قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> الإمبراطورية الجديدة -> الائتلاف الثالث ضد فرنسا

2- الائتلاف الثالث ضد فرنسا


1805


بحلول سنة 4081 كانت كل الحكومات الأوروبية - باستثناء إنجلترا والسويد وروسيا - قد اعترفت بنابليون كإمبراطور للفرنسيين وخاطبه بعض الملوك بكلمة أخي(9) وفي الثاني من شهر يناير سنة 5081 عرض نابليون - مرة أخرى - السلام على جورج الثالث وخاطبه هذه المرة بعبارة (أخي):
سيدي وأخي
أما وقد دعاني الله وأصوات مجلس الشيوخ والشعب والجيش لأتبوأ عرش فرنسا فقد تأكَّد لي شعوري بالرغبة في السلام·
إن فرنسا وإنجلترا تُهدران ثرواتهما· ربما ناضلا طوال قرون، لكن هل أدّت حكوماتهما - بشكل صحيح - واجباتهما الأكثر قداسة لكفِّ هذه الدماء الغزيرة التي أُريقت عبثاً بغير هدف محدد؟ إنني لا أجد حرجاً في أن آخذ بزمام المبادأة في هذا الأمر (طلب السلام) ولديَّ فيما أظن براهين كافية·· فأنا لا أخاف الحرب إذا حَلَّت·· لكن السَّلام هو رغبتي الكامنة في قلبي ولم تكن أبداً بعيدة عن شهرتي· إنني أُناشد جلالتكم ألاَّ تحرموا أنفسكم من السعادة بإقرار السلام في العالم·· ولن تكون هناك فرصة أفضل لكبح الغضب والاستماع لصوت الإنسانية والعقل، فإذا ضاعت هذه الفرصة فأى أجل يمكن أن يُحدَّد لحرب قد لا أستطيع وقفها بكل مساعِيَّ؟··
ماذا تأمل أن تكسب من الحرب؟ تكوين ائتلاف من بعض القوى في القارة (الأوروبية)؟ انتزاع مستعمرات من فرنسا؟ إن المستعمرات هدف لفرنسا، لكنه هدف ثانوي ثم ألا تحتفظ جلالكتم بالفعل بمستعمرات أكثر مما تستطيع الاحتفاظ به؟
إنَّ العالم رحب واسع بدرجة تكفي لتعيش أمَّتانا فيه· وقوة العقل كافية لتمكيننا من تجاوز كل الصّعاب إذا توفرت الإرادة من الجانبين· وعلى أية حال فقد قُمت بواجبي لما أعتقد فيه الصلاح وما هو قريب إلى قلبي· إنني واثق من أن جلالتكم ستُصَدِّقون إخلاص مشاعري التي عبّرتُ عنها وعن توقي الشديد لتقديم ما يُثبتها لكم·
نابليون(01)
ولا ندري ما هي التأكيدات الخاصة لنوايا السلام والتي ربما تم إرفاقها بهذا الاقتراح· وعلى أية حال فإن ذلك لم يُثْنِ انجلترا عن إقامة أمنها على مبدأ توازن القوى في القارة، والحفاظ على هذا المبدأ بتشجيع الضعيف ضد القوى· بل إن جورج الثالث لم يقبل مخاطبة نابليون له بكلمة أخي فلم يُرسل له رداً، لكن في 41 يناير سنة 5081 أرسل وزير الخارجية اللورد ملجريف Mulgrave إلى تاليران خطابا ذكر له فيه بَشكْل ودي شروط إنجلترا للسلام:
ليس لدي صاحب الجلالة رغبة أعز من انتهاز أول فرصة تُتيح لرعاياه مزايا السلام الذي سيُقام على أُسس غير مزعزعة لأمنٍ دائم ولتحقيق المصالح لطبقات الأمة، إنّ جلالته مُقتنع أنه لا يمكن الوصول لهذه النتيجة إلاَّ بترتيبات تؤدِّي أيضاً إلى مستقبل آمن وهدوء واستقرار في أوروبا لمنع تجدّد الأخطار والكوارث التي أَقْلقت القارة·
وعلى هذا فصاحب الجلالة يرى أنه من غير الممكن أن يجيب بشكل حاسم على الأسئلة التي طُرحت عليه إلاّ بعد أن يتصل بالقوى الأوروبية المُتحالفة معه خاصة إمبراطور روسيا الذي قدَّم أقوى الأدلة على حكمته ومشاعره الطيبة واهتمامه العميق بأمن أوروبا واستقلالها(11)·
وتولى وليم بت Pitt الأصغر رياسة وزراء إنجلترا في الفترة من (مايو 4081 إلى يناير 6081) وكان يُمثل - كَمَعْقل مالي جديد لبريطانيا - طبقة أصحاب المصالح التجاربة التي كادت تكون هي الرابح الوحيد من الحرب· وقد عانت الطبقة ذات المصالح التجارية خسائر حقيقية من سيطرة الفرنسيين على مصبّات الراين ومجراه لكنها استفادت من السيطرة البريطانية على البحار· ولم يخنق هذا غالب الجهد الحربي الفرنسي فحسب بل مكَّن بريطانيا من الاستيلاء على المستعمرات الفرنسية والهولندية ساعة تشاء، وعلى السفن الفرنسية حيثما وُجدت· وفي الخامس من أكتوبر سنة 4081 استولت السفن الإنجليزية على عدّة سفن اسبانية (شراعية حربية من نوع الغليون) متجهة إلى اسبانيا محملة بالفضة التي قد تمكنها من دفع كثير من ديونها لفرنسا· وفي ديسمبر سنة 4081 أعلنت إنجلترا الحرب على اسبانيا ووضعت أسبانيا أسطولها تحت أمر فرنسا· وبصرف النظر عن هذا الاستثناء فإن البريطانيين اســتطاعوا بالتدريج عن طريــق دبلوماسييهم البارعين وإعاناتهم المالية التي تقدم بحكمة - أن تكسب إلى جانبها القوى الأوروبية الأغنى بالرجال وإن كانت أقل حظاً في الذهب (المال)·
ولم يستطع اسكندر الأول أن يحسم أمره: أيكونُ مصلحاً ليبرالياً وقائدا خيِّراً أم فاتحاً عسكرياً دعاه القدرُ للسيطرة على أوروبا؟· وعلى أية حال فإنه كان واضحاً في عدة نقاط: لقد أراد أن يَمُدَّ حدوده الغربية بضم فاليشيا Wallachia ومولدافيا Moldavia التابعتين لتركيا· ورنا بالتالي - مثل كاترين المتوسّعة - إلى اجتياح تركيا (الدولة العثمانية) أن يستولى على البسفور والدردنيل جاعلاً قدماً في آسيا وأخرى في أوروبا، ليسيطر في الوقت المناسب على البحر المتوسط، وكان بالفعل قد استولى على الجزر الأيونية Ionias Isles· لكن نابليون كان قد استولى فجأة على هذه الجزر وهي الآن تابعة له· ولا زال - أي نابليون - يتوق شوقاً للاستيلاء على مصر وهو ظمآن للسيطرة على البحر المتوسط، بل كان قد تحدث بشأن ابتلاع تركيا ونصف الشرق Orient· هنا كان يوجد منافس نَهِم، ولابد أن يستسلم واحدٌ منهما (اسكندر الأول أو نابليون)· لكل هذا ولأسباب أخرى لم يكن اسكندر الأول راغباً في أن يرى انجلترا تُقيم مع فرنسا سلاماً· ففي يناير سنة 5081 وقع معاهدة تحالف مع السويد التي كانت بَدَوْرها متحالفة مع إنجلترا· وفي 11 يوليو أكمل أمره بعقد تحالف مع إنجلترا التي تعهدت أن تدفع لروسيا إعانةً مالية سنوية مقدارها 000،052،1 جنيه استرليني لقاء كل 000،001 مُقاتل يشتركون في المعارك ضد فرنسا(21)·
وتفاوض فريدريك وليم الثالث البروسي مع نابليون طوال عام على أمل أن يُضيف إلى مملكته مقاطعة هانوفر Hanover التي كان الفرنسيون قد استولوا عليها في سنة 3081· وعرضها نابليون بشرط عقد تحالف تتعهد فيه بروسيا بدعم فرنسا في إقرار الوضع الجديد· ولم يستسغ فريدريك الفكرة خوفاً من الأسطول الحربي البريطاني الغاضب على طوال سواحله، وفي 42 مايو سنة 4081 وقَّعت بروسيا تحالفاً مع روسيا للقيام بعمل مشترك ضدَّ أي تقدم فرنسي إلى الشرق من وِزَر Weser·
وترددت النمسا أيضاً· إنها إن انضمت للائتلاف الجديد فستكون أول من يُكوى بنيران الهجوم الفرنسي· لكن النمسا - وهي الأقرب إلى فرنسا من إنجلترا - كانت قد شعرت بالاندفاعات المتوالية للقوات الفرنسية المتوسّعة: توجيهها وإشرافها على الجمهورية الإيطالية في يناير سنة 2081، وإلحاقها لبيدمونت في سبتمبر سنة 2081، وإخضاع سويسرا كمحمية فرنسية في فبراير سنة 3081، وادعاؤها (أي فرنسا) لقباً إمبراطورياً في مايو سنة 3081، واستمرت الاندفاعات الفرنسية: في 62 مايو 5081 تلقَّى نابليون في ميلان التاج الحديدي من لومبارديا وفي 6 يونيو قبل طلب دوق جنوا بدمج الجمهورية الليجورية في فرنسا· وتساءل النمساويون متى سيتوقَّف شارلمان الجديد هذا؟ أليس هو بقادر بسهولة - إذا لم تتحد معظم أوروبا لإيقافه - على ابتلاع الولايات الباباوية Papal Stutes أولاً ثم مملكة نابلي؟ ما الذي يمنعه من الاستيلاء على فينيسيا (البندقية) وكل زمامها المغري الذي كان يُسهم بعوائد مالية في دخل النمسا؟ لقد كان هذا هو تفكير النمسا القلق عندما عرضت إنجلترا عليها مساعدات مالية ووعدتها روسيا بمئة ألف مقاتل شديد المراس في حالة هجوم فرنسا عليها· وفي 71 يونيو سنة 5081 انضمت النمسا إلى كل من إنجلترا وروسيا والسويد وبروسيا، وبذا اكتمل الائتلاف الثالث ضد فرنسا·



صفحة رقم : 14584