قصة الحضارة -> عصر نابليون -> الثورة الفرنسية -> الحياة في ظل الثورة -> الكتب والمؤلفون

7- الكتب والمؤلفون


رغم المقصلة ظل الناشرون ينشرون، وظل الشعراء يقرضون، وظل الخطباء يخطبون وظل المسرحيون يستوحون التاريخ والعشق، وراجع المؤرخون أحداث الماضي، وهذب الفلاسفة الحاضر، ونافست امرأتان الرجال في مجال التأليف من حيث عمق المشاعر والشجاعة السياسية وعمق الفكرة· وإحدى هاتين المرأتين هي مدام رولان Roland التي سجنت وجزت المقصلة رقبتها·
واستمرت أسرة ديدو Didot أكثر الأسر شهرة في مجال النشر، في تحسين صب الحروف وإتقان تجليد الكتب وكان فرانسو ديدو Francois- Didot قد أسس الشركة - للطباعة وبيع الكتب - في باريس في سنة 3171 وأجرى ابناه فرنسوا أمبروز Francois- Ambroise وبيير فرانسو Pierre- Francois تجارب في مجال فن الطباعة، وأصدرا مجموعة من الأعمال الكلاسية الفرنسية برعاية لويس السادس عشر· ونشر بيير - ابن فرنسوا - أمبروز طبعات فيرجيل (8971) وهوراس Horace (9971) وراسين (1081)، وكانت هذه الطبعات فاتنة ولائقة حتى إن الأثرياء كان يمكنهم شراءها للاستمتاع باقتنائها من قراءاتها· وحقق فيرمين ديدو Firmin Didot (4671-6381) شهرة بابتداعه حروفا طباعية جديدة، كما حاز قصب السبق في اختراع الاستريوتيب (الصفحة الطباعية التي تصنع بصب المعدن في قالب من الجص أو الورق المعجن مأخوذ عن حروف منضدة) وقد نشرت شركة فيرمين ديدو في سنة 4881 الطبعة الفاخرة لكتاب بول لاكروا Poul Lacroix الموسوم بالعنوان "حكومة الإدارة و القنصلية والإمبراطورية Directoire, Consulat et Empire وهو الكتاب الذي رجعنا إليه في هذا الموضع عدة مرات، فمنه على سبيل المثال علمنا أنه على طول فترة الحقبة الثورية كانت مبيعات كتب فولتير وروسو بمئات الألوف من النسخ· وقد أصدر المؤتمر الوطني مرسوما (91 يوليو 3971) لضمان الملكية الفكرية للمؤلف في مطبوعاته حتى بعد وفاته بعشر سنوات(75)·
وأشهر شاعرين في العقد الثوري بدأا متفردين في طريقة التعبير والأسلوب، وانتهت حياتهما بنصل المقصلة نفسها· لقد ألف فيليب فرانسوا فابر Philippe Francois Fabre أشعارا جميلة ومسر حيات ناجحة، وأصبح رئيسا لنادي الكوردليير(تجمع سياسي يسارى سبقت الإشارة إليه) وسكرتيرا لدانتون وعضوا في المؤتمر الوطني وفيه صوت لصالح طرد الجيرونديين وإعدام الملك وعين في اللجنة المنوط بها وضع تقويم جديد (التقويم الجمهوري بدلا من التقويم الميلادي)· وابتدع كثيرا من أسماء شهوره الفصلية، تلك الأسماء المتسمة بجمال التعبير وحسن التصوير، وفي 21 يناير سنة 4971 قبض عليه بتهمة الفساد والتزوير والتعامل مع الوكلاء الأجانب والتربح والاستغلال، وفي أثناء محاكمته غنى قصيدته القصصية الجذابة :
"الدنيا تمطر Il pleut

الدنيا تمطر Il pleut

هيا أيها الراعي bergere

اجمع غنمك البيضاء rentre tes blancs moutons "

لكن القضاة لم تكن لهم آذان لسماع هذه الأغنية الرعوية (المعنى: لم تجده قصائده شيئا) وفي طريقة إلى المقصلة (5 أبريل 4971) راح يوزع نسخاً من أشعاره على الناس·
أما أندرية ماري دى شينييه Andre` - Marie de Chénier فكان أفضل شعرا وأفضل أخلاقا، لكنه لم يكن أفضل مصيرا· ولد في القسطنطينية سنة 2671 من أب فرنسي وأم يونانية وقد قسم حبه الأدبي بين الشعر الإغريقي والفلسفة الفرنسية· تلقى تعليمه في نافار Navarre وأتى إلى باريس في سنة 4871، وعقد صداقات مع ديفيد ولافوازيه وقبل الثورة بتحفظ· وعارض الدستور المدني للإكليروس الذي ربط الكنيسة الكاثوليكية بالدولة، وأوصى في الجمعية الوطنية بالفصل الكامل بين الكنيسة والدولة، وبإطلاق حرية العبادة لكل الأديان والمذاهب وأدان مذابح سبتمبر وامتدح شارلوت كورداي Charlotte Corday لقتلها مارا Marat وكتب خطابا من أجل لويس السادس عشر إلى المؤتمر الوطني طالبا استئناف حكم الإعدام أمام الشعب، وأدى هذا إلى أن أصبح موضع شك من اليعاقبة الحاكمين، فتم سجنه باعتباره جيرونديا، وقد أحب سجينة جميلة هي الآنسة دى كواني de Coigny التي وجه إليها "الفتاة الأسيرة La Jeune- Captive " التي أكد لامارتين Lamartine أنها "أكثر التنهدات التي خرجت من زنزانات السجون شجنا"(85) وعندما مثل للمحاكمة رفض الدفاع عن نفسه وذهب في طريقه إلى الموت تخلصا من عصر تسوده البربرية والطغيان· ولم ينشر سوى قصيدتين طوال حياته لكن أصدقاءه أصدروا بعد إعدامه بخمسة وعشرين عاما طبعة جمعوا فيها أشعاره جعلته مثل كيتس Keats بالنسبة للأدب الفرنسي· ولا بد أن يكون تفجعه لمأساته ومأساتها هو ما عبر عنه في المقطع الشعري الأخير من قصيدته "الفتاة الأسيرة"·
"آه أيها الموت لست في حاجة للعجلة !

انصرف! انصرف!

اذهب لتواسي قلوبا عرفت العار والخوف

حيث النواح والعويل بلا أمل

بالنسبة لي فإن بالز Pales إلهة القطعان سيظل أمامها طرقها المعشوشبة

إن للحب قبلاته، وللربة موزيه Muze راعية الشعر والفنون والعلوم أناشيدها

وأنا ايضا لا أرغب الموت·"(95)

وكان أخـو أندريه الأصغر جوزيف دى شينييه Joseph de Chénier (4671 - 1181) مسرحيا ناجحا، وأعاد للأذهان الهياج الذي سببه تمثيل تالما Talma لمسرحية شارل التاسع Charles IX · وكتب كلمات الأنشودة العسكرية "نشيد الرحيل Chant du départ" وأغنية للحرية Humne a` La Liberté " وقد غنيتا في "مهرجان العقل Fast of reason " وقدم لفرنسا ترجمة بارعة لكتاب جراى Gray :
Elegy Written in a Country Churchyard وتم انتخابه للمؤتمر الوطني، وأصبح بمعنى الكلمة هو الشاعر الرسمي للثورة· وفي آخر ع مره كلفه المعهد الفرنسي بإعداد حصر تاريخي بحالة الفكر الفرنسي وتطوره منذ سنة 9871، لكنه مات قبل أن يتمه، ومع هذا فهو سجل واسع للكتاب الذين حققوا شهرة في هذه الفترة والذين نسي الناس معظمهم حتى المتعلمون الفرنسيون· وقد مات أعضاء الأكاديمية الفرنسية الملقبين بالخالدين بعد موته بفترات بسيرة·
وكان الأدب الفرنسي قد استعاد عافيته في ظل حكومة الإدارة بعد أن تحكمت فيه السياسة في عهد المؤتمر الوطني· لقد تكونت مئات من الجمعيات الأدبية وكثرت نوادي القراءة، وانتشرت عادة القراءة وازدهرت· وكانت معظم القراءات في مجال الر وايات والقصص الرومانسي والشعر، فهذه القراءات بدأت تحل محل الولع بقراءة الأعمال التراجيدية· وترجم كتاب ماسفير سون (Ossain) Machpherson إلى الفرنسية وأقبل عليه القراء على اختلاف ميولهم من خادمات غرف النوم إلى نابليون·



صفحة رقم : 14573