قصة الحضارة -> عصر نابليون -> الثورة الفرنسية -> الحياة في ظل الثورة -> النتائج وتأملات الأحداث
9- النتائج، وتأملات في الأحد اث
أما وقد قصصنا قصة الثورة الفرنسية بحياد بقدر ما سمح بعدها عن زماننا· لقد بقي أن نواجه الأسئلة التي أثارها الفلاسفة: أكان للثورة مبرراتها المعقولة في أسباب قيامها وما تمخضت عنه؟ هل حققت مكاسب مهمة للشعب الفرنسي أو البشرية؟ أكان من الممكن الوصول إلى هذه لمكاسب بغير ما جرى من فوضى ومعاناه؟ أيمكن أن نخلص من أحداثها بنتائج يمكن تعميمها على الثورات عامة؟ أتلقي أضواء على طبيعة الإنسان؟ إننا نتحدث هنا - فقط عن الثورات السياسية أي التغيرات السريعة والعنيفة لتغيير الحكومات سواء تغيير الحكام أم تغيير السياسة أما التطور بلا عنف فسنطلق عليه "التحول أو النمو والتقدم evolution ، أما التغير السريع والعنيف أو التغيير غير الشرعي الذي يشمل الأشخاص بلا إحداث تغيير في شكل الحكومة فسنسميه انقلاباً Coup d `eltat ، أما أي مقاومة علنية للسلطة القائمة فسنسميها عصيانا rebellion ·
إن أسباب الثورة الفرنسية باختصار هي:
(1) عصيان برلمانات الدوائر (المحافظات) مما أدى إلى إضعاف سلطة الملك وإضعاف الولاء لنبلاء >الأرواب< of the robe ·
(2) طموح فيليب دورليان Philippe d`Orleans للوصول إلى العرش ليحل محل لويس السادس عشر·
(3) عصيان ا لبورجوازية وتمردها على تخلي الدولة عن مسئوليتها المالية وتدخل الدولة في الاقتصاد، وعدم مشاركة الكنيسة بثرواتها لمواجهة الإفلاس المالي للدولة، واعتراض البورجوازية أيضا على امتيازات الأرستقراطية في أموال الدولة، وفي الحياة الاجتماعية·
(4) عصيان الفلاحين وتمر دهم بسبب العوائد والمراسيم الاقطاعية والضرائب والعشور الكنسية·
(5) عصيان جماهير باريس ضد الظلم الطبقي والمعوقات القانونية والعجز الاقتصادي والأسعار المرتفعة والتهديد العسكري· وقد مول البورجوازيون وفيليب دورليان الدعاية التي بثتها الصحف وأججها الخطباء، وتو جيه الجماهير، وإعادة تنظيم الطبقة الثالثة في جمعية وطنية تمكنت من فرض دستور ثوري· وأدت شجاعة العوام وصلابتهم وعنفهم وما بذلوه من دماء إلى إرهاب الملك وإرغامه على قبول الجمعية والدستور كما أرغموا الأرستقراطية على التخلي عن عوائدها الإقطاعية وأرغموا الكنيسة على التخلي عن العشور، وربما وجب أن نضيف كعامل ثانوي إنسانية الملك ورغبته في تحاشي إراقة الدماء·
أما نتائج الثورة الفرنسية فعديدة ومعقدة ومتنوعة ودائمة تماما حتى إنها تجعل من المحتم تناولها عند كتابة تاريخ القرن التاسع عشر·
1- النتائج السياسية
وهي نتائج واضحة: انتهاء النظام الإقطاعي، ليصبح الفلاحون أحراراً، ويصبح جانب منهم ملاكا· وحلت المحاكم المدنية محل المحاكم الإقطاعية وحلت ديمقراطية الملاك محدودي الملكية محل الملكية المطلقة، وحل بورجوازيو الأعمال Business محل الأرستقراطية كطبقة ذات سيادة تتولى أمور الإدارة· و مع الديمقراطية أتت المساواة أمام القانون وإتاحة الفرص للجميع على سواء وحرية إبداء الرأي وحرية العبادة وحرية الصحافة (على الأقل تم الإعلان عن هذا كأمل) لكن سرعان ما قلت مقادير الحرية المتاحة بسبب التباين الطبيعي بين الناس في القدرات، والتباين بين بيئاتهم في البيوت والمدارس والثروات· ويلاحظ أن هذا التحرر السياسي والاقتصادي والتشريعي قد امتد إلى شمال إيطاليا وبلاد الراين وبلجيكا وهولندا بفضل جيوش الثورة، ففي هذه المناطق أيضا أزيح النظام الإقطاعي ولم يعد حتى بعد سقوط نابليون· ومن هنا كان الفاتحون محررين وإن لوثوا عطاياهم بما مارسوه من ابتزاز في أثناء حكم هذه المناطق·
وأكملت الثورة توحيد ولايات (محافظات) فرنسا نصف الموحدة وجعلوا منها دولة فرنسية ذات حكومة مركزية وجيش وطني وقانون يسري في جميع الولايات جميعها· وكانت وحدة هذه المحافظات في كيان واحد ناقصة قبل الثورة بسبب البارونات الإقطاعيين وضرائب الانتقال من محافظة إلى أخرى واختلاف أصول (أعراق) سكانها واختلاف تقاليدها وعملتها وقوانينها· لكن هذا التغيير فيما يشير توكفيل Tocqueville كان يسير سيرا حثيثا في ظل البوربون، فكان من المحتمل انجاز وحدة فرنسا بغير الثورة لأن التجارة على مستوى فرنسا كلها كانت بشكل متزايد تتجاهل الحدود بين المحافظات، تماما كما فرض الاقتصاد الوطني في الولايات المتحدة تقليص حقوق (الولايات) بإيجاد حكومة فدرالية كان لا بد أن تكون قوية·
وعلى النحو نفسه فإن تحرير الفلاح وصعود البورجوازية للسلطة السياسية و الهيمنة الاقتصادية، كان من الممكن أن يحدث بغير الثورة، وإن كان حدوثه في هذه الحال سيكون بشكل أبطأ· وكانت الثورة في ظل الجمعية الوطنية (9871-1971) معقولة ولها ما يبرر تصرفاتها فيما وصلت إليه من نتائج دائمة، لكن الثورة في ظل حكومات الفترة من 2971 إلى 5971 كانت تمثل فترة بربرية تمثل فيها القتل والإرهاب والانهيار الخلقي بطريقة لا يمكن تبريرها بشكل كاف بوجود مؤامرات خارجية وهجوم خارجي· وفي سنة 0381 عندما أنهت ثورة أخرى الأمور بتأسيس ملكية دستورية، كانت النتيجة هي تقريبا مثل النتيجة التي تم التوصل إليها في سنة 1971·
وما حققته الثورة من مكسب بتوحيد فرنسا جرت موازنته بتطور "الوطنية" لتصبح مصدرا جديدا للعداوة بين الجماعات، فالقرن الثامن عشر كان ينحو عند الطبقات المتعلمة إلى التحرر من الأحقاد الوطنية بإضعاف الفروق بين الأوطان في الثقافة واللباس واللغة، لقد كانت الجيوش نفسها في غالبها تنحو نحو العالمية جنوداً وقادة· وقد غيرت الثورة هذا الاتجاه باتخاذها التجنيد الإلزامي نظاما، وأصبح الولاء للأمة بدلا من الولاء للأسرات المالكة هو الأساس وهو دافع الحرب وينبوعه· ونجح التآخي (الرفقة) بين الجنرالات في أن يحل محل ا لتكتل الأرستقراطي بين الضباط، وطغت وطنية الجنود المفعمة حماسا على برود موظفي الحكم القديم وممارستهم أعمالهم بلا روح· وعندما طور الجيش الفرنسي نظامه وازداد كبرياؤه أصبح القوة الوحيدة المنظمة في دولة مشوشة، وأصبح الملجأ الوحيد من بلبلة حكومات لا تتسم بالكفا ء ة وجماهير متمردة·
لا شك أن الثورة قد أتاحت الحريات بشكل أفضل في فرنسا وما وراءها، ومدتها لفترة إلى المستعمرات الفرنسية، بل وحررت عبيد هذه المستعمرات· لكن الحرية الفردية كانت تنطوى على مثالب· لقد ظلت هذه الحرية الفردية تزداد حتى تجاوزت الحدود الضرورية لنظام اجتماعي والضرورية لبقاء المجتمع على قيد الحياة، فالحرية التي لا حدود لها هي الفوضى كاملة، وأكثر من هذا فإن القدرات المطلوبة لإشعال ثورة تختلف تماما عن القدرات المطلوبة لبناء نظام جديد، فإشعال ثورة يتطلب - ليتم بسرعة - سخطا وعاطفة وانفعالا وشجاعة ولامبالاه بالقانون، وبناء نظام جديد يتطلب صبرا وعقلا وتقديرا للأمور بشكل عملي واحتراما للقانون· وما دامت القوانين الجديدة لا يدعمها تراث وعادات، فإنها عادة ما تفرض بالقوة· وأصبح دعاة الحرية هم القابضين على السلطة أو الذين أفسحوا المجال للقابضين على السلطة ولم يعودوا هم زعماء الغوغاء المدمرين وإنما قادة البناء المنظمين في ظل دولة عسكرية تحميهم وتشرف عليهم· ولحسن الحظ، فإن الثورة استطاعت أن تتخلص من الدكتاتورية أو تقصر أمدها، فحافظت على مكاسبها من الحرية للأجيال التالية·
2- النتائج الاقتصادية
وتتمثل في ملكية الفلاحين وفي الرأسمالية وقد نتج عن كل منهما آثار لا نهاية لها، فبعد أن أصبح الفلاحون ملاكا صاروا قوة محافظة شديدة، أبطلوا الاتجاه الاشتراكي للبرولتياريا الذين لا يملكون، وعملوا - أي الفلاحون - كمرساة أمان لاستقرار الدولة التي كانت تعاني من صدمات ما بعد الثورة، وظل دورهم هذا قائما عبر قرن من الزمان· وعلى هذا فقد تطورت الرأسمالية التي تلقى الحماية في الريف كما تطورت في المدن، وحلت النقود السائلة (السيولة النقدية) محل الثروة العقارية كقوة اقتصادية وسياسية، وتخلص الاستثمار الحر من السيطرة الحكومية·
وحقق الفيزيوقراط نصرا في معركتهم، أي أن يتركوا لحركة السوق تحديد الأسعار والأجور والإنتاج، فيكون "النجاح" أو "الفشل" محكوما بالمنافسة في "السوق" فيجب ألا تعوق القوانين حركة السوق· وتحركت البضائع من محافظة إلى محافظة بلا إزعاج أو تعويق بعد إلغاء ضرائب الانتقال الداخلية (من محافظة إلى أخرى) ونمت الثروة الصناعية وزاد تركزها عند القمة·
وعملت الثورة أو تشريعات الثورة بشكل متكرر على إعادة توزيع الثروة التي تركزت في جانب دون الجوانب الأخرى وأدى تفاوت القدرات أو الامتيازات إلى تركزها مرة أخرى (في جانب أو طبقة)· لقد حتم تفاوت قدرات الأفراد حصول كل منهم على ما يكافىء جهده، فكان من الضروري أن تتفاوت حظوظهم في الحياة· فكل تفوق "طبيعي" يؤدي إلى مزايا في البيئة أو في الفرص· وحاولت الثورة أن تقلل من هذا التفاوت ا لمتكلف (المصطنع)، لكنه سرعان ما عاد مرة أخرى وبشكل أسرع في ظل الحرية، فالحرية والمساواة لا يجتمعان (الحرية والمساواة عدوان لا يلتقيان Libery and equality are enemies ) فالناس تسعد بمزيد من الحرية لا لشيء إلا ليحصدوا نتائج تفوقهم"الطبيعي" و "البيئي" ومن هنا فإن التفاوت (عدم المساواة) يزداد كثيرا في ظل الحكومات التي تؤيد الاقتصاد الحر وتدعم حقوق الملكية· فالمساواة مبدأ مزعزع غير مستقر (توازنه غير ثابت) أي أن المساواة (بفرض وجودها) سرعان ما تنتهى إن حدث تغير في المواريث أو الصحة أو الذكاء أو الشخصية· وقد وجدت معظم الثورات أنه لا سبيل لمواجهة التفاوت "عدم المساواة" إلا بالحد من الحرية، كما في نظم الحكم الشمولية· وفي فرنسا الديمقراطية كان التفاوت (عدم المساواة) مطلق السراح ليزداد، أما المساواة فقد ذبحتها الجيلوتين (المقصلة) وفي الوقت المحدد أصبحت اتفاقا على ارتداء السراويل (يقصد المساواة من الناحية الشكلية كون الناس جميعا في فرنسا يرتدون زيا واحدا - السراويل - أو أن من حقهم ذلك)·
3- النتائج الثقافية
لا تزال النتائج الثقافية للثورة الفرنسية تؤثر في حياتنا· لقد أعلنت الثورة حرية الحديث والصحافة والاجتماع، حقيقة لقد جرى تقليص هذه الحريات بشدة، بل وانتهت على يد نابليون تحت ضغط الحرب، لكن المبادىء نفسها ظلت باقية وخاضت معارك متتالية لإثبات وجودها خلال القرن التاسع عشر لتصبح قابلة للتطبيق (أو إدعاء تطبيقها) في ديمقراطيات القرن العشرين· وخططت الثورة لقيام نظام وطني للمدارس ونفذت ذلك بالفعل· وشجعت العلم ليكون بديلا للاهوت على مستوى العالم كله· وفي سنة 1971 عينت الحكومة الثورية لجنة جعلت على رأسها لاجرانج Lagrange لتضع لفرنسا الجديدة الموحدة نظاما جديدا للموازين والمقاييس فتم اعتماد النظام المتري الذي أوصت به رسميا في سنة 2971، وصدر به قانون في سنة 9971· وكان على هذا النظام المتري أن يناضل ليشق طريقه في المحافظات الفرنسية إذ لم يكن قد حقق النصر الكامل حتى سنة 0481 وقد ألغي في بريطانيا العظمى الآن ليحل محله النظام الاثني عشري duodecimal system ·
وبدأت الثورة بفصل الكنيسة عن الدولة لكن هذا ثبت أنه أمر صعب في دولة كفرنسا تهيمن عليها الكاثوليكية وتعتمد تقليديا على الكنيسة في تهذيب شعبها· ولم يكن هذا الفصل كاملا حتى سنة 5091 وعاد ليضعف مرة أخرى هذه الايام تحت ضغط أسطورة مؤازرة الحياة a life sustqining myth · وفي محاولتها إحداث طلاق بين الدولة والكنيسة ناضلت الثورة لنشر "الأخلاق الطبيعية"· ووجدنا أن هذه المحاولة لم تنجح· فمن ناحية نجد أن تاريخ فرنسا في القرن التاسع عشر كان يمثل محاولات متشنجة دورية طال أمدها للخروج من كهف الانهيار الأخلاقي الذي سببته الثورة· وها هو القرن العشرون على مشارف النهاية من غير أن تجد البشرية حتى الآن بديلا طبيعيا للدين في حث هذا الحيوان الناطق (الإنسان) على الالتزام بمبادىء الأخلاق·
وتركت لنا الثورة بعض الدروس في الفلسفة السياسية لقد بدأت بالأقلية التي راح عددها يزداد إلى التحقق من أن الإنسان هو الإنسان بصرف النظر عن طبقته، فهؤلاء الثوار الذين وصلوا إلى السلطة راحوا يتصرفون كما تصرف من سبقوهم بل وفي بعض الحالات راحوا يتصرفون بشكل أشد فظاعة· قارن تصرفات روبيسبير بتصرفات لويس السادس عشر· لقد أصبح الناس نزاعين للشك في دعاوى الثورة فما عادوا يتوقعون شرطة لا يعتريها الفساد وسيناتورات يراعون الفضائل، وعلموا أن الثورة لا يمكن أن تحقق أكثر مما يمكن أن يحققه التحول والتطور التدريجي، وتسمح به الطبيعة البشرية، وما كانت هذه الفكرة لترسخ في الأذهان لولا ما عاينه الناس في نفوسهم من جذور البربرية الراسخة التي تمتد لتعمل خلاف ضوابط الحضارة·
ورغم نواقص الثورة وعيوبها - وربما بسبب بتجاوزاتها وإسفافها - فقد تركت تأثيرا قويا في آداب فرنسا وفنونها وتطلعاتها وانفعالاتها وذاكرتها·
بل وتركت التأثيرات نفسها في أمم أخرى من روسيا إلى البرازيل· فحتى سنة 8481 كان كبار السن يحكون لابنائهم عن أبطال هذه الفترة المثيرة، وما سادها من إرهاب اتسم بالطيش والقسوة بشكل يناقض القيم المتوارثه كلها· أكان عجباً أن يتحرك الخيال وتجيش العواطف على نحو قلما كان يحدث قبل قيام هذه الثورة؟ أكان عجباً أن يدفع التفكير في قيام دول يعيش فيها الناس على نحو أسعد، الرجال والنساء لتكرار محاولات تحقيق الأحلام النبيلة لهذه الحقبة التاريخية؟ إن قصص الوحشية والفظاعة التي سادت في أثناء الثورة الفرنسية دفعت الأرواح إلى التشاؤم والتخلي عن كل عقيدة· لقد ظهر شوبنهور Schopenhauers وليوباردز Leopardis وبايرون Byrons وموسيت (موسى) Mossets ،وشوبرت a Schubert وكيتس a Keats في الجيل الثاني· لكن كانت هناك أيضا أرواح يملؤها الأمل والانتعاش: هوجو، وبلزاك، وجوتير Gautier وديلاكروا Delacroix وبيرليوز Berlioz وبلاك Blake وشيليShelley وشيلر Schiller وبيتهوفن الذين سيشاركون بشكل مكثف في الصحوة الرومانسية للمشاعر والخيال والرغبة في التخلص من التقاليد والمحظورات والعوائق· وكان على فرنسا طوال ستة وعشرين عاما أن تظل مندهشة حائرة - تحت تأثير الثورة ونابليون - أعظم قصة على الإطلاق! إنها الأكثر رومانسية من بين الرومانسيات كلها، ومنذ حدوثها أصبح نصف العا لم مستثاراً خوفاً أو تطلعا وانبهاراً بهذا القرن العامر بالأحداث الذي لمست فيه أمة عانت الكثير مثل هذه الذرى وتلك الأغوار بطريقة قلما عرفها التاريخ قبل ذلك، ولم يعرف لها مثيلا منذ حدوثها(حتى الآن)·
| صفحة رقم : 14575 |
|