قصة الحضارة -> عصر نابليون -> الثورة الفرنسية -> الحياة في ظل الثورة -> مداد دي ستيل والثورة
8- مدام دى ستيل والثورة
كان ثمة ا مرأة تقف بمعزل عن صائغي الكلمات التي يفرضونها بقوة الصوت أو بقوة شخصياتهم، لقد قبلت هذه المرأة الثورة في الوقت الذي كانت فيه معشوقة من عشاق كثيرين أتى الواحد منهم إثر الآخر، لكنها شجبت الغوغاء وحكم الإرهاب وتصدت لنابليون في كل خطوة وظلت حية حتى النصر، بينما كان هو يذوي حيا كالميت· لقد تمتعت جيرمين نيكر Germaine Necker بمزايا هيأت لها الشهرة والحظ الحسن: فأبوها الذي سرعان ما أصبح مليونيرا أصبح وزيرا لمالية فرنسا، وأمها التي كان إدوارد جيبون Edward Gibbon يلاحقها في وقت من الأوقات، جمعت في صالونها عبا قرة باريس المشهورين، ليؤدي ذلك إلى تعليم ابنتها، سواء كانت هذه النتيجة مقصودة مدبرة أم أتت بغير قصد ولا تدبير·
ولدت في باريس في 22 أبريل سنة 6671· وقد ملأها نيكر Necker - باعتباره مرشدها الرئيسي - بمزيج متفجر من التاريخ والأدب والفلسفة، وكتابات راسين وريتشاردسون وكالفن Calvin وروسو· ولقد تجاوبت في رقة الشعور مع كلاريسا هارلو Clarissa Harlow وفي حماس الشباب مع دعوة روسو إلى الحرية لكنها أثبتت حساسيتها بشكل مؤلم مع الكالفنية Calvinism وقاومت النظام واللاهوت اللذين كانا هما طعامها اليومي· وشيئا فشيئا نفرت بسرعة مما يزعجها - سيطرة أمها - وأحبت أباها الفاضل المعين رغم تسامحه· تلك هي العلاقة الوحيدة التي حافظت عليها وتمسكت بها بإخلاص كامل، أما علاقاتها الأخرى فكانت عرضية لا تتسم بالاستمرار· لقد كتبت: "قدرانا كانا سيكونان قدرا واحدا يوحدنا للأبد لو كان القدر قد شا ء أن يجعلنا في الفترة الزمنية نفسها"(06)· وفي هذه الأثناء سمح لها من سن البلوغ فصاعدا أن تحضر اجتماعات أمها الدورية مع المفكرين، وكان الهدف من السماح لها بذلك هو مزج عواطفها بالفكر، وفي صالون أمها أسعدت العلماء بسرعة فهمها وحضور بديهتها· وبمرور الوقت أصبحت وهي في السابعة عشرة نجمة الصالون·
والآن حان وقت البحث لها عن زوج موافق لعقليتها ومناسب لمكانة أسرتها الثرية· ورشح لها والداها وليم بت William Pitt النجم الصاعد في سماء السياسة الإنجليزية لكن جيرمين رفضت الفكرة للسبب نفسه الذي جعل أمها ترفض جيبون Gibbon وهو أن الشمس لا تكون مشرقة فترة كافية في إنجلترا كما أن الإنجليزيات جميلات لكنهن مقموعات (لا يسمعهن أحد)· وتقدم لها البارون إريك ماجنوس ستيل فون هولشتين Eric Magnus Stael Von Holstein الذي كان قد أصـــبح مفلسا، وأرجأ آل نيكر طلبــه حتى أصبح هــو السفير الســويدي لـدى فرنسا· فما أن حدث هذا حتى وافقت جيرمين على الزواج منه لأنها توقعت أن تكون وهي زوجة أكثر استقلالا منها وهي ابنة· وفي 41 يناير في سنة 6871 أصبحت هي البارونة دى ستيل هولشتين de Stael Holstein وكانت في العشرين من عمرها، بينما كان البارون (زوجها) في السابعة والثلاثين من عمره· وكان هناك تأكيد أنها "لم تكن تعرف شيئا عن الاتصال الجنسي حتى زواجها"(16) لكنها كانت سريعة التعلم في مختلف المجالات· وقد وصفتها الكونتيسة دي بوفلر de Boufflers التي كانت في مقدمة الحاضرين في حفل العرس بأنها "معجبة بعقلها وذكائها بشكل زائد حتى إنه من الصعب أن يجعلها ذلك تتحقق من عيوبها· إنها متغطرسة وذات إرادة قوية بشكل يفوق الوصف، وواثقة من نفسها حتى إنني لم أر لها في هذا نظيراً ممن هم في مثل عمرها"(26) لم تكن جميلة فبنيانها رجولى كعقلها لكن عينيها تتلألآن بالحيوية أما عند النقاش فليس لها كفء·
وقد ذهبت لتعيش في السفارة السويدية في شارع دوباك Rue du Bac وسرعان ما أسست لها صالونا هناك، لكن أيضا - تخلصاً من إزعاج أمها - اتخذت لصالونها مقرا في شقة فوق بنك أبيها· وطرد نيكر من وزارة المالية في سنة 1871 ولكنه استدعى مرة أخرى ليشغل المنصب نفسه في سنة 8871 لتحاشي تهديد الثورة· إنه الآن رغم ملايينه المثل الأعلى في باريس، وكانت جيرمين تؤيده بشدة بلسانها وقلمها، وكان لديها بعض الأسباب التي تجعلها فخورة به، وأصبحت السياسة والحب غير المشروع هما طعامها وشرابها (لا هم لها سواهما)·
وبناء على نصيحة نيكر دعا لويس السادس عشر مجلس طبقات الأمة للانعقاد، وأمر الملك متجاوزا اعتراض نيكر أن تجتمع كل طبقة في مكان منفصل محافظا بذلك على الفصل بين الطبقات· وفي 21 يوليو سنة 9871 طرد الملك نيكر للمرة الثانية وأمره بمغادة فرنسا فورا· فأسرع نيكر وزوجته بالتوجه إلى بروكسل وتبعتهما جيرمين وقد ملأها الغضب فنسي ستيل Stael مهام منصبه وصحبها وربط مصيره بمصيرها· وفي 41 يوليو اجتاح الباريسيون سجن الباستيل وهددوا العرش· فأرسل الملك الذي تملكه الرعب لاستدعاء نيكر إلى باريس ليشغل منصبه فعاد نيكر وصفق له الشعب، واندفعت جيرمين عائدة إلى باريس وراحت تحس كل يوم برياح الثورة الساخنة حتى مذابح سبتمبر·
وأيدت مجلس طبقات الأمة لكنها دافعت عن فكرة وجود مجلسين تشريعيين في ظل ملكية دستورية مؤكدة أفكار الحكومة النيابية والحريات المدنية وحماية الملكية· وكلما تقدمت الثورة في مسارها كانت هي تبذل قصارى جهدها للتخفيف من أفكار اليعاقبة· وكانت تشجع الجيرونديين·
وعلى أية حال فقد بزّت اليعاقبة في فلسفتها الأخلاقية وكل من قابلتهم من الرجال تقريبا كان الواحد منهم يرى أنه من المعقول أن يكون زواجه قائما على اتحاد الثروات (ثروته وثروة زوجته) لا على اتحاد القلوب، إذ يمكن لمحظية أو محظيتين أن تتيح له الإثارة والرومانسية، لكن الواحد من هؤلاء الرجال لم يكن يظن أن هذا الامتياز يمكن أن يمتد ليشمل الزوجة لأن عدم إخلاصها قد يؤدي إلى إنجاب أولاد ليسوا من صلبه وبالتالي تضيع الثروة (تذهب لغير أبنائه أي تفسد عملية التوريث) ولم تكن جيرمين تشعر بهذه الحجة لأنها وهي الابنة الوحيدة يكاد يكون الميراث كله لها، لذا فقد انتهت إلى نتيجة مؤداها أن عليها أن تبحث عن الرومانسية متحررة من القيود كلها حتى في اختيار أسرّة أخرى (التعامل في غير مخدع الزوجية)·
وكانت قد فقدت احترامها لزوجها سريعا، فقد كان مطيعا جدا بطريقة لا تجعله مثيرا، وكان غير كفء بطريقة تجعله غير قادر على تسديد ديونه، ولم تكن معترضة على اتخاذه من الآنسة كليرون Clairon محظية، لكنه كان ينفق دخله الحكومي على ممثلة مسرحية عمرها إحدى وسبعون سنة وكان يهمل واجباته كسفير وكان يقامر ويخسر وتراكمت عليه الديون مرارا، فكان يدفعها عنه زوجته وأبوها مكرهين، ومن هنا فقد شقت طريقها بين موكب العشاق لأنه كما قالت في "دلفين Delphine " "بين الله والحب لا أعترف بوسيط سوى ضميري" والضمير يمكن التحكم فيه Could be managed وكــان مـــن بين أول من تعاون معها تاليران Talleyrand أسقف أوتون Autun المطرود الذي اتفق معها في مسألة مرونة النذر أو القسم (اتخاذ المرء على نفسه عهدا Flexibility of vows ) تم أتى بعده الكونت جاك أنطوان دى جوبير Jacques Antoine de Guibert الــذي أصـــبح فيمـــا بعد "المثـــل الأعلى الجميل beau Idéal " لجولي دى ليسبيناس Julie de Lespinasse لكنه على أية حال مات في سنة 0971 وهو في السابعة والأربعين· وقبل موته بعام كون علاقة أعمق وأكثر استمرارا مع لويس دي ناربون لارا Louis de Narbonne Lara ، وكان ابنا غير شرعي، وكان لديه هو نفسه عندما بلغ الثالثة والثلاثين من عمره عددا من الأبناء غير الشرعيين (أولاد الزنا) لكنه كان وسيما بشكل ملحوظ، ويتحلى بدماثة وفضائل قلما يتحلى بها شاب وضيع الأصل (ليس له شجرة نسب)· وكان بحكم ميراثه الاجتماعـــي يقف إلى جانب الأرستقراطية ضد البورجوازية (محدثي النعمة) لكن جيرمين جذبتــــه إلى أفكارهـــا وجعلته من أنصار الملكية الدستورية التي يمكن في ظلالها للطبقة التي تمتلك أن تشــــارك النبلاء والملك فـــي الحكـــم·وإذا كان لنا أن نصدقها فإن ناربون Narbonne "غير قدره من أجلي، وتخلى عن ارتباطاته ووقف حياته لي· باختصار··· لقد أقنعني أنه سيعتبر نفسه سعيدا بامتلاكه قلبي، وأنه إذا لم يجد لذلك سبيلا فقد لا يستطيع البقاء على قيد الحياة"(36)·
وفي 4 سبتمبر سنة 0971 استقال نيكر، لعدم رضا النبلاء المحيطين بالملك عن سياسته، واتجه هو وزوجته ليعيشا حياة هادئة في قصره في كوبت Coppet ، ولحقت بهما جيرمين في أكتوبر لكنها سرعان ما سئمت الهدوء في سويسرا، وأسرعت عائدة لما أسمته - بالمقارنة - باسم شارع دو باك اللذيذ(46) Rue du Bac فهناك كان صالونها تتردد فيه أصوات لافاييت Lafayette وكوندرسية Condorcet وبريسو Brissot وبارنيف Barnave وتاليران وناربون، وصوتها· ولم تكن راضية عن اكتفائها بالمناقشات الألمعية، فقد كانت تتطلع للقيام بدور سياسي· وأطلقت العنان لأحلامها بتحويل فرنسا من الكاثوليكية إلى البروتستانتية وكانت تأمل من خلال عش النبلاء الذي بنته أن تنهي الثورة بملكية دستورية تحقق فرنسا في ظلها السلام· وبمساعدة لافاييت Larayette وبارنيف Barnave ضمنت تعيين ناربون Narbonne وزيرا للحرب (6 ديسمبر 1971)· وقد أيدت ماري أنطوانيت هذا التعيين مكرهة، فقد علقت قائلة :
"يا للمجد الذي حازته مدام دستيل de Stael " يا لسعادتها أن يكون الجيش كله تحت تصرفها !!"(56 )·
لقد اشتط ناربون كثيرا، ففي 42 فبرا ير قدم للويس السادس عشر مذكرة يشير عليه فيها أن يولي ظهره للأرستقراطية، وأن يعطي ثقته ودعمه لبورجوازية الملاك التي تأخذ على عاتقها المحافظة على القانون والنظام والملكية المقيدة، وقد اعترض بقية الوزارء غاضبين، ورضَخَ لويس لمعارضتهم وطرد ناربون Narbonne ، فسقط بيت جيرمين غير الراسخ أو غير القائم على أساس، وقامت مدام رولان بوضع الملح على جروح منافستها بأن عملت من خلال بريسو Brissot على تعيين زوجها(زوج مدام رولان) وزيرا للداخلية·
لقد عاشت جيرمين في باريس خلال معظم عام 2971، هذا العام المتسم بالاضطراب، وفي 02 يونيو سنة 2971 شاهدت اجتياح الجموع لقصر التوليري، ورغم أنها رأت المشهد عبر نهر السين إلا أن طريقة الجماهير غير المتحضرة سببت لها الرعب·
"لقد كانت صيحاتهم المرعبة وتهديداتهم المصحوبة بالقسم وإيماءاتهم وأسلحتهم الغدارة القاتلة، كل ذلك كان يشكل مشهدا مرعبا يمكن أن يدمر وإلى الأبد الاحترام الذي يجب أن يتطلع إليه الجنس البشري"(66)· لكن هؤلاء الجورى Jouree (كما اعتاد الفرنسيون تسميتهم بعد ذلك) أصبحوا هادئين بعد أن استرضاهم الملك بوضع >كاب< الثورة الأحمر فوق رأسه· وعلى أية حال ففي 01 أغسطس شاهدت من مكمنها الآمن استيلاء الغوغاء على التوليري وإراقة الدماء في أثناء عملية الاستيلاء وكيف أن الغوغاء لم يهدأوا حتى فر الملك والملكة ليكونا تحت حماية الجمعية التشريعية· وبدأ الثوار في القبض على كل أرستقراطي وقعت عيونهم عليه، واستغلت جرمين وضعها الآمن في حماية أصدقائها من الأرستقراطيين، فخبأت ناربون في موضع منعزل في السفارة السويدية، وصمدت بعناد وأخيرا اتفقت مع جماعة من خفر السواحل، وفي 02 أغسطس كان ناربون آمنا في إنجلترا·
وكان بعد ذلك ما هو أسوأ، ذلك أنه في 2 سبتمبر قاد لابسو السراويل >البناطيل< الطويلة (الذين لا يرتدون سراويل قصيرة أو السانس كولوت) النبلاء ومؤيديهم وقتلوهم ولم تنج مدام دى ستيل من هذا المصير إلا بشق الأنفس· فبعد أن ساعدت كثيرين من أصدقائها على الخروج من باريس بل ومن فرنسا كلها بدأت هي نفسها في يوم 2 سبتمبر الساطع هذا رحلتها في عربة من عربات الدولة تجرها ستة خيول ومعها خدم ذوو ثياب مميزة واتجهت إلى بوابات المدينة، ووضعت بتروٍ شارة السفراء وعلاماتهم على أمل أن يستقبلها موفدون دبلوماسيون، وما كادت العربة تنطلق حتى أوقفها "سرب من النسوة العجائز، وكأنهن خرجن من الجحيم" وأمرت جماعة من العمال الحوذيين بالتوجه إلى مركز الحي (القسم) وهناك أَفْزَغَ الحراس المجموعة بتوجيههم العربة ومن فيها إلى دار البلدية· "وهناك خرجت من العربة وأحاط بي غوغاء مسلحون وشققت طريقي بين أسنة الرماح، وبينما كنت أصعد السلم الذي كان أيضا غاصا بحاملي الرماح وجه أحدهم رمحا إ لى قلبي· لكن رجل الشرطة المصاحـب لي أبعده عــني بسيفه· لو أن قدمي زلت في هذه اللحظة لكان في ذلك نهايتي"(76)· وفي مقر الكومون وجدت صديقا عمل على إطلاق سراحها ورافقها إلى السفارة وسلمها جواز سفر مكنها في صباح اليوم التالي من مغادرة باريس بأمان إلى كوبت Coppet · لقد كان هذا هو اليوم الذي رفع فيه رأس الأميرة ديلامبل de Lamballe على سن رمح وطيف به لتراه الملكة السجينة·
ووصلت جيرمين إلى أحضان والديها في 7 سبتمبر وعندما سمعوا بثورة في جنيف اتجهوا شرقا إلى رول Rolle بالقرب من لوزان Lousanne · وفي 02 نوفمبر سنة 2971 أنجبت جيرمين ابنها ألبرت وكان سنها وقتئذ ستة وعشرين عاما والذي كانت تحمله معها خلال مغامراتها مع الموت· وربما تكون قد أنجبته من خلال علاقتها مع ناربون لكن زوجها (دي ستيل) أقنع بأنه أبوه، فاقتنع أو تظاهر بالاقتناع· وفي رول Rolle وبعد ذلك في كوبت Coppet آوت إليها عددا من الرجال والنساء المشاهير وغير المشاهير الهاربين من فرنسا قبل حكم الإرهاب في طريقهم إلى بلاد أخرى· "ولم تعبأ هي ولا أبوها بأن هذا قد يسبب المتاعب لهما"(86 )·
وعندما علمت أن ناربون عرض أن يغادر ملجأه في إنجلترا ويعود ليدافع عن لويس السادس عشــر، لم تستطع تحمــل فكــرة أن يعــرض نفسه للخطر، فوجدت أنه يجب عليها التوجه إلى إنجلترا لإثنائه عن عزمه، فاتخذت طريقها عبر فرنسا وعبرت القناة والتقت بناربون في صالة جونيبر Jouniper Hall في ميكلهام Mickelham بالقرب من لندن، وفي 12 يناير سنة 3971 أي اليوم نفسه الذي قدم فيه الملك لويس السادس عشر للمقصلة· وكان عشيقها السابق مستثارا جدا بالأخبار التي وصلته، فلم يرحب بها الترحيب الكافي· لقد غلب عليه أصله الأرستقراطي، وضاع حبه لخليلته وسط أحزانه لمقتل الملك، وراح تاليران المقيم بالقرب من لندن يزورهما تباعا للتخفيف عنهما بفكاهاته· وانضمت إليهما فاني بورني Fanny Burney وذكرت في تقريرها in Macaulay`s Summary ) أنها " لم تكن قد سمعت أبداً مثل هذه المناقشة قبل ذلك· لقد تجمعت أمور كثيرة لتفتنها: بلاغة تتسم بالحيوية وملاحظات حادة كأشد ما تكون الحدة، وعقل متألق كأشد ما يكون التألق، ولطف وكياسة وعاطفة جياشة، كأشد ما يكون ذلك كله"· ورفضت فاني أن تصدق الإشاعات القائلة بأن ناربون وجيرمين يعيشان في الحرام(يمارسان الزنا معا)· لقد كتبت إلى أبيها المؤرخ الموسيقى الشهير :
"لقد كانت هذه المشاركة الحميمة··· جديدة تماما لي، وإنني أعتقد اعتقادا راسخا أن ما يقال عنها محض افتراء· إنها تحبه حبا حنونا، لكن بشكل واضح جدا وبسيط جدا·· خال تماما من كل غنج أو عبث· إنها متسامحة جدا، وسهلة جدا، وهو وسيم جدا، ولا بد أن موهبتها العقلية هي مصدر جاذبيتها له، ولا شيء آخر··· أظن أنك لا تستطيع أن تقضي يوما معهما من غير أن تدرك أن تجاوبهما الفكري من النوع الخالص رغم سموه وهو أى هذا التجاوب عماد صداقتهما"(96)·
لكن عندما تأكدت فاني أنهما يمارسان الرذيلة تخلت آسفة عن زيارتهما في صالة جونيبر· بل إن المهاجرين (الذين تركوا فرنسا بسبب أحداث الثورة) قد ابتعدوا عن هذه المجموعة الصغيرة باعتبار أنهم دافعوا عن الثورة مدة طويلة· وفي 52 مايو سنة 3971 عبرت جيرمين إلى أوستند Ostend واتخذت طريقها بأمن إلى بيرن Bern باعتبارها لا تزال زوجة للسفير السويدي، وفي بيرن التقت بزوجها الموسمي (الذي لا يلقاها إلا بين الحين والحين أو بتعبير آخر زوج المناسبات) وذهبت معه إلى كوبت Coppet · وهناك نشرت كتابها: تأملات في محاكمة الملكة بقلم امرأة" دعت فيه بحرارة للنظر إلى ماري أنطوانيت بعين الرحمة، لكن المقصلة سرعان ما قطعت رقبة الملكة في 61 أكتوبر سنة 3971·
وماتت مدام نيكر في 51 مايو سنة 4971 وحزن عليها زوجها حزنا عميقا لا ينتج إلا عن طول العشرة " أما جيرمين فلم تتأثر كثيرا، وانتقلت إلى قصر ميزيرى Mézery لتكون صالونا جديدا ولتنسى كل شيء آخر في أحضان كونت ريبنج Ribbing ، ووصل ناربون متأخرا فوجد أحضانها مشغولة بغيره فعاد إلى خليلته السابقة، وأحيانا في أثناء سقوط سنة 4971 كان بنيامين كونستانت (قسطنطين) Benjamin Constant يلتقى بها في نيون Nyon ، ليندمجا معا في علاقة طويلة قوامها الفكر والعشق، وكان بنيامين هذا سويديا في نحو السابعة والعشرين من عمره، طويلا بوجهه نمش و كان أحمر الشعر·
وفي هذه الأثناء سقط روبيسبير ووصل المعتدلون إلى السلطة فآن لها أن تعود إلى باريس فعادت في مايو سنة 5971 وتصالحت مع زوجها وأحيت صالونها في السفارة النمساوية ودعت إليه الزعماء الجدد للمؤتمر الوطني المحتضر : بارا، وتاييه Tallein وبويسى دنجلا Boissy d ` Anglas وأسود الأدب مثل ماري جوزيف شينييه Marie Joseph de Che`nier · واقتحمت مجال السياسة بشوق شديد حتى إن أحد أعضاء المؤتمر الوطني اتهمها بأنها تدبر مؤامرة ملكية واتهم زوجها بأنه ديوث (يقبل الخنا في أهله)· وأصدرت لجنة الأمن العام الجديدة قرارا بإبعادها عن فرنسا، وفي أول يناير سنة 6971 عادت مرة أخرى إلى كوبت Coppet ، وهناك بين كونستانت (قسطنطين) وكتبها كتبت دراسة كئيبة بعنوان: De L`influence des Passions" " أي "أثر الهوى" استوحت فيه روسو وشعورها، وكانت فيه صدى لكتاب The Sorrows of Werther وقد امتدحت في كتابها هذا الانتحار، ورتب أصدقاؤها في باريس طلبات مفعمة حماسا وعاطفة لإعادة النظر في أمرها، فأعلمتها حكومة الإدارة أنه في مقدورها أن تعود إلى فرنسا على أن تكون في مكان يبعد عن العاصمة عشرين ميلا على الاقل، فعادت مع كونستانت (قسطنطين) لتستقر في دير سابق في هيريفو Hérivaux ، وفي ربيع سنة 7971 سمح لها بالانضمام لزوجها في باريس، وفي 8 يونيو انجبت ابنتها ألبرتين Albertine لا يعرف أبوها على وجه اليقين· وخلال هذه التعقيـــدات استطاعت عن طريق باراــ Barras أن تتوســـط لاستدعاء تاليران من منفــاه وتعيينـــه (في 81 يوليو 7971) وزيـــرا للخارجية· وفــي سنة 8971 فقد البارون دي ستيل de Stael منصبه كسفير، فمنح جيرمين انفصالا وديا (اتفق معها على الانفصال بشكل ودي) مقابل حصة ماليه، وعاد إلى منزله الذي يعرف الآن باسم قصر الكونكورد Concorde وظل به حتى وجدناه ميتا في سنة 2081·
وفي 6 ديسمبر سنة 6971 قابلت نابليون لأول مرة في استقبال أعده تاليران لاستقبال فاتح إيطاليا عند عودته لفرنسا· وتحدث إليها نابليون مادحا والدها في عبارات موجزة· ولأول مرة في حياتها لم تكن جاهزة للرد (للتجاوب في الحديث)· لقد قالت بعد ذلك: "لقد اعتراني الاضطراب إعجابا به ورهبة منه"(07) وقد سألته سؤالا غبيا:"من هي أعظم امرأة بين الأحياء والأموات؟" فأجابها إجابة ملتوية شيطانية: "إنها المرأة التي أنجبت أكبر عدد من الأبناء"(17) وبعد ذلك بأربعة أيام رأته مرة أخرى وأعضاء حكومة الإدارة يستقبلونه مصفقين في قصر لكسمبورج· لقد كانت مرتبكة إزاء شخصية نابليون التي جمع فيها مزاج من الكبرياء والتواضع، وهنا شعرت أن نابليون هو الرجل الذي يحمل معه قدر فرنسا· وظلت طويلاً تواقة لكسب ثقته والاشتراك معه في مشروعات كبيرة، ربما ليكون ذلك نصرا لها يضاف إلى انتصاراتها السابقة، وقد سعدت كثيرا كعاشقة تكتم عشقها في 01 نوفمبر سنة 9971 عندما أخبرها لوسين بونابرت أن نابليون خرج منتصرا في سان كلود St.- Cloud وحمل لقب القنصل الأول وهذا يعني عمليا أنه حاكم فرنسا· لقد شعرت عندئذ أن عصر الفوضى والتشوش والمثاليات الكاذبة قد أنتهى وأن عصرا جديدا للأبطال والعظمة قد بدأ·