قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> القنصلية -> طريق المجد
4- طريق المجد
وسط مشروعاته وانتصاراته، كان عليه دائما أن يكون حذراً لمواجهة التحديات لسلطانه وللحفاظ على حياته· وكان الملكيون في فرنسا هادئين نسبياً لأنهم كانوا يأملون في إقناعه أن أكثر الطرق التي عليه أن يسلكها أمناً هي إعادة البوربون وأن يقبل منصباً شرفياً مقابل هذا· وشجعوا كتابا مثل مدام دي جينلي de Genlis على الكتابة في هذا الموضوع، وقد صوّرت روايتها مدموازيل دي لا فاليير Modmoiselle de la Valliéve فرنسا في صورة مبهجة في ظل حكم لويس الرابع عشر· ولعبوا على الميول الملكية السرية لبورين، سكرتير بونابرت وعملوا من خلاله على كسب جوزفين إلى صفهم· لقد كان لهذه المعشوقة تطلعات سياسية مفرطة، لقد كانت تخشى إذا أصبح نابليون ملكاً أن يطلقها ليتزوج أخرى تستطيع أن تلد له وريثاً، وحاول نابليون أن يهدئ مخاوفها ببعض لحظات العشق والدلال ولكنه منعها من التدخل في السياسات·
لقد كان نابليون يعتقد أن من يهددون سلطانه ليسوا هم الملكيين أو اليعاقبة وإنما الجنرالات الغيورين الذين يقودون الجيش الذي يعتمد عليه في المقام الأول لدعم سلطانه· لقد عبَّر هؤلاء الجنرالات علناً عن سخطهم: مورو Moreau وبيشجرو Pichegru، وبيرنادوت Bernadotte ومورا Murat وماسينا Masséna، ففي مأدبة غداء دعا إليها مورو أدان بعض الضباط نابليون واصفين إياه بأنه مغتصب ووصفه الجنرال دلما Delmas بأنه غول مجرم وكتب كل من مورو، وماسينا، وبيرنادوت طلبا لرفعه إلى نابليون مفاده أن يكتفي بحكم باريس وضواحيها، وأن يقسِّم بقية فرنسا بينهم مخولاً كل واحد منهم سلطة مطلقة على المنطقة (أو الإقليم) الذي يحكمه (76) وعلى أية حال فإن أياً منهم لم يأخذ على عاتقه تسليم هذا الاقتراح للقنصل الأول· وكان بيرنادوت قائد جيش الغرب في رين Rennes على شفا التمرد أكثر من مرة وفقد أعصابه(86)· وقد قال بونابرت إذا حاقت بي هزيمة فسيكون الجنرالات هم أول من يتخلى عني(96)·
ويجب أن نفسر خطاب نابليون الذي لا يحمل طابعاً حربياً أمام مجلس الدولة في الرابع من مايو سنة 2081 دون أن نضع هذه الخلفية العسكرية التآمرية في اعتبارنا، بمعنى أنه في خطابه هذا لم يكن يشير بشكل أو بآخر إلى تآمر العسكريين عليه:
في كل البلاد تنحني القوة أمام الحضارة: تنحني الحربة أمام القس··· وأمام من هو أكثر علماً··· فما كانت الحكومة العسكرية لتقبض على زمام الأمور في فرنسا لولا أن الأمة قد عانت من الجهل طوال خمسين عاما مما جعلها متوحشة قاسية الفؤاد··· وإذا كان لنا أن نستخلص من علاقات أخرى لأدركنا أن الرجل العسكري لا يعرف قانوناً غير القوة ولا شيء سواها··· أما الرجل المدني (المتمدن) فعلى العكس لا يرى سوى ما هو صالح· أن شخصية الرجل العسكري تجعله يُملي إرادته أو بتعبير آخر إذا أراد إذا أراد طغى بغية تحقيق إرادته، أما الرجل المتمدن فهو يطرح كل الأمور للمناقشة ويعرضها على العقل ويبسطها بين يدي الحقيقة، غالباً ما يغلِّف الخداع ذلك كله، ولكنه يُلقي مع ذلك ضوءاً··· إنني لا أتردد في أن أعزو السمو والفضل للرجل المتمدن بشكل لا يقبل الجدل·· إن الجنود هم أبناء المواطنين، والجيش الحقيقي إنما هو الأمة(07)·
اقترح نابليون على رفاقه الحميمين أن خططه لتأسيس فرنسا وتطويرها ستتطلب فترة حكم أطول من العِقْد الذي حصل عليه بالفعل، فقد كان نابليون مستاء من القلاقل ساعياً دوما لمزيد من السلطة· وفي الرابع من شهر أغسطس سنة 2081 أعلن مجلس الشيوخ دستوراً جديداً للسنة العاشرة من الثورة (1081) وزاد هذا الدستور عدد أعضاء مجلس الشيوخ من أربعين إلى ثمانين - وقد عيّن القنصل الأول كل الأعضاء الجدد، وصوَّت أعضاء المجلس على جعل نابليون قنصلاً أول مدى الحياة· وعندما اقترح المعجبون به تخويله حق تعيين خليفته اعترض مبدياً تواضعا غير معتاد تعيين من يخلفني أمر متناقض مع مبدأ سيادة الشعب وهو أمر غير ممكن في فرنسا(17) لكن عندما وافق مجلس الشيوخ - بعد المناقشة - على الاقتراح بواقع 72 (موافقون) و 7 (معارضون)، وجد هؤلاء المعارضون السبعة أن يسحبوا خطأهم فجعلوا القرار بالإجماع، وعندها قبل نابليون متفضلاً باعتبار هذا الأمر (تعيين من يليه في المنصب) قد حظي بموافقة عامة· وفي 71 أغسطس كان على كل الذكور البالغين المسجلين كمواطنين فرنسيين أن يُدلوا بأصواتهم للإجابة عن سؤالين: أيجب أن يكون نابليون قنصلاً (أول) مدى الحياة؟ أيجب أن يُسمح له باختيار من يخلفه؟ وكانت نتيجة الاستفتاء 588،805،3 موافقون و 473،8 معارضون(27)· ومن المفترض - كما في استفتاءات أخرى - أنه كان للحكومة أساليبها للتشجيع على الموافقة· وتفاعلت البورصة مع نتيجة الاستفتاء مما أنعش الطبقات المالكة: لقد كان الرقم القياسي للأسهم لا يتعدى النقاط السبع قبل تولي نابليون للسلطة وقد ارتفع الآن بسرعة ليصل إلى اثنين وخمسين(37)·
أما وقد آوى نابليون إلى ركن متين فقد أحدث بعض التغييرات في حاشيته· لقد تخيّر مجموعة قليلة العدد من الرجال ليكوّن منهم مجلسه الخاص Privy Conucil يستطيع من خلالهم - بعد أن أصبحت سلطته لا تحتمل الجدل - إصدار المراسيم بالإضافة إلى مهامهم الاستشارية، واختصر أعضاء التريبيون Tribunate (مجلس الدفاع عن حقوق الشعب) من مائة إلى خمسين وجعل مناقشاته من الآن فصاعدا سرية· وأقصى وزير الشرطة (الداخلية) فوشيه Fouche النشيط إلا أنه متقلب· ودمج وزارة الداخلية مع وزارة العدل وجعل على رأسها كلود رجنييه Cloude Regnier وطرد سكرتيره بورين Bourriene في 02 أكتوبر سنة 2081 بعد أن اكتشف أنّّه يستغل مكانته لتحقيق ثروة، وراح من الآن فصاعداً يعوّل على الخدمات المخلصة التي يقدمها له كلود مينيفال Claude Meneval· بعد ذلك أصبحت مذكرات بورين لا يعوِّل عليها لفرط عدائها لنابليون وأصبحت مذكرات مينيفال لا يعول عليها لفرط محاباتها لنابليون· وعلى أية حال - فبتناولهما بحيطة - لا يزالان يكونان أكثر الروايات تعاطفاً عن نابليون الذي شاء قدره أن يمتطي صهوة أوروبا في العشر سنوات القادمة·
وربما كان هذا الاستفتاء الذي جرى سنة 2081 - بالإضافة إلى ما حققه نابليون من انتصار في مارينجو Marengo وإميان - هو الذي دمَّر في نابليون النزعة إلى الاعتدال والقدرة على رؤية العلاقات الصحيحة بين الأشياء، وبدونهما تصبح العبقرية على شفا الجنون· لقد وجد براهين قوية وحافزة تبرِّر له اتخاذ كل الخطوات التي تُفضي به إلى السلطة التي تُصيبه بالدوار، فعندما طلب منه زعماء الجمهورية السيزالبية (جمهورية الألب الشمالية Cisalpine) المتمركزون في ميلان أن يساعدهم في وضع دستور قدم لهم واحداً ينص على اختيار ثلاثة منتخبين (بفتح التاء) يختارون لجنة من صلاحياتها تعيين أعضاء الهيئة التشريعية ومجلس الشيوخ ومجلس الدولة الذين يختارون بدورهم الرئيس (ويتم اختيار المنتخبين الثلاثة من ملاك الأراضي ورجال الأعمال والفنيين على التوالي)· وبالفعل اجتمع المندوبون في ليون في يناير سنة 2081 وأقروا هذا الدستور ودعوا نابليون الذي كانوا ينظرون إليه كإيطالي في فرنسا - ليكون أول رئيس للدولة الجديدة· فقدم من باريس ليخطب فيهم بالإيطالية، وفي 62 يناير أصبح قنصل فرنسا الأول هو رئيس الجمهورية الإيطالية Republica Italiana وسط مظاهر الفرحة والابتهاج· واعترى الذهول كل أوروبا فماذا بعد، وماذا سيفعل هذا الساحر المنوِّم في خطوته التالية(47)·
وزاد الحذر عندما ألحق بيدمونت Piedmont بفرنسا· لقد احتل الفرنسيون قدم الجبل في سنة 8971· لقد كانت تقع وراء الحدود الطبيعية لفرنسا والتي تعهد نابليون بحمايتها· وعلى أية حال فلو استعادها ملك سردينيا لأصبحت عازلاً معاديا بين فرنسا ومحمياتها الإيطالية في ليجوريا Liguria ولومباردي Lombardy، وفي الرابع من سبتمبر سنة 2081 أعلن نابليون أنَّ بيدمونت جزءٌ من فرنسا·
وفي سويسرا حيث سبق أن وجد طرقاً كثيرة تؤدي إلى إيطاليا لم يستطع أن يتقدم بمثل هذه الثقة، فقد كانت كانتوناتها (ولاياتها) القوية تغص برجال اعتبروا - عبر القرون - الحرية أثمن من الحياة نفسها، وكانوا على استعداد لتكبيد أي غازٍ خسائر فادحة· وعلى أية حال فقد رحَّب غالب السويسريين بالمُثُل العليا الفرنسية المعلنة في سنة 9871، وفي سنة 8971 كوَّنوا الجمهورية السويسرية (الهلفيتة helvetic) تحت حماية فرنسا· وقاوم ملاَّك الأراضي الشاسعة هذا الاجراء وجنّدوا فلاحيهم وكوَّنوا حكومة مُنفصلة في بيرن Bern وتحدوا الجمهورية الخاضعة للحماية الفرنسية والتي اتخذت عاصمة لها لوزان Lousanne· وأرسل كل من الطرفين مندوبا مفوضاً إلى نابليون لطلب تأييده، فرفض نابليون مقابلة مندوب بيرن الذي اتخذ طريقه بعد ذلك لطلب العون من انجلترا، فأرسلت أموالاً وأسلحة لهؤلاء الأوليجاركيين Oligarchs وأرسل نابليون جنوداً للجمهوريين (في نوفمبر سنة 2081) فاستطاعوا بهم قمع تمرد بيرن (ملاّك الأراضي) وسوَّى نابليون النزاع بين الطرفين وفقاً لإعلان تسوية (في 91 فبراير سنة 3081) الذي نشأت بمقتضاه كونفدرالية سويسرية من تسعة عشر كانتون (ولاية) مستقل لكل واحد منها دستوره الخاص به، وكلها تحت الحماية الفرنسية ومُلزمة بإرسال عدد معين من الجنود للجيش الفرنسي· ورغم هذه المادة، فإن إعلان التسوية - بشهادة انجلترا - قد لاقى قبولا من كثير من الجهات وأصبح بلا شك حائزاً على القبول في الكونتونات (الولايات السويسرية)(57)·
ومع ذلك فإن الحكومة الإنجليزية نظرت إلى التحركات الفرنسية المتوالية - في لمبارديا وبيدمونت وسويسرا - كتوسع خطير للنفوذ الفرنسي يدمّر توازن القوى في أوروبا، ذلك التوازن الذي كان قد أصبح حجر الزاوية للسياسة البريطانية في القارة· ومما سبّب لبريطانيا مزيدا من القلق، ما نشرته جريدة المونيتور Moniteur في عددها الصادر في 03 يناير سنة 3081 عن تقرير رسمي قدمه للحكومة الفرنسية الكونت هوراس سيباستياني Horace Sébastiani الذي كان نابليون قد أرسله لدراسة دفاعات القاهرة والقدس ويافا وعكا، وذكر التقرير أن ستة آلاف جندي كافين·· لفتح مصر(67) وأثارت هذه الوثيقة شكوك بريطانيا مخافة أن يكون نابليون يفكر في إعداد حملة أخرى لغزو مصر· وشعرت الحكومة البريطانية أنها لا يجب أن تفكر بعد الآن في إخلاء مالطة والإسكندرية فهما الآن ضروريان للدفاع عن السيادة البريطانية في البحر المتوسط·
ولازال هناك ازدياد آخر لنفوذ نابليون أثار بريطانيا· فمعاهدة لونيفيل Lunéville اشترطت ضرورة تعويض حكام المديريات الألمان غرب الرين الذين تخلّوا عن 573،4 ميل مربع من الأراض ذوات العائد الضرائبي باعترافهم بالسيادة الفرنسية على المنطقة، اشترطت تعويضهم بمديريات أخرى شرق النهر· وأرسل عشرون نبيلاً ألمانياً ممثلين إلى باريس للحث على تنفيذ مطالبهم· واشتركت بروسيا وروسيا في الصيد، وجمع تاليران مبالغ أخرى كبقشيش (حَلَوان Pourboires) وأخيراً تم التوزيع بإقامة مدن دول City - States واضفاء الطابع العلماني عليها بعد أن كان يحكمها طوال قرون أساقفة كاثوليك· وكان هدف نابليون من هذا إقامة كونفدرالية الراين كدولة عازلة بين فرنسا من ناحية والنمسا وبروسيا من ناحية أخرى· واحتجت النمسا على أساس أن قلب هذه الدويلات قد يكون دليلاً على خطورة أخرى لتفكيك الامبراطورية الرومانية المقدسة، وكان الأمر كذلك بالفعل·
وتساءل العسكريون الإنجليز وقد أغضبهم اتساع الرقعة التي تسيطر عليها جيوش نابليون، ما إذا كانت الحرب أقل تكلفة من مثل هذا السلام· واعترض رجال الصناعة البريطانيون على سيطرة فرنسا على الراين(77) مما يجعلها وسيطاً بين التجارة البريطانية ومعظم الأسواق الأوروبية المُربحة· واشتكى التجار من أنه بينما أنهى صلح إميان حصار بريطانيا للسواحل الفرنسية فإن الفرنسيين فرضوا حظراً على استيراد المنتجات البريطانية التي تنافس مثيلاتها الفرنسية·
وأدانت الارستقراطية البريطانية السلام باعتباره استسلاما مُخزياً للثورة الفرنسية· واتفقت كل الأحزاب البريطانية تقريباً على ضرورة التمسك بمالطة، وفي هذه الأثناء راحت الصحف البريطانية تَسُبّ نابليون قصصاً ومقالات ورسوماً، فاشتكى نابليون للحكومة البريطانية التي أجابته بأن الصحافة فيها حرة· فأمر (أي نابليون) الصحف الفرنسية أن تكيل لبريطانيا من السلعة نفسها(87)·
وأصبحت العلاقة بين الحكومتين تقترب شيئاً فشيئا من الحرب، فقد أخبر السفير البريطاني اللورد هوتيورث Whitworth نابليون - بجفاءة أن بريطانيا لن تترك مالطة حتى تقدم الحكومة الفرنسية تفسيراً مُرضياً لحركاتها التوسعية منذ عقد صلح إميان· وفي 31 مارس سنة 3081، واجه نابليون السفير البريطاني هوريتورث وسط جمع غفير من أصحاب المقام الرفيع من فرنسيين وأجانب كما لو كان في معركة مُتَّهماً بريطانيا بانتهاك معاهدة السلام والاستعداد للحرب، وأصيب هوريتورث بالرعب لهذا الانتهاك الصارخ للأصول الدبلوماسية ففضَّل التعامل مع تاليران الذي يعرف كيف يُلبس الحقائق لبوساً يجعلها تبدو ودية· وفي 52 أبريل تلقى هويتورث تعليمات من حكومته بتوجيه إنذار مؤدّاه أنه لابد أن توافق فرنسا على احتفاظ انجلترا بجزيرة مالطة لمدة عشر سنوات على الأقل، ويجب أن تنسحب (أي فرنسا) من هولندا وسويسرا وإيطاليا ويجب أن تعوَّض ملك سردينيا عن ضياع بيدمونت منه في الحرب التي جرت مؤخراً· وسخر نابليون من هذه المقترحات فطلب هويتورث جواز سفره فحصل عليه، وراح الطرفان يستعدان للحرب·
ولأن نابليون قد تحقَّق من سيطرة إنجلترا على البحار وأنه يمكنها الاستيلاء على أية مستعمرة فرنسية فقد باع لويزيانا Louisiana للولايات المتحدة بمبلغ ثمانين بليون فرنك في 3 مايو سنة 3081 وزوّدت انجلترا قواتها البحرية بتعليمات - مع أنها رسمياً لازالت في سلام مع فرنسا - للاستيلاء أي سفينة فرنسية تلقاها· وتم إعلان الحرب رسمياً في 61 مايو سنة 3081 واستمرت اثنى عشر عاماً·
ومنذ هذه اللحظة المريرة انسحب نابليون كإداري من التاريخ، واسترد نابليون الجنرال ابن الرابعة والثلاثين روحه الحربي، فأمر بالقبض على كل البريتون Briton الذين لازالوا موجودين على الأرض الفرنسية· وأمر فجأة جنراله مورتييه Mortier بالاستيلاء على هانوفر Hanover قبل أن تتحوّل إلى قاعدة عسكرية على يد جورج الثالث الهانوفري Hanoverian· وما أحنقه انه خلال عِقْد من الصراع مع انجلترا موّلت فيها جويش أوروبا ضد فرنسا وحاصرت الموانئ الفرنسية واستولت على السفن الفرنسية، وظلت - مع ذلك - هي نفسها بمنأىً عن الهجوم· وقد آن الآن أوان ما يرفضه في اللحظات التي كان فيها أكثر هدوءاً باعتباره حلماً غير عملي، لقد قرّر أن يحاول عبور هذه القناة اللعينة ليذيق هؤلاء التجار ورجال المال ويلات الحرب على أرضهم، ويكْوى بها جلودهم·
لقد أمر جنرالاته بجمع 000،051 رجل و 000،01 حصان على طول الساحل عند بولوني Boulogne ودنكرك Dunkirk وأوستند Ostend، وأمر أدميرالاته بإعداد أسطول قوي في بريست Brest وركفورت Rochefort وطولون Toulon، وأن يُبحر بعد تجهيزه ويحارب ليشق طريقه بين شبكة السفن البريطانية المتناثرة إلى الموانئ حيث سيكون ملايين العمال مستعدين في انتظارهم حولي بولوني Boulogne، وفي هذه الموانئ سيقوم الرجال ببناء مئات من سفن النقل مختلفة الأنواع· وراح نابليون نفسه يغادر باريس بشكل متكرر لتفقّد المعسكرات وأحواض السفن ليطمئن على تقدم مشروعه وليرفع من روح الجنود والبحارة والعمال·
وراحت السفن الحربية البريطانية تُحكم الرقابة في القناة وعلى طول الساحل الإنجليزي - في دوفر Dover وديل Deal وفي كل مكان - راح آلاف الوطنيين يُحكمون المراقبة ليل نهار مُصرِّين على المقاومة حتى الموت لمحق أية محاولة لغزو سواحلهم التي لا تُنتهك حرمتها·