قصة الحضارة -> عصر نابليون -> الثورة الفرنسية -> الحياة في ظل الثورة -> الموسيقا والدراما

4- الموسيقا والدراما


انتعشت أنواع الموســـيقا كلها، وكان يمكنك أن تجعــل أحـــد المغنين فــي الشوارع يعيد لك أغنية مقابل قطعة عملة أو يمكنك أن تنظم لمجموعة مغنين لتخيف البورجوازين بأغنية الكارمانول Carmagnol (or Ca Ira) أو أن تهز الحدود بنشيد المارسيليز الذي كان روج دى ليزل Rouget de Lisle قد ألف معظمه· وفي كونشرتو فيدو Concert Feydeau يمكنك أن تعجب مع دومينيك جارا Dominique Garat الذي يعتبر كاروز عصره Caruso of his time الذي يحرك صوته مشاعر القلوب، بل ويحرك حتى الألواح وكان مشهورا في أنحاء أوربا كلها لطبقة صوته· ووسط الرعب الذي ساد في سنة 3971 افتتح المؤتمر الوطني المعهد الوطني للموسيقا وبعد ذلك بعامين أصبح اسمه الكونسرفتوار، ومنح المؤتمر الوطني المعهد مبلغ 000·042 جنية كل عام للتدريس لستمائة طالب بدون أن يدفعوا رسوما در ا سية· وفي الليلة التي أطلق فيها الرصاص على روبيسبير، كان الباريسيون يستطيعون سماع "أرميد Armide " في الأوبرا أو بول وفرجيني Poul et Virginie في الأوبرا كوميك (64) (الأوبــرا التي يتـم فيهـا الغنـاء والحـوار غيـر الملحـن وليـس مـن الضـروري أن تكون هزلية)·
وانتعشت الأوبرا في عهد الثورة· ففيما عدا وضع بيرناردين دى سان بيير Bernardin de Saint Pierre للألحان الرعوية (مقطوعات موسيقية ذات طابع رعوي أو رومانسي) في سنة 4971، فإن جان فرانسوا لوزير Jean Francois Leuseur (0671 - 7381) قد حقق نجاحا آخر في هذا المجال في العام نفسه فمقطوعاته الموسيقية بالإضافة إلى مقطوعة تيليماك Télémaque التي وضعها فينيلون Fénelon كانت تنهج النهج الموسيقي نفسه· لقد أثار فرنسا كلها وحرك مشاعر الإرهاب فيها بمقطوعته لا كافيرن (الكهف La Caverne) التي عرضت سبعمائة مرة، وقد استمر في الإنتاج خلال فترة صعود نابليون، وعاش عمراً مديدا فدرس على يديه بيرليو Berlioz وجونو Gounod · وقد كتب إيتين ميهول Etienne Méhul (3671 - 7181) في عمره القصير جدا مقارنة بعمر لوزير أكثر من أربعين أوبرا من نوع الأوبرا كوميك Opéra Comique (المصطلح لا يعني بالضرورة الأوبرا الهزلية كما ذكرنا في تعليق سابق) بينما كانت كورالاته الغزيرة: أنشودة إلى العقل Hymne a` La raison (3971)، ونشيد الرحيل Chant du départ (4971) هي السبب في جعله رب الموسيقا في عهد الثورة ·
وكان ماريا لويجي كارلو سالفاتور شيروبيني Maria Luigi Carlo Salvatore Cherubini هو أعظم مؤلف موسيقى في فرنسا الثورة· ولد في فلورنسا في سنة 0671 يقول: "لقد بدأت في تعلم الموسيقا وأنا في السادسة من عمري، وألفت مقطوعات موسيقية وأنا في التاسعة"(84)· وعندما بلغ السادسة عشرة من عمره كان قد ألف ثلاثة أعمال كبيرة؛ رائعته a Te Deum وهي موشحة دينية وثلاث كنتاتات Cantatas (الكنتاتة قصة تنشدها المجموعة على أنغام الموسيقا بلا تمثيل)· وفي سنة 7771 وجدنا ليوبولد Leopold دوق تسكاني Tuscany الكبير الخير يمنحه منحةً للدراسة مع جيوسيب سارتي Giuseppe Sarti في بولوجنا Bologna فأصبح شيرو بيني في غضون أربعة أعوام سيدا يشار إليه بالبنان في مجال التأليف الطباقي الموسيقى Contrapuntal Composituion وفي سنة 4871 دعى إلى لندن لكن سوقه لم يرج فيها، وفي سنة 6871 انتقل إلى باريس التي ظلت موطنه الدائم لم يغادرها إلا لفترات قصيرة حتى مات في سنة 2481، وفي أولى أعماله الأوبرالية في باريس (ديموفون Démophon ) التي وضعها في سنة 8871 تحاشى روح الجزالة والخلو من اجترار الهموم تلك الروح السائدة في الإنتاج النابولي Neapolitan بإخضاع القصة والأوركسترا للألحان، وإنما حذا حذو جلوك Gluck في الأوبرا العظيمة grand opera " والتي كانت الأنغام (الألحان) تحتل فيها المرتبة الثانية من حيث الأهمية· وكانت أهم الأعمال التي حققت له نجاحا في باريس في عهد الثورة هي: لودويسكا Lodoiska (1971) وميدي· Médee (7971)· ومع العمل الذي لا زال مشهورا (يومان Les deux Journées ) (0081) بدأ مرحلة مضطربة في حياته في ظل حكومة نابليون ويمكننا تشبيهه بشهاب·
لقد كان في باريس في أثناء الثورة أكثر من ثلاثين مسرحا، وكانت جميعها مزدحمة ليلة بعد ليلة حتى أيام حكم الإرهاب، وتحرر الممثلون في ظل الثورة من العراقيل التي كانت تضعها الكنسية أمامهم، وكان يمكنهم الابتسام عند صدور قرار الحرمان الكنسي (ضدهم) أو قرار بعدم دفن جثثهم (بعد الوفاة) في مقابر المسيحيين، لكن الحكومة أخضعتهم (0971 - 5971) لرقابة أشد صرامة، وكان عليهم على وفق توجيهات المؤتمر الوطني ألا يجعلوا في كوميدياتهم أي "بطل" أرستقراطي، أو أية مشاعر أرستقراطية وأصبحت المسارح أداة للدعاية الحكومية، وأسفت الكوميديا وهبطت إلى مستوى منحط، واتبعت التراجيديات الخط الثوري (من حيث المضمون) والوحدات الكلاسية (من حيث الشكل)·
وجرت العادة أن يكون الممثلون الكبار أكثر شهرة من رجال الدولة، بل إن بعضهم مثل فرانسوا جوزيف Francois Joseph Talma كان محبوبا من الناس أكثر من رجال الدولة بكثير· وكان أبوه مستخدما في فندق ثم أصبح طبيب أسنان، وذهب إلى لندن وانتعشت حالته فيها فأرسل ابنه إلى فرنسا ليتلقى تعليمه فيها، وبعد التخرج عاد فرانسوا ليعمل مساعداً لأبيه، فتعلم الإنجليزية، وقرأ شكسبير ورأى أن تمثيل مسرحياته أمر شائق، وانضم إلى فرقة من الممثلين الفرنسيين كانت تقدم عروضها في إنجلترا، ولما عاد إلى فرنسا قُدم للكوميدي فرانسيز Comédie Francaise وظهر على المسرح لأول مرة سنة 7871 في شخصية سعيد Seide في مسرحية فولتير (محمد) وساعده على التقدم في مجال التمثيل المسرحي شكله المتناسق وملامحه الكلاسية الواضحة وكأنما نحتت بإزميل، وشعره الكثيف وعيناه المتألقتان لكن تأييده للثورة ودعمه لها صرف عنه معظم أفراد الفرقة الذين كانوا يدينون بوجودهم لعطف الملك·
وفي سنة 5871 شاهد تالما Talma الصورة التي رسمها ديفيد David والتي جعل لها عنوانا هو "قسم الهوراتي the Oath of Horatii " وتأثر كثيرا لا بما في الصورة من قوة دراماتية وإنما أيضا بالتزامها الشديد المتقن بالزى القديم· فقرر أن يظهر على المسرح بهذا الزي نفسه، وأدهش زملاءه عندما ظهر بهذا التنك (الرداء الروماني ذو الحزام المشدود حول الخصر) والصندل بذراعين وساقين مكشوفين، ليلعب دور بروكولوس proculus في مسرحية فولتير التي تحمل عنوان بروتس Brutus·
وأصبح صديقا لديفيد David الذي نضح عليه من ثوريته· وعندما قام بدور ماري جوزيف دي شينيير في مسرحية شارل التاسع (4نوفمبر 9871) أدى د وره بشحنة عاطفية بثها في مشاهديه في الفقرات المعارضة للملكية تلك الفقرات التي تصور الملك الشاب كآمر بمذابح ليلة القديس بارثولومو St. Bartholomew`s eve ، وقد صدم هذا مشاعر معظم مشاهديه وكثيرين من زملائه الذين كانوا لا يزالون يشعرون بالولاء للملك لويس السادس عشر·
وكلما تطورت أحداث الثورة زاد الصراع حدة بين "الحمر Reds " و "السود Blacks " في الفرقة وبين المشاهدين حتى إن تالما Talma ومدام فيسترى Vestris (التراجيديانه الرئيسية) وغيرهما من الممثلين انشقوا عن فرقة الكوميدي فرانسيز ذات الامتيازات الملكية وأقاموا فرقة أخرى خاصة بهم في مسرح الجمهورية الفرنسية بالقرب من القصر الملكي· وهناك طور تالما فنه بدراسته للتاريخ والشخصية ولباس كل شخصية على وفق الفترة الزمنية التي كانت فيها، وذلك في المسرحيات والأدوار كلها التي أدتها الفرقة ومارس تحكما في ملامحه لتتمشى مع كل تغيير في المشاعر أو الأفكار (في أثناء التمثيل)، وقلل من نبرته الخطابية، والمبالغة الانفعالية فوق المسرح، حتى أصبح متمكنا تماما من فنه·
وفي سنة 3971 غيرت الفرقة القديمة اسمها ليصبح مسرح الأمة Théatre de la Nation الذي أنتج مسرحية "أحباء القانون L` Ami des Lois " وهي المسرحية التي تضمنت هجاء وسخرية من زعماء الثورة· وفي ليلة 3 و4 سبتمبر تم القبض على أعضاء الفرقة كلهم· وقبلت فرقة تالما فرض الرقابة الصارمة عليها، فأصبحت مسرحيات راسين Racine محرمة وتعرضت مسرحيات موليير Moliére للتغيير وحذف أجزاء منها، وحذفت الألقاب الأرستقراطية من المسرحيات المسموح بها (مثل سيد "مسيو" وسيدة "مدام")، وفرض هذا في مسارح فرنسا كلها(59)· وبعد سقوط روبيسبير تم الافراج عن الممثلين الذين كان قد قبض عليهم، وفي 13 مايو 9971 وكلما اقتربت الثورة من نهايتها وجدنا الفرقة القديمة والأخرى الجديدة تتحدان معا لتصبحا فرقة واحدة هي "الكوميدى فرانسيز Comédie Francaise " وجعلت مقرها في المسرح الفرنسي في القصر الملكي حيث هي موجودة ومزدهرة اليوم·



صفحة رقم : 14570