قصة الحضارة -> عصر نابليون -> الثورة الفرنسية -> الحياة في ظل الثورة -> العلم والفلسفة

6- العلم والفلسفة


الثورات لا تتعاطف مع العلوم البحتة، وانما هي تحفز العلوم التطبيقية على مواجهة احتياجات مجتمع يناضل من أجل حريته· لقد ساعد لافوازيه Lavoiseur الكيميائي المالي الثورتين الأمريكية والفرنسية بتحسين نوعية البارود، وزيادة كمية انتاجه· وبيرتوليه Bertholet وكيميائيون آخرون حفزهم الحصار البريطاني على إيجاد بدائل للسكر المستورد وكذلك بدائل لما يستورد من صودا ونيله (صبغة زرقاء)، وقد تم إعدام لافوازيه بتهمة أنه مستغل متربح (4971)(45) لكن بعد إعدامه بعـــام شـــجبت الحكومة الثورية هــذا الإعدام· وحمى المؤتمــر الوطني العلماء في لجانه وقبل خططهم فيما يتعلق بالنظام المتري Metric System · وبوأت حكومة الإدارة العلماء مكانا حفيا في المعهد الفرنسي الجديد· ولا زالت أسماء لاجرانج Lagrange ولابلاس Laplace وأدريان ماري ليجيندر Adrien Marie Legendre وديلامبر Delambre وبيرتوليه Bertholet ولامارك Lamarck وكوفييه Cuvier ، شهبا تلمع في تاريخ العلم، وكانوا جميعا من بين أعضائها الأول· لقد أصبح العلم لفترة هو عماد التعليم الفرنسي حالاً محل الدين، وعرقلت عودة البوربون هذه الحركة لكن سقوطهم (0381) كان مصحوبا برفع شأن العلم متمثلا في الفلسفة الإيجابية Positive Philosophy التي نادى بها أوجست كونت Auguste Comte ·
وترك لاجرانج وليجندر علاماتهما الأخيرة على الرياضيات، فصاغ لاجرانج حساب التغاير والذي لا تزال معـــادلاته جزءا من علم الميكانيكا· وظل ليجندر يدرس التكامل الإهليجي (ناقص المقطع) من سنة 6871 إلى سنة 7281 عندما نشر نتائج بحوثه في إحدى الدوريات المتخصصة Traité des fonctions أما جاسبار مونج Gaspard Monge وهو ابن بائع جوال فقد ابتدع الهندسة الوصفية وهي طريقة أو منهج لتقديم أبعاد ثلاثة للأشياء على مستوى ذى بعدين، وقد نظم أمور استخلاص النحاس والقصدير على مستوى الدولة، وكتب نصا شهيرا عن الفن الدقيق لصناعة المدافع وخدم الحكومة الثورية ونابليون فترة طويلة في مجال اختصاصه رياضياً وإدارياً· وأثار لابلاس أهل الفكر في أوربا بمبحثه " عرض لنظام الكون Exposition du Systeme du Monde (6971) صاغ من خلال النظرية السديمية (كون النظام الشمسي نشأ من سديم غازي) وحــاول أن يشــرح الكون من خــلال ميكانزم خالـــص (مجرَّد) وعندما سأله نابليون: "من الذي فعل كل هذا النظام (الميكانزم)؟ أجاب لابلاس: "إنني لست في حاجة إلى هذه الفرضية"· أما لافوازيه مؤسس الكيمياء الحديثة فقد ترأس اللجنة التي صاغت النظام المتري (0971) وطور بيرثوليه Bertholet كلا من الكيمياء النظرية والعملية وساعد لافوازيه في وضع مصطلحات ورموز كيميائية جديدة·
وساعد وطنه الذي كان يخوض الحرب بطريقته في تحويل خام الحديد إلى حديد، وتحويل الحديد إلى صلب· وكان زافييه بيشا Xavier Bichat رائدا في مجال علم الأنسجة (الهيستولوجيا) بدراساته الميكروسكوبية للأنسجة· وفي سنة 7971 بدأ سلسلة محاضراته الشهيرة في علم الفيسيولوجيا والجراحة ولخص نتائج بحوثه في دوريــة علمية هي Anatomie generale (1081)· وفي سنة 9971 وكان سنه وقتها ثمانية وعشرين عاماً عين طبيبا في مصح الرّبHotel Dieu وعكف على دراسة التغيرات العضوية الناتجة عن المرض في مرحلة الا حتضار (2081) وكان عمره وقتها واحداً وثلاثين عاما·
وربما يمثل بيير كاباني Pierre Cabanis مرحلة انتقال في مجال الفلسفة رغم أنه كان معروفا في عصرة كطبيب في الأساس، إلا أن الأجيال التالية اعتبرته فيلسوفا· وفي سنة 1971 كان يرعى ميرابو Mirabeau في مرضه الأخير· وحاضر في مدرسة الطب عن الصحة والطب الشرعي وتاريخ الطب، وكان لفترة رئيسا لكل مستشفيات باريس· وكان واحدا من كثيرين من الرجال المشهورين الذين أحبوا حبا عاقلا مكتوما أرملة المثقف (الفيلسوف) هيلفيتيوس Helvétius التي كانت دائما جديرة بأن تحب· وقد قابل في صالونها كلاً من:
ديدرو Diderot ودلمبير d`Alembert ودولباش d`holbach وكوندرسيه Condorcet وكونديلاس Condillac وفرانكين Franklin وجيفرسون Jefferson ، وباعتباره دارسا للطب فقد كان على نحو خاص منجذباً إلى كونديلاس Condillac الذي كان معروفا تماما في المجال الفلسفي في فرنسا باعتقاده أن كل المعارف أساسها الحس (أو الإحساس Sensation)· وقد راقت هذه الفلسفة الحسية (التي مؤداها أن الحس هو أساس المعرفة) لكاباني Cabanis ، فاتفقا اتفاقا تاما على ما وجده من علاقة ارتباط بين العمليات الجسدية والنفسية· ولقد صدم حتى المفكرين الذي بلغوا مرتبة كبيرة في عصره بقوله:" لتكون فكرة صحيحة عن العمليات التي ينتج عنها الفكر، من الضروري أن تنظر للمخ brain كعضو خاص مهمته المحددة هي إنتاج الفكر، تماما كما للمعدة والأمعاء وظيفة هي هضم الطعام، وكما أن للكبد وظيفة هي فلترة الصفراء،······الخ"(55)·
ومع هذا فإن كاباني Cabanis عدل من تحليلات كونديلاس Condillac (كما فعل كانت Kant مؤخراً في كتابه نقد العقل الخالص) فقال بأن الحس يدخل التكوين العضوي (الكائن العضوي) الذي يكون قد تكوّن على نحو ما (نصف تكوّن) عند الميلاد، لكنه يعدل بعد ذلك من خلال كل تجربة يخوضها، ويحمل معه ماضيه في خلاياه وذاكرته ليشكل جزءا من الشخصية المتغيرة بما في ذلك الأحاسيس الداخلية والأفعال الانعكاسية والغرائز والمشاعر والرغبات· فالكلية السيكولوجية تنتج كذلك نماذج لكل بنية (تكوين) وتجعل لكل حس (محسوس) تستقبله غرضا· وبهذا المعنى يكون كاباني Cabanis قد اتفق مع كانت Kant على أن العقل (أو النفس) ليست غفلاً قبل التعليم (أو ليست كصفحة بيضاء خالية) بحيث يطبع عليها الحس ما يشاء· إنها "منظمة" لتحويل الأحاسيس إلى أفكار وأعمال· وعلى كل حال فقد أصر كاباني على أن "العقل" الذي يرجع إليه كانت Kant ليس منفصلاً انفصالا تاما عن الأنسجة والأعصاب·
هذا النظام (أو النسق) المادي ظهر للمرة الأولى (6971) في المذكرات الاثنتي عشرة التي نشرها كاباني معا في سنة 2081 بعنوان "حصاد دراسة فيزيقية الإنسان وأخلاقه
Rappots du Physique et du moral de L`homme "
وهذه المذكرات تجعل العقل (أو المخ) القوي فعالا وبشكل نشيط على منطقة واسعة من حب الاستطلاع والتأمل· والمقالة الأولى تكاد تكون مسحا للسيكولوجيا الفيسيولوجية وتدرس الأعصاب ذات الصلة بالحالة النفسية· والمقالة الثالثة تحلل "اللاشعور": فذكرياتنا المتجمعة (أو العلامات التي تحدثها الأعصاب) قد تتداخل مع المثيرات الحسية الداخلية والخارجية لتنتج أحلاما، وربما على نحو لا شعوري تؤثر في أفكارنا حتى ونحن في حالة يقظة وانتباه· والمقال الرابع بارتباط العقل بالعمر فأفكار الشخص نفسه وشخصيته قد تختلف تماما في سن السبعين عنها في سن العشرين· أما المقال الرابع فيتناول كيف أن إفرازات الغدد خاصة الجنسية قد تؤثر في مشاعرنا وأفكارنا· والمقال العاشر يؤكد أن الإنسان عرضة لتغير يتم مصادفة أو تبدل، ثم إن هذه الصفات المتغيرة تورث·
وفي كتاب نسب إلى كاباني بعنوان "خطابات في العلل الأولى Letters sur les causes premiéres (4281) نشــر بعد موته بستة عشــر عاما يظهــر أنــه تراجــع عن مذهبه المادي وأرجع العلة الأولى للذكاء والإرادة(65)· والمادي قد يذكرنا بأن الجراح الكبير قد حذرنا من تأثير الجسم الهرم (الذي اعترته الشيخوخة) على عقله المرتبط به (أي المرتبط بهذا الجسم)· وربما افترض الشكوكي (النزاع إلى الشك خاصة في مبادىء الدين) أن غموض الوعي(الشعور) هو الذي دفع كابانيCabanis إلى الشك في قدرة المذهب المادي على تبسيط الحقيقة المعقدة جدا والمباشرة· وعلى أية حال فإنه لأمر طيب أن يذكر فيلسوف نفسه بين الحين والحين أنه مجرد ذرة يتحدث إلينا عن اللامتناهي·
وثمة رجلان عاصرا عهد الفلاسفة (المفكر ون Philosohpes ) عاشا حتى يلتقيا بالثورة التي كانت حلما مرغوباً فيه· فعندما رأى الأب الراهب رينال Abbé Raynal الذي أصبح اسمه لامعا في سنة 0771 بإصداره كتابا عن التاريخ الفلسفي Histoire philsophique ...des deux Indes - نور الحركة التنويرية يخبو بسبب إسفاف الجماهير (العوام)، أرسل إلى الجمعية التأسيسية خطابا في 13 مايو سنة 1971، يعترض فيه ويتنبأ: "لقد كانت لدي الجسارة مدة طويلة لأذكر الملوك بواجباتهم، فدعوني اليوم أن أقول للشعب أخطاءه"· لقد حذر هذا الأب الراهب من أن طغيان العامة يمكن أن يكون ظالما و طاغيا كالحكم المطلق للملوك· لقد دافع عن حق الإكليروس في الدعوة للدين، ما دام المناوئون للدين أو رجاله يتمتعون بحرية الكلام· وأدان كذلك التمويل المالي الحكومي لأي دين (كانت الدولة في ذلك الوقت تدفع رواتب القسس) كما أدان هجوم الغوغاء المعادين للدين على رجال الدين· وحث روبيسبير أعضاء الجمعية الغاضبين على التسامح مع هذا الفيلسوف (المثقف) الهرم البالغ من العمر ثماني وسبعين سنة، وبذا نجا من القبض عليه، ومع هذا فقد صودرت ممتلكاته ومات فقيرا محبطا في سنة 6971·
وعاش كونستانتيل شاسبيف دي فولني Constantin Chassebeuf de Volney في معمعة أحداث الثورة وعرف الشخصيات البارزة كلها في باريس من دولباش d`Holbach إلى نابليون· وبعد أعوام من الترحال في مصر والشام تم انتخابه لمجلس طبقات الأمة كما كان عضوا في الجمعية التأسيسية (الوطنية قبل ذلك) حتى حلها سنة 1971· وفي هذا العام نشر الأصداء الفلسفية لرحلاته وجولاته في كتابه:
Les Ruines, Ou Méditations sur les révolutions des empires ·
ما سبب انهيار هذه الحضارات القديمة الكثيرة؟ وقد أجاب فولني على هذا السؤال بقوله إنها انهارت بسبب الجهل المبثوث في شعوب هذه الحضارات بفعل الأديان الغيبية التي تدعمها حكومات استبدادية، وبسبب صعوبة نقل المعرفة من جيل إلى جيل· والآن وقد فقدت هذه العقائد الخرافية أساسها، ويسرت الطباعة حفظ المعرفة وانتقال العناصر الحضارية، فإن على البشر أن يأملوا في بناء ثقافات (حضارات) دائمة قائمة على نظم أخلاقية تفضى إلى امتداد سيطرة الإنسان على نزعاته غير الاجتماعية وتساعده على التعاون والوحدة خاصة وأن المعرفة قادرة الآن على التطور والانتشار وقد قبض عليه في سنة 3971 باعتباره جيرونديا وقضى في السجن تسعة أشهر، فلما أطلق سراحه أبحر إلى أمريكا ورحب به جورج واشنطن، لكن الرئيس آ د مز Adams (8971) اتهمه بأنه جاسوس فرنسي فكرّ عائداً إلى فرنسا· وعمل كسيناتور Senator في ظل حكم نابليون وعارض الانتقال من "القنصلية" إلى الإمبراطورية وعكف على الدراسة منعزلا حتى عهد لويس الثامن عشر الذي جعله شريفا (نبيلا) في سنة 4181 ومات في سنة 0281، وقد شارك في تنحية البوربون عن العرش كما شارك في إعادتهم للعرش·



صفحة رقم : 14572