قصة الحضارة -> عصر نابليون -> الثورة الفرنسية -> الحياة في ظل الثورة -> الفنانون

5- الفنانون


تأثر الفن في فرنسا الثورة بثلاثة أحداث خارجية: خلع الأرستقراطية وهجرتها (عقب أحداث الثورة) والحفائر الأثرية التي كشف عن آثار قديمة في هيركيو لانيوم وبمبيHerculaneum and Pompeii (8371 وما بعدها)، واستيلاء نابليون على ذخائر الفن الإيطالي، وقد أدت هجرة الأرستقراطية بعد الثورة إلى أن نزح عن فرنسا أكثر الطبقات امتلاكا للثروة وتمتعاً بالذوق مما يمكنهم من شر اء الأعمال الفنية، وفي بعض الأحيان هاجر الفنانون مع هؤلاء المهاجرين، ومن أمثلة هؤلاء الفنانين المهاجرين مدام فيجي ليبرون Lebrun Vigee ، أما الفنان فراجونار Fragonard فرغم أنه كان قبل الثورة يعتمد في حياته كلية على أموال الطبقات الموسرة (التي لا عمل لها ) إلا أنه أيد الثورة وعاش حياة بائسة على حافة المجاعة· وهناك فنانون آخرون أيدوا الثورة لأنهم تذكروا أن النبلاء كانوا يعاملونهم كعبيد ومأجورين مرتزقة، وكيف أن أكاديمية الفنون الجميلة لم تسمح إلا لأعضائها لعرض أعمالهم في صالوناتها· وفي سنة 1971 أتاحت الجمعية التشريعية الأكاديمية للفنانين الأكفاء كلهم سواء كانوا فرنسيين أم أجانب لخلق مجال للتنافس· وقد ألغى المؤتمر الوطني الأكاديمية باعتبارها مؤسسة أرستقراطية في الأساس· وفي سنة 5971 أعادتها حكومة الإدارة باسم أكاديمية الفنون الجميلة وجعلت مقرها اللوفر Louvre الذ ي كان منذ سنة 2971 قد أصبح متحفا عاما، وسمح للفنانين الفرنسيين بدراسة ونسخ أعمال رافائيل Raphael وجيورجيون Giorgione وكوريجيو Correggio وليوناردو Leonardo ، وفيرونيس Veronese ··· بل وحتى خيول القديس مرقصSt. Mark ، ولم تحدث سرقات، وتمت الاستفادة من هذه الأعمال بشكل يدعو إلى الثناء· وفي سنة 3971 جدد المؤتمر الوطني دعمه للأكاديمية الفرنسية في روما وكذلك للمؤسسة المعروفة باسم Prix de Rome · وشيئا فشيئا حلت الطبقة الوسطى الصاعدة محل النبلاء كمشترين للأعمال الفنية· وازدحم صالون سنة 5971 بالمشاهدين، وقد عمر هذا الصالون بخمسمائة وخمس وثلاثين لوحة· لقد ارتفعت أسعار الأعمال الفنية·
من المستغرب أن نقول إن الثورة لم تحدث أية حركة راديكالية في مجال الفن· بل العكس، فالإلهام الذي قدمه للكلاسية الجديدة هو النبش والتنقيب عن التماثيل والعمائر القديمة في نابلي، وكتابات ونكلمان Winckelmann (5571 وما بعدها) وليسنج Lessing (6671) قد عملت على إحياء الأسلوب الكلاسي بكل ما فيه من مضامين أرستقراطية· وردة الفعل هذه ثبت أنها من القوة بحيث تتصدى للتأثيرات الرومانسية، والديمقراطية المنبعثة من الثورة· لقد قبل الفنّانون في هذه الفترة المتز نة (باستثناء برودون Prud`hon ) نظريةً وتطبيقا الصيغ الكلاسية والنبيلة كلها التي تشير للنظام والشكل والاتساق والفكر والعقل باعتبارها حارسا يحول بين التعبير الفني، واعتماده على الانفعال والعاطفة والحماسة والفوضى· وقد راعى الفن في ظل لويس الرابع عشر هذه القواعد القديمة التي توخاها كونتيليان Quintilian وفيتروفيوس Vitruvius وتوخاها كورنيل Corneille وبويلو Boileau ، لكن في ظل لويس الخامس عشر ولويس السادس عشر وجد الفنانون راحتهم في الباروك وأنسوا إلى الركوكو rococo ومع مشاعر روسو Rousseau المتحفظة ومشاعر ديدرو Diderot المؤيدة بدا أن عصر الرومانسية أصبح قريب التناول· لقد كان هذا في المجالين السياسي والأدبي، لكنه لم يكن في مجال الفن·
وفي سنة 4771 اتجه جوزيف مارى فين Joseph Marie Vien إلى إيطاليا بعد أن زاد شوقه للاطلاع على حفائر هيركولانيوم وبمبي Herculaneum and Pompeii بعد أن وصلته تقارير عنها، وقد اصطحب جوزيف معه تلميذه جاك لويس ديفيد Jacques Louis David لكن الشاب (ديفيد) وقد وقف نفسه لفكر الثورة عزم على ألا يجعل الفن المحافظ والأرستقراطي الذي يتجلى في الآثار الكلاسية، يضله أو يبعده عن هدفه(05)· لكن شيئا ما في داخله كان يتحكم فيه جعله يستجيب لعظمة التكوين ومنطق البناء وقوة الخط ووضوحه، كما تتجلى في الفن الإغريقي والروماني· لقد قاوم لفترة رسالتها الموحية بالرجولة والقوة، لكنه استسلم لها بالتدريج، وحمل هذا التأثير معه عند عودته إلى باريس، وجعله يتناسق مع مناهضة الثو ر ة للمسيحية وتمثلها بالجمهورية الرومانية ولكاتوس Catos وسكيبوس Scipios بل إن هذا الاتجاه كان متفقاً مع عباءة مدام تاييه Tallien الإغريقية· والآن لقد حان الوقت المناسب لطرح استلهام الفن القوطي ذي النزعات العلوية (السماوية) وما يوحيه الباروك من يفاعة مدهشة، وما يتجلى في الروكوكو rococo من زخارف بهيجة، والصور الزيتية العارية والمتفائلة التي انتجها بوشيه Boucher ولوحة الفتيات وهن يقفزن، التي انتجها فراجونار Fragonard · الآن يجب أن يكون الخط الكلاسي والمنطق الكلاسي، والمنطق المجرد Cold reason والقيد الأرستقراطي والشكل الرواقي هو هدف الفن وعليه تقوم دعائمه في فرنسا الثورة الرومانسية، الديمقراطية، العاطفية، الزاخرة بالمشاعر·
وقد ولد ديفيد الذي كان عليه أن يتبوأ الصدارة في الفن في فرنسا الثورة وإمبراطوريتها، في باريس في سنة 8471 من أسرة بورجوازية ثرية كانت تقيه العوز دوما· وقد التحق وهو في سن السادسة عشرة بأكاديمية الفنون الجميلة Academie des Beaux Arts ودرس على يد فين Vien وحاول مرتين من أجل الحصول على الجائزة المعروفة بجائزة روما Prix de Rome وفشل في المرتين، فحبس نفسه وحاول أن يموت جوعا لكن جاره الشاعرافتقده فبحث عنه فوجده وراح يتوسل إليه حتى تناول طعامه، ودخل ديفيد المسابقة مرة أخــرى فــي سنة 4771 وفاز برسم من نوع الروكوكو rococo جعل له عنوانا هو (Antiochus Dying for the love of Stratonic أنتيوشس تموت حبا في ستراتيونيس)
وفي روما أصبح مفتونا برافائيل ثم تخلى عن افتتانه به لرقة خطوطه رقة شديدة ووجد في أعمال ليوناردو ما هو أقوى، ووجد في بوسين Possin انضباطاً أشد في الفكرة والتكوين، وانتقل من صور العذراء في عصر النهضة إلى الأعلام القدامى في عالم الفلسفة والأساطير والحرب، وفي عاصمة المسيحية تخلى عن عقيدته المسيحية·
وعاد إلى باريس في سنة 0871 وتزوج من ثرية وعرض في صالونات الأكاديمية سلسلة متتابعة من أعماله الكلاسية (بليزا ريوس Belisarius وأندروماك Andromache ) وبعض البورتريهات (رسوم لأشخاص)· وفي سنة 4871 ذهب إلى روما ليرسم صورة بتكليف من لويس السادس عشر فخرج فيها عما ألفه الرسامون في روما· إنها اللوحة التي جعل لها عنوانا( The Oath of the Horatii )· وعندما عرضت اللوحة في روما، قال له الفنان الإيطالي العجوز بومبيو باتوني Pompeo Batoni : "أنت وأنا وحدنا رسامان، أما الباقون فلا يستطيعون القفز في النهر(15)· Tu ed io soli , siamo pittori ; Pel rimanente Si puo gettarlo nel fume "·
ولما عاد إلى باريس قدم عمله الموسوم باسم (قسم الهوراتيين Serment des Horaces ) في صالون سنة 5871(25)· وهنا في تاريخ ليفي الأسطوري وجد ديفيد في "الوطنية " الدين الحقيقي لروما القديمة: ثلاثة إخوة من أسرة هوراتية Horatii Family يقسمون أن يشعلوا الحرب بين روما وألبالونجا Alba Longa (القرن السابع قبل الميلاد) وأن يقتتلوا حتى الموت مع ثلاثة إخوة من عشيرة كورياتي Curiatii لقد صور ديفيد الهوراتيين Horatii وهم يقسمون ويتسلمون السيوف من أبيهم بينما أخواتهم يندبن، وكان واحدٌ منهم خطيبا لفتاة كورياتية Curiatii · وكان الفرنسيون يعلمون القصة من كتاب كورنيل Corneille`s Horace وفسروا فحوى اللوحة على أن "الوطنية" تجعل الأمة فوق الفرد، بل وحتى فوق الأسرة·
لقد كان الملك (لويس السادس عشر) راغبا وبإخلاص في القيام بإصلاحات، وكانت المدينة(باريس) معبأة بالفعل للثورة، وكان أهلها متفقين على استحسان إنجازات الفنانين، وكان منافسو ديفيد يعلمون مهارته في استيحاء الشجاعة البطولية والتضحية الأبوية وأحزان النساء، لقد كان النجاح الذي حققته لوحته (قسم الهوارتيين) إحدى العلامات البارزة في حوليات الفنون، لأنها كانت تعني نجاح الأسلوب الكلاسي·
ولاقى ديفيد تشجيعا لأسلوبه الفني ولاختياره لموضوعاته فعاد إلى التراث الإغريقي وقدم في سنة 7871 عمله "موت سقراط " ولما رأى السير جوشوا رينولد Joshua Reynold هذه اللوحة في باريس وصفها بأنها "أعظم إنجاز فني منذ ميكل (ميشيل) أنجلو ورافائيل· إنها يمكن أن تكون امتيازا لأثينا في عصر بريكليس Pericles "(35)· وبعد ذلك بعامين عاد ديفيد إلى التراث الروماني بلوحته (الليكتور أي الموكلون بإفساح الطريق للحاكم الروماني يعيدون إلى بروتس في بيته جثث أبنائه" وكانت هذه اللوحة تصور حكاية أوردها ليفي Livy عن القنصل الروماني (905 ق·م) ذلك القنصل الذي حكم على اثنين من أبنائه بالموت من أجل تآمرهما لعودة الملكية· وقد كانت هذه اللوحة قبل سقوط الباستيل ولم يكن لدى الرسام فيما يظهر أية فكرة عن الثورة المرتقبة، وقد منع وزير الفنون عرضها لكن الجلبة التي سببتها الجماهير ضمنت له عرضها في صالون سنة 9871، واعتبرتها الجماهير التي أتت لرؤيتها جزءاً من الثورة، وهكذا وجد ديفيد نفسه الناطق الفني باسم عصره·
وعلى هذا فقد قدم ديفيد نفسه للثورة في زواج نادر بين السياسة والفن· لقد قبل ديفيد مبادئها ووضح أحداثها ونظم مهرجاناتها وزينها وأحيا ذكرى "شهدائها"، وعندما قتل واحد من الملكيين النائب الراديكالي ليبيلتييه دى سان فارجو Lepeletier de Saint Fargeau (في 02 يناير 3971) نذر ديفيد نفسه لإحياء ذكرى هذا المشهد، ففي غضون شهرين قدم صورة المشهد للمؤتمر الوطني الذي علقها على جدران مقره· وعندمـا قتل مارا Marat (31يوليو 3971) دخلت جموع الحزانى إلى ممرات المؤتمر الوطني، وانطلق صوت من بينهم "أين أنت يا ديفيد ؟ لا بد أن تنقل للأجيال القادمة ما حدث كما فعلت بالنسبة لليبلتييه، فهو ومارا قد ماتا من أجل الوطن· إن عليك أن ترسم لوحة أخرى"·
فوقف ديفيد وقال: "سأرسمها" وبالفعل قدم لوحة مكتملة للمؤتمر الوطني في 11 أكتوبر· وقد أظهرت هذه اللوحة مارا وقد غطت مياه حوض الاستحمام الخاص به نصفه وقد تدلى رأسه إلى الخلف فاقداً الحياة وإحدى يديه تقبض على مخطوط وذراعه متدلية إلى الأرض، وقطعة الخشب إلى جانب الحوض موضوع عليها مخطوطة تدعو للفخر "إلى مارا ديفيد"· لقد كانت اللوحة نقلة ترك فيها ديفيد أسلوبه الفني المميز· فقد حلت الحماسة المتوهجة محل الكلاسية الجديدة مع الواقعية· وأكثر من هذا فهذه اللوحة بالإضافة إلى اللوحة التي رسمها لليبيليتييه قد كسرتا المنحى الكلاسي باتخاذهما الأحداث الجارية موضوعا لهما· لقد جعلت هاتان اللوحتان الفن مشاركا في الثورة·
وبحلول عام 4971 كان ديفيد مشهورا سياسيا حتى إنه قد تم انتخابه عضواً في لجنة الأمن العام· وقد كان من أتباع روبيسبير، ونظم ديفيد موكب مهرجان الموجود الأعظم Supreme being وقدم فيه ديكوراته وروحه الفنية· وبعد سقوط روبيسبير قبض عليه باعتباره واحداً من أتباعه وقضى في السجن ثلاثة أشهر قبل أن يفرج عنه بسبب ضجيج تلاميذه· وفي 5971 عكف في مرسمه لكنه عاد إلى الظهور في سنة 9971 فقدم "البانوراما الكبيرة The Rape of the Sabine"· وفي العاشر من نوفمبر استولى نابليون على السلطة، فبدأ ديفيد الذي بلغ الواحدة والخمسين من عمره مرحلة فنية جديدة منتصرة·



صفحة رقم : 14571