ المظلمة...

يا صهيون يا ذات الجمال الذي ليس بعده جمال، لقد اجتمع فيك الحب

والبهاء، إن أرواح أبنائك تتجه في حنان نحوك؛ وكانت أفراحك بهجتها

ومسراتها، وها هي ذي الآن تبكي في منفاها البعيد أسى وحسرة على خرائبك،

وتتوق لرؤية مرتفعاتك المقدسة، وتسجد في صلواتها خاشعة نحو أبوابك، إن

الرب ليحب أن يختارك لتكوني مسكنه الأبدي، وطوبى لمن اختاره الرب

وأنعم عليه بالراحة في داخل أبهائك.

وما أسعد من يرقبك وهو يقترب منك حتى يرى أضواءك المجيدة

تنتشر، ومن يطلع عليه فجرك الوضَّاء كاملاً صافياً من سماء المشرق.

وأسعد من هذا وذاك من يشهد بعينيه المتهللتين نعيم أبنائك المحررين،

ويرى شبابك يتجدد كعهدنا به في قديم الزمان(16).



صفحة رقم : 4923