قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> القنصلية -> فرنسا المرموقة
3- فرنسا المرموقة
2081 - 3081
قال نابليون في جزيرة سانت هيلانه: لقد اعتقدتُ بكل الاخلاص أن قدري وقدر فرنسا قد استقرا في إميان· لقد كنت بصدد تكريس نفسي تماماً لإدارة فرنسا، واعتقدتُ أنني سآتي بالأعاجيب(45)· لقد كان هذا القول بمثابة محاولة لإزالة آثام اثنتي عشرة معركة، لكن في اليوم التالي لتوقيع سلام إميان كتب جيرولامو لوشيسيني Girolamo Lucchesini السفير البروسي في باريس لمليكه تقريراً مفاده أن نابليون قرر الالتفات للزراعة والصناعة والتجارة والفنون وكل ما يُدِرُّ عائداً مالياً والتي كانت الحرب قد استنزفتها واستمر جيرولامو قائلا إن نابليون سيتحدث بحرارة عن افتتاح الترع والقنوات وإكمالها وإصلاح الطرق وتطهير الموانئ والمرافئ وإنشاء المدن، وإقامة المؤسسات الدينية وأماكن العبادة،··· كما يتحدث عن مقررات دراسية(55) والحقيقة إن قدراً كبيرا من التقدم في هذا المجال كان قد تحقق قبل أن تحتل الحرب - مرة أخرى - مكانة الاهتمام الأولى (61 مايو سنة 3081)· وكانت الضرائب معقولة وكان يتم جمعها بأقل قدر من الخداع والقوة، وقد غمرت عوائدها الحكومة فساعدت على بقاء الصناعة منتعشة وعلى تشغيل العمالة· وتوسعت التجارة بسرعة عقب رفع إنجلترا للحصار البحري، وانتعش الدين من جديد في ظل الكونكوردات Concordat (المعاهدة الباباوية) الذي عقده نابليون مع البابا· وبدأ المعهد العلمي في وضع نظام للتعلم على مستوى الأمة الفرنسية· وجرى تقنين القوانين، وأصبح للقانون مكانته، وبلغت الإدارة درجة الامتياز وجنحت للأمانة·
وأصبحت باريس مرة أخرى - كما كانت في عهد لويس الرابع عشر - عاصمة السياحة في أوروبا· ونسي مئات من الإنجليز الرسوم الكاريكاتيرية الكثيرة التي كانت تهزأ بنابليون وتسخر منه في الصحف البريطانية فقطعوا الطرق الوعرة وعبروا القنال لإلقاء نظرة على التمثال ضئيل الحجم (المقصود نابليون) الذي تحدى القوى العظمى وفرض عليها السلام· وأتى إليه عدد من أعضاء البرلمان الإنجليزي من مختلف الاتجاهات، ليس أقلهم رئيس الوزراء السابق والذي شغل المنصب بعد ذلك مرة أخرى: شارلز جيمس فوكس Charles James Fox الذي زاره في أغسطس سنة 2081، والذي سبق له أن بذل جهوداً مضنية لفترة طويلة لتحقيق السلام بين الإنجليز والفرنسيين· واعترت الدهشة الأجانب للرخاء الذي حطَّ على فرنسا بهذه السرعة بعد وصول نابليون للحكم· وقد وصف دوق بروجلي Broglie الأعوام من 0081 إلى 3081 بأنها أفضل صفحات الحوليات الفرنسية وأكثرها نبلاً(65)·
3slash1 المدوَّنة القانونية النابليونية
1081 - 4081
استغرق نابليون في ذكرياته فقال إن عظمتي الحقيقية ليست في المعارك الأربعين التي خضتها وأحرزتُ فيها النصر، ذلك لأن هزيمتي في واترلو Waterloo ستمحق ذكرى هذه الانتصارات·· أما ما لا يمكن محقه، وما سيبقى أبد الدهر فهو مدوَّنتي القانونية(75)· إن كلمة أبد الدهر ليست ذات طابع فلسفي، فهذه المدونة هي بالفعل أعظم إنجازاته· لقد أجبر الطيشُ والفسادُ اللذان لا ينضب معينهما المجتمعَ - بشكل دوري - على تحسين طرائقه لحماية نفسه من العنف والسرقة والغش والخداع، واقتضى هذا إعادة صياغة هذه الطرائق· وكان جستنيان قد حاول ذلك في سنة 825 للميلاد، لكن مجموعة قوانينه المدنية التي سجلها رجال القانون في عهده كانت موجودة بالفعل ولم يتعد عملهم تنسيقها ولم تكن في غالبها بناءً قانونياً جديداً يهدف إلى تغيير المجتمع واجتثاث سلبيات كانت فيه· أما المشكلة بالنسبة لفرنسا فكانت مضاعفة لأن كل محافظة (دائرة) كان لها قوانينها الخاصة حتى أن القانون في منطقة (أو محافظة أو ولاية) لم يكن ليسود في المنطقة التي تليها· وكان مرلين الدُّوي Merlin of Douai وكامباسير Cambaceres قد قدَّما الخطوط العريضة لمدوّنة قانونية جديدة موَّحدة لحكومة المؤتمر الوطني في سنة 5971 لكن الثورة لم يكن لديها الوقت الكافي لإنجاز هذا العمل، ولأن الحكومة في ذلك الوقت كانت تواجه فوضى مربكة فقد أضافت آلافاً من القرارات والمراسيم المتسرّعة اقتضى الأمر فترةً من الوقت لتُصاغ بشكل متَّسق·
وأدى اقرار نابليون للسلام مع النمسا وبريطانيا إلى إتاحة الفرصة له لإنجاز مدوَّنته· ففي 21 أغسطس سنة 0081 فوَّض القناصل الثلاثة كلاً من فرانسوا ترونش Francois Tronchet وجان بورتالي Jean Portalis وفيلي بيجو دي بريمينو Felix Bigot de Preameneu وجاك دي مالفيل Jacques de Maleville لوضع مخطط جديد لمدوّنة وطنية متسقة تضم القوانين المدنية وأرسل نابليون مشروع المدونة كما أعدوه وقدموه في أول يناير سنة 1081 إلى رؤساء المحاكم القانونية لإبداء تعليقاتهم وملاحظاتهم، فقدَّموه بدورهم بعد ابداء الملاحظات إلى نابليون بعد ثلاثة أشهر من إحالته لهم، فأحاله إلى اللجنة التشريعية في مجلس الدول لإعادة النظر فيه، وكان على رأس هذه اللجنة التشريعية كل من بورتالي Portalis وانطوان ثيبودو Antoine Thibaudeau وبعد أن مرَّت المدوّنة القانونية بكل هذه الفحوص تدارسها المجلس كله بنداً بنداً خلال سبعة وثمانين دورة قضائية·
وكان نابليون هو رئيس المجلس في خمس وثلاثين دورة منها· ولم يكن نابليون خبيراً بالقانون لكنه استفاد من فطنة زميله في القنصلية كامباسير Cambaceres وتعليمه القانوني· لقد اشترك نابليون في المناقشات بتواضع لدرجة حبَّبته إلى أعضاء المجلس وجعلته موضع إعجابهم· ولقد تأثر أعضاء المجلس بحرارته وحماسه وتصميمه فوافقوا برضا على مد فترة كل جلسة من الجلسات لتمتد من الساعة التاسعة صباحاً إلى الساعة الخامسة بعد الظهر، لكنهم لم يتحمسوا عندما دعاهم للاجتماع مرة أخرى مساء، فقد حدث أن اعترى النعاسُ بعض الأعضاء من جراء التعب في هذه الاجتماعات المسائية فنبههم نابليون - بكياسة ولطف - إلى ضرورة الانتباه· هيا أيها السادة فنحن لم نتقاض رواتبنا بعد(85) وفي رأى فاندال Vandal أن هذه المدوّنة ما كانت لتتم أبداً لولا حثّ نابليون الدَّءوب وتشجيعه الوِدِّي(95)·
وغالبا ما كان القضاة وأعضاء المجلس يتوقفون عندما تتناول المدونة أمراً مرتبطاً بالتربيونية Tribunate (محامي الشعب)· لقد أدان المجتمعون الذين كانوا لا يزالون متفاعلين مع الثورة المدونة لأن بنودها قمعت الاتجاهات التي تبنتها الثورة - باعتبارها أعادت تسلُّط الزوج على زوجته وتسلُّط الأب على أبنائه، وتوجت البورجوازية ليكونوا على رأس الاقتصاد الفرنسي· لقد تم إقرار هذه التوجهات إلى حد كبير· وقَبِلت بنود المدونة المبادئ الأساسية للثورة وطبقتها: حرية الحديث والعبادة والعمل التجاري ومساواة الجميع أمام القانون وحق الجميع في محاكمة علنية أمام القاضي، وإبطال الرسوم الاقطاعية وإلغاء العشور الكنسية وأقرت عمليات الشراء التي تمت بالنسبة لمن اشترى جانبا من الممتلكات المصادرة للكنائس أو الاقطاعات أو الدولة، ولكن المدوّنة حذت حذو القانون الروماني فقبلت الأسرة كوحدة أساسية للنظام الاجتماعي وكحصن للنسق الأخلاقي وأعطتها أساساً بإحياء السلطة الأبوية على النحو الذي كان سائداً في الحكم القديم (العهد البائد) فأصبح للأب الحق في التحكم في ممتلكات زوجته وأصبح له السلطة الكاملة على أبنائه حتى يبلغوا سن الرشد ويمكنه أن يطلب سجنهم فيتم ذلك بناء على طلبه هو وحده وأصبح يمكنه منع زواج الابن فيما دون السادسة والعشرين والابنة فيما دون الواحدة والعشرين· وانتهكت المدوَّنة مبدأ المساواة أمام القانون بنصها على أنه في حالة المنازعات حول الأجور فإن القول الفصل لصاحب العمل (وفيما عدا ذلك فالجميع أمام القانون سواء) ومن 21 أبريل سنة 3081 تجدد حظر الروابط العمالية (إلاّ ذات الأغراض الاجتماعية الخالصة) وبعد الأول من ديسمبر من العام نفسه (3081) أصبح على كل عامل أن يحمل معه بطاقة عمل مدوّن بها مهنته، وأعادت المدوَّنة - بموافقة نابليون - نظام الرِّق في المستعمرات الفرنسية(06)·
لقد كانت المدونة تمثل ردة فعل تاريخية فقد كان توجهها العام هو الانتقال من مجتمع يكثر فيه ما هو مباح إلى مجتمع منضبط على مستوى الأسرة والدولة· وكان واضعو التشريع هم رجال هذه الأعوام، إذ نبههم إفراط الثورة وإسفافها، ورفض التراث والتقاليد بطيش وبلا روية، وسهولة الطلاق وتفسخ الروابط الأسرية والسماح بالانحلال الأخلاقي بين النساء، والسماح بممارستهن للشغب السياسي، وتشجيع دكتاتورية البرولتياريا والتستر علي مذابح سبتمبر والارهاب باسم الشعب· لقد قرر هؤلاء الرجال أن يُوقفوا ما بدا لهم مدمراً للمجتمع والحكومة· وقد أيد نابليون تأييداً مطلقاً اتجاه هؤلاء الرجال رغبة منه في استقرار فرنسا في ظل حكمه· لقد اتفق معه مجلس الدولة على ضرورة إغلاق باب المناقشة على المستوى العام في مواد المدوَّنة البالغة 182،2 مادة، وفي 12 مارس أصبحت هذه المدونة - واسمها الرسمي المدونة القانونية المدنية لفرنسا - هي قانون فرنسا·
3slash2 الكونكوردات (الاتفاق مع البابا)
1081
ولم يقنع الشاب نابليون the young Lycurgus بهذا فقد كان يعرف بطبيعته القوية أن روح الإنسان لا تميل للقانون إلا قليلاً· لقد سبق له أن رأى في إيطاليا ومصر كيف أن الإنسان لا يزال في رغباته قريباً من ماضيه الأول قنّاصاً حيواناً متمرداً متحرراً· ومن عجائب التاريخ أن هذه الكائنات الحية المتفجرة (سريعة الانفعال) ظلت بمنأى عن التفسخ الاجتماعي أو بتعبير آخر لم تحطم الهيكل الاجتماعي الذي تعيش خلاله حتى الآن· أكان هذا بفضل رجال الشرطة؟ لا يمكن أن يكون الأمر كذلك لأن عدد رجال الشرطة قليل كما أنهم متباعدون (بمعنى أنهم لا يتجمعون في مكان واحد لضبطه) كما أن الميل للفوضى السياسية كامن في نصف أفراد المجتمع· فما الذي كبح انهيار البناء الاجتماعي؟
لقد انتهى نابليون نفسه - مع أنه من المتشككين في الدين - إلى أن النظام الاجتماعي قد استقر أخيراً على طبيعة هي مزاج من الحيوانية والانسانية غُرس فيها بدقة خوف من القوى غير المنظورة (القوى الغيبة أو الفوقطبيعية) ومن ثم فقد راح نابليون ينظر للكنيسة الكاثوليكية كأداة مفيدة الفائدة كلها لضبط سلوك الرجال والنساء· إنها - أي الكنيسة الكاثوليكية - تعد أداة لضبط السلوك الإنساني في مواجهة تأرجحه ما بين الموافقة والسخط إزاء التفاوت الاقتصادي والاجتماعي والجنسي· وهي - أي الكنيسة الكاثوليكية - أداة لضمان الالتزام بالوصايا الدينية التي تقاوم متطلبات الجسد· فإذا كان يستحيل وضع رجل بوليس في كل مكان، فالآلهة موجودة في كل مكان، وكل ما هو أكثر مدعاة للرعب (من البوليس) موجود، وهو أكثر مدعاة للرعب لأنه غير مرئي ويمكن مضاعفة كم الرعب عند الرغبة أو الحاحة عن طريق الموجودات الغامضة وبالوعظ العنيف والتهديد الشديد بالثبور وعظائم الأمور التي ستصبها الآلهة أو قوى الرهبان القابعين في الصحراء أو الأماكن النائية والقادرين على توجيه طلباتهم الى الآمر الناهي المبقي على النجوم والبشر والقادر على تدميرهم· يا له من تصور سامٍ! يا له من تنظيم لا يُضاهى بمدى انتشاره ومدى مفعوله! يا له من نظام يدعم - بلا مقابل - المعلمين والأزواج والآباء ورجال الدين والملوك!· لقد انتهى نابليون إلى أن الفوضى والعنف اللذين سببتهما الثورة قد آن وضع حد لهما وما عاد هناك مجال للحديث عن رفض الدولة للكنيسة· لقد قرر إعادة الارتباط بين الدولة والكنيسة بقدر ما يستطيع أن ينتزع ذلك من مخالب اليعاقبة المرعبين والفلاسفة المستميتين·
لقد كان الدين في فرنسا في سنة 0081 في حالة تسيب مضطربة ولم يكن هذا بعيداً عن التسيب الأخلاقي الذي خلفته الثورة· لقد أصبح هناك أقلية كبيرة في المحافظات - وربما أغلبية أهل باريس - غير مبالين بمواعظ القسس(16)· وكان هناك آلاف من الفرنسيين - فلاحين ومليونيرات - قد اشتروا من الدولة ممتلكات الكنيسة المصادرة· وكان هؤلاء المشترون قد جرى حرمانهم من رحمة الكنيسة، وكان الناس الذين يرون فيهم مشترين لممتلكات مسروقة ينظرون إليهم بعيون غير راضية· وكان في فرنسا في ذلك الوقت ثمانية آلاف قس نشط، منهم ألفان دستوريون أي من الذين أقسموا بيمين الولاء لدستور سنة 1971 الذي أقر مصادرة ممتلكات الكنيسة، أما الستة آلاف فكانوا قسساً غير معتمدين أو بتعبير آخر غير دستوريين لرفضهم الثورة وعملهم على إبطال إجراءاتها، وكانوا قد احرزوا تقدما في مسارهم هذا· فقد عمل النبلاء الذين لم يغادروا فرنسا إثر أحداث الثورة وكذلك كثيرون من أفراد الطبقة البورجوازية على إعادة المكانة للدين كحصن لضمان الملكية (بكسر الميم) والنظام الاجتماعي· وكثيرون من هؤلاء - رغم أن بعضهم كان سليل الثورة ومنتمياً إليها - أرسلوا أولادهم إلى مدارس يديرها - أو يُدرّس فيها - قسس وراهبات فهم (وفقاً لما يعتقدونه) يعلمون أكثر مما يعلم المدرسون الذين لا يرتدون الطيلسانات (عباءات رجال الدين) وهم الأقدر على تنشئة أبنائهم ليكونوا محترمين وبناتهم ليتصفن بالحياء(26)· لقد أصبح الدين سائدا في المجتمع وفي الآداب، وسرعان ما أصبح كتاب شاتوبريان Chaleaubriand (2081) المرسوم باسم عبقرية المسيحية والذي يكيل فيه المديح للمسيحية - حديث الناس في هذا الوقت·
وقرر نابليون - في مسعاه لتدعيم حكمه الذي لا جذور له - الاستعانة بدعم الكنيسة الكاثوليكية الروحي والتنظيمي، وقد أدى هذا الاتجاه إلى تهدئة منطقة الفندي Vendee الثائرة وأسعد القاطنين في الدوائر (المحافظات) والستة آلاف قس آلآنف ذكرهم· إن نابليون بهذا يمكنه أن يضيف لرصيده تأييد البابا الأخلاقي (المعنوي) والروحي، وهو - بهذا - إنما يسحب البساط من تحت أقدام المطالبين بعودة أسرة البوربون، وهو أيضاً - بهذا - يحفظ العداء المستحكم بين فرنسا - وبينه شخصياً - وكل من بلجيكا وبافاريا والنمسا وإيطاليا وأسبانيا وهي كيانات كاثوليكية· لذا فإنني بكل ما لدي من سلطة·· أُعيد ترسيخ الدين· إنني أجعل منه الأرضية والأساس اللذين أبني فوقهما· لقد اعتبرته دعماً للمبادئ الصحيحة والأخلاق الصالحة(36)·
وقد قاوم اللاأدريون في باريس (القائلون بأن أمور الغيب لا سبيل للتيقن منها) وكاردينالات روما خطة نابليون هذه، فكثيرون من رجال الدين قاوموا التصديق على أي اتفاق، يتساهل بشأن الطلاق أو يُبطل دعاوى الكنيسة الفرنسية في أحقيتها في أملاكها المصادرة· واعترض كثيرون من اليعاقبة على جعل الكاثوليكية ديناً رسمياً للأمة تحميه الحكومة وتنفق عليه، وكان من رأيهم أن مثل هذا القرار إنما هو تخلٍ عما اعتبروه أهم إنجاز من إنجازات الثورة الفرنسية، ألا وهو فصل الدولة عن الكنيسة· أما بالنسبة للكاردينالات ورجال الدين الذين عارضوا مشروعه فقد أرهبهم مُهدداً أنهم إذا رفضوا مشروعه فإنه سيحذو حذو هنري الثامن Henry VIII في إنجلترا وسيفصل الكنيسة الفرنسية فصلاً كاملاً عن روما· أما بالنسبة للاأدريين (المتشككين) فحاول نابليون تهدئتهم بأن شرح لهم أنه إنما يريد أن يجعل الكنيسة أداة حكومية لاستمرار السلام الداخلي· لكنهم خشوا أن يكون اقتراحه خطوة أخرى في طريق التراجع من الثورة إلى الملكية (بفتح الميم)· ولم يغفر نابليون أبداً للالاند Lalande (الفلكي) رغبته في إدراج اسم نابليون في قاموس الملحدين في اللحظة ذاتها التي فتح فيها - أي نابليون - باب المفاوضات مع بلاط روما البابوي وذلك على حد ما ذكره بورين Bourrienne سكرتير نابليون(46)·
وقد بدأت هذه المفاوضات في باريس في 6 نوفمبر سنة 0081 واستمرت عامرة بالمناورات طوال ثمانية أشهر، فقد كان الكاردينالات دبلوماسيين متمرسين لكن نابليون كان يعلم رغبة البابا الشديدة في الوصول إلى اتفاق ورغبته في تقديم كل ما هو في صالح سلطته على الكنيسة· لقد قدم البابا بيوس السابع Pius VII تنازلاً إثر تنازل لأن الخطة المقترحة عرضت إنهاء عقد من الكنبات التي ألمت بالكنيسة الفرنسية· ولأن هذه اللحطة تتيح له عزل كثيرين من الأساقفة الذين سبق وهزأوا بالسلطة الباباوية، وستمكنه - بمساعدة التدخل الفرنسي - من التخلص من الجيش النابولي الذي يحتل عاصمته، وستعيد للبابوية المفوَّضيات Legations (فرارا Ferrara وبولونيا Belogna ورافينا Ravenna - التي عادة ما كان يحكمها سفراء باباويون Legates) التي انتقل حكمها إلى فرنسا في سنة 7971· وأخيراً بعد جلسة استمرت حتى الساعة الثانية صباحاً وقع ممثلو كنيسة روما، وممثلو الدولة الفرنسية في 61 يوليو 1081 الاتفاق (الكونكوردات) الذي حكم العلاقات بين فرنسا والباباوية طوال قرن من الزمان· وصدَّق نابليون على الاتفاق في شهر سبتمبر، وصدَّق عليه البابا بيوس السابع في ديسمبر· وعلى أية حال فإن نابليون وقّع مع النص the Proriso ما يفيد أنه قد يُقر فيما بعد بعض الإجراءات لمنع ما قد ينشأ من تفسير حرفي متعنّت لهذا الاتفاق (الكونكوردات)(56)·
وهذه الوثيقة التاريخية ألزمت الحكومة الفرنسية بالاعتراف بالكاثوليكية كدين للقناصل الحاكمين وكدين لأغلبية الشعب الفرنسي (وبالتالي ألزمتها بتمويلها أي الانفاق على مؤسساتها) ولكنها - أي هذه الوثيقة التاريخية - لم تجعل الكاثوليكية دين الدولة وأكدت على حرية العبادة لكل الفرنسيين بمن فيهم البروتستنط واليهود· وسحبت الكنيسة دعاويها بأحقيتها في ممتلكات الكنيسة التي صادرتها الدولة، ووافقت الدولة - على سبيل التعويض - أن تدفع للأساقفة راتباً سنوياً، خمسة عشر ألف فرنك لكل أسقف وأن تدفع رواتب أقل لقسس الأبرشيات· وكان للحكومة - كما كان الحال زمن لويس الرابع عشر - أن تُعيِّن الأساقفة، الذين يقسمون يمين الولاء للدولة على ألا يصبح تعيينهم سارياً إلا بعد موافقة البابا· ويُعد قرار تعيين الأساقفة الدستوريين (أي الذين أقسموا يمين الولاء لدستور الثورة الأول) صحيحاً، ويُعاد كل الأساقفة التقليديون orthodox (ولا علاقة لهذا المصطلح في هذا السياق بالمذهب الأورثوذكسي المعروف)، وتفتح الكنائس رسمياً للعبادة الصحيحة (وكانت قد فتحت عملياً بالفعل)· وبعد مناقشات طويلة سلَّم نابليون للكنيسة في مسألة مهمة وهي حقها في قبول الأوقاف (الأموال التي يوقفها المتبرعون للكنيسة بوصية bequests)·
وليهدِّئ نابليون منتقديه من المتشككين في أمور الدين ممن هم أكثر كياسة من غيرهم من المتشككين الآخرين، فإنه أضاف من جانبه إلى الاتفاق slash 121 مواد أساسية لضمان تفوق وضع الدولة على الكنيسة في فرنسا فمنع دخول أي مرسوم أو وثيقة بابوية أو موفد بابوي أو مرسوم للمجمع العام أو المؤتمر الكنسي إلى البلاد دون موافقة واضحة من الحكومة· وأصبحت الإجراءات المدنية للزواج شرطاً مسبقاً لإتمام الزواج من الناحية الدينية· وأصبح على كل الذين يدرسون ليصبحوا قسساً كاثوليك أن يدرسوا المواد الغاليَّة Gallcan Artietes (نسبة إلى بلاد الغال) الصادرة سنة 2861 التي تؤكد الاستقلال الشرعي للكنيسة الكاثوليكية الفرنسية عن السيادة الباباوية المطلقة·
وفي 8 أبريل سنة 2081 تم تقديم هذا الاتفاق البابوي (الكونكوردات) المعدَّل إلى مجلس الدولة والتربيونيت Tribunate (أو التربيون وهو مجلس الدفاع عن حقوق الشعب) والهيئة التشريعية، فهاجمه أعضاء هذه الموسسات بضراوة باعتباره اتفاقا مناهضاً للتنوير والثورة (فقد كان من الضروري أن يكون متسقاً مع دستور سنة 1971) ولم يكن هذا ليثير الرعب لدى نابليون· وفي التريبيون دخل كونت فولني Volney المثقف في مناقشة جريئة مع القنصل الأول (نابليون) حول هذا الاتفاق البابوي (الكونكوردات) وانتخب الهيئة التشريعية شارل - فرنسوا دوبوي Charles - Francois Dupuis رئيساً لها، وهو مؤلف رسالة قوية مناهضة للإكليروس بعنوان أصول كل العبادات LصOrigine de tous les Cultes (4971)· وسحب نابليون الاتفاق البابوي (الكونكوردات) من المناقشة وراح ينتظر الوقت المناسب·
وعند التسمية الجديدة لأعضاء التريبيون (مجلس الدفاع عن حقوق الشعب Tribunate) والهيئة التشريعية لم يعيّن مجلس الشيوخ كثيرين مم انتقدوا الاتفاق البابوي (الكونكوردات)· وفي هذه الأثناء كان نابليون قد نشر بين العامة قصة الاتفاق البابوي ومحتواه لأنه كان يتوقع أن الناس ستطالب بإقراره· وفي 52 ماسر سنة 2081 حقق نابليون أمل الغالبية العظمى بتوقيعه اتفاق سلام مع إنجلترا، فزاده هذا قوة مما جعله يقدم الاتفاق البابوي (الكونكوردات) مرة ثانية للهيئات الآنف ذكرها، فأقره التربيون ولم يزد عدد المعارضين عن سبعة، وصوتت الهيئة التشريعية لصالحه بواقع 822 ضد 12· وفي 81 أبريل أصبح الاتفاق البابوي قانونا، وفي يوم أحد الفصح Easter Sunday تم إعلان سلام إميان والاتفاق البابوي في حفل وقور في نوتردام Notre - Dame وسط أنين الثوريين، وضحك العسكريين وبهجة الشعب· وانتشر رسم كاريكاتيري يُظهر نابليون وقد غمر نفسه في مياه المعمودية (رمزاً يشير إلى أنه مسيحي كاثوليكي) مع عبارة ساخرة: عندما كان ملكاً لمصر آمن بالقرآن وعندما كان ملكاً لفرنسا آمن بالإنجيل·
وقد عزّى نابليون نفسه بإقناعها أنه إنما كان يعبِّر عنه إرادة الغالبية العظمى من الفرنسيين وأن ما قام به يقوّي سلطانه على مستوى القاعدة رغم أنه أضعفها على مستوى القمة· لقد أعاد الأساقفة لكن منذ أن عيَّن الأساقفة ودفع لهم أجورهم، وأجور حوالي ثلاثة آلاف قس، وضع في اعتباره أنه يمكنه أن يسيطر عليهم بهذا المقود الاقتصادي· لقد ظن أن الكنيسة يمكن أن تكون إحدى أدواته تُغَنِّي لعظمته وتؤيد سياساته· فبعد ذلك بفترة وجيزة نظر إليها (أي إلى الكنيسة) باعتبارها وسيلة لتعليم الأطفال الفرنسيين أن توقير الإمبراطور يعني توقير الرب ذاته و أنهم إن فشلوا في أداء واجبهم نحو الإمبراطور··· إنما هم بذلك يعصون الله، وأن هذا (عصيانهم للإمبراطور) يجعلهم يستحقون اللعنة الأبدية(66) وعبَّر نابليون عن امتنانه لرجال الدين (الإكليروس) بحضور القداس مبدياً الطاعة، لكنه أوصى أن يكون القداس موجزاً بقدر الإمكان·
لقد كان مقتنعاً في هذه اللحظات المفعمة بنشوة الانتصارات أنه قد كسب العالم الكاثوليكي كله إلى جانبه· ومن الناحية الفعلية فإن الإكليروس الفرنسيين لم يكونوا قد نسوا أبداً فقدانهم أراضيهم وكانوا ممتعضين لربطهم بالدولة بقيد الراتب (الأموال التي يتقاضونها من الدولة)، وكانوا ينظرون - أكثر فأكثر - للبابا لتأييدهم ضد حاكم كانوا يعتبرونه كافراً فيما بينهم وبين أنفسهم· إنهم وإن كانوا غاليِّين Gallican (نسبة إلى بلاد الغال) وفقاً للقانون إلا أن مشاعرهم كانت متجهة نحو البابا فعندما نزع الإمبراطور من البابا بيوس السابع الأراضي التي كانت في حوزة الباباوية لآلاف السنين (وأكثر من هذا عندما تم انتزاع البابا من روما وسجنه في سافونا Savona وفونتينبلو Fontainebleau) - هبَّ الإكليروس وجماهير فرنسا للدفاع عن حبرهم (البابا) وعقيدتهم، واكتشف نابليون متأخراً أن قوة الخرافة والكلمة أشد من قوة القانون والسيف·
| صفحة رقم : 14579 |
|