قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> الإمبراطورية الجديدة -> أوسترليتز
3- أوسترليتز
2 ديسمبر 5081
وفي مواجهة هذا التحالف الخماسي كانت فرنسا تتلقى دعما مترددا من هس Hesse وفيرتمبرج Wurtemberg وتعاوناً من أسطولي هولندا وأسبانيا· وسحب نابليون من مختلف أنحاء مملكته الأموال والمجندَّين إلزامياً ونظَّم ثلاثة جيوش: (1) جيش الراين بقيادة دافو Davaut ومورا Murat وصول Soult ونيقي Nevy، ليُواجه به القوة النمساوية الرئيسية بقيادة الجنرال ماك Mack· (2) جيش إيطاليا بقيادة ماسينا Massena لمواجهة الهجوم النمساوي الغربي الذي قوامه جيش على رأسه الأرشدوق كارل لودفيج Karl Ludwig· (3) وجيش نابليون العظيم الذي تجمع حديثاً حول بولوني Boulogne ولكنه قادر على الانقضاض انقضاضاً مفاجئاً على النمسا· وكان أملُ نابليون يكمن في الاستيلاء - سريعاً - على فيينا ليُجبر النمسا على توقيع اتفاق سلام منفصل ويجمد - بذلك - تحالفاتها في القارة ويجعل - بذلك - إنجلترا مُحاصرة دون عَوْن·
وكان الإمبراطور الشاب يُكنّ كراهية شديدة لإنجلترا باعتبار لعنة أصابت حياته والعقبة الرئيسية أمام تحقيق أحلامه· لقد كان يُسميها إنجلترا الغادرة وأعلن أن أموالها كانت هي السبب الأساسي لويلات فرنسا· لقد راح ليل نهار يُخطط - بالاضافة لمئات المشروعات الأخرى - لبناء أسطول يُنهي سيادة بريطانيا على البحار· لقد أغدق الأموال وجلب العمال إلى مراكز صناعة السفن مثل طولون وبريست وأخضع للاختبار اثنى عشر قائداً ليختار منهم أدميرالا (أمير بحر) يمكن أن يقود إلى النصر البحرية الفرنسية النامية· وظنَّ أنه عثر على بغيته في شخص لويس دي لا توش تريفيل Louis de la Touche - Treville وبذل كل جهده ليبثَّ في روعه أنه يمكن غزو انجلترا واجتياحها إذا استطعنا السيطرة على القنال (الفاصلة بين فرنسا وإنجلترا) لمدة ست ساعات، فساعتها سنكون سادة العالم(31) لكن لاتوش تريفيل مات في سنة 4081 فارتكب نابليون غلطة بأن جعل على رأس البحرية الفرنسية بيير دي فيلينيف Pierre de Villeneuve·
لقد كان فيلينيف قد أسهم في إخفاق الحملة الفرنسية على مصر، وصفحته الماضية تُشير إلى جُبنة وميله للعصبان، ولم يكن مؤمناً بإمكانية السيطرة على القنال الإنجليزي لستِّ ساعات، وقد تلكأ في باريس حتى أمره نابليون بالتوجه لشغل منصبه في طولون· وكانت تعليمات (أي تعليمات نابليون) ماكرة ومعقدة: فليقُد أسطوله في عرض البحر وليترك نلسون يتتبعه بالأسطول البريطاني الرئيسي ويغريه بتتبعه في الأطلنطي إلى جرز الهند الغربية، ثم يتملص منه بين هذه الجزر ويعود بأقصى سرعة إلى القنال الإنجليزي حيث تنضم إليه الأساطيل الفرنسية والهولندية والاسبانية في الالتحام بالسفن البريطانية فترة تكفي لعبور الجيش الفرنسي بقواربه التي تُعد بالآلاف إلى الأرض الإنجليزية قبل أن يتمكن نلسون من العودة من البحر الكاريبي· ونفذ فيلينيف Villeneuve الجزء الأول من مهمته بطريقة حسنة· لقد أغوى نلسون بتتبعه إلى أمريكا، وراغ منه وكرّ عائداً إلى أوروبا· لكنه عند وصوله إلى أسبانيا لم يجعل سفنه ورجاله في حالة استعداد لاجتياح السفن الإنجليزية التي تحرس القنال، وبدلا من ذلك بحث عن الحماية في مرفأ آمن وصديق في كاديز (قادش) Cadiz· وفُجع نابليون في خطته فأصدر أوامره إلى فيلينيف ليخرج باحثاً عن أسطول نلسون وأن يخاطر بكل شيء في تحد متهوّر للقضاء على السيادة البريطانية على البحار·
وفي قرار عصبي مفاجئ ابتعد الإمبراطور عن القنال الإنجليزي ودار بآلاف الرجال ليسير جنوباً وشرقاً إلى الراين وما وراءه· وراحت قلوب الفرنسيين جميعاً تخفق أملاً وقلقاً مع هذا الجيش العظيم (وفقاً لتسمية نابليون) وراح الناس في كل مدينة يمر بها يدعون له يالنصر لتحقيق مشروعه· وفي كل كنيسة تقريباً راح رجال الدين يحثون شباب الأمة على الانضمام إليه ليخدموا تحت راياته وراحوا يتلون من فقرات الأناجيل ما يفسرونه على أساس أن نابليون قد أصبح الآن في رعاية الله وتحت توجيهه المباشر(41)· ما أسرع ما أتى الكونكوردات (الاتفاق البابوي) بالثمار! وتعاونوا مع نابليون لترتيب أمر تمويل هذه العشرين ألف مركبة على طول الطريق، وعمد نابليون إلى الإسراع وإراحة الجند أثناء مرورهم عبر فرنسا(51)· وركب هو نفسه مع جوزفين إلى ستراسبورج التي أصبحت الآن مفعمة عاطفة وتلهفا وحبا، فقد كانت ثروتها معلقة أيضاً بكل رمية نرد (زهر)· ووعد نابليون أنه خلال أسابيع قليلة سيكون سيِّد فينا(61)· وفي ستراسبورج ترك جوزفين في رعاية ريموزا Remusat وأسرع إلى الجبهة·
وكانت استراتيجيته - كالعادة - هي أن يُقَسّم جيش عدوه ويغزوه: أن يمنع الجيش النمساوي من التوحّد (من أن يشكل كُتلة مقاتلة واحدة)، وأن يُدمّر أو يُجمِّد القوات النمساوية قبل وصول القطيع الروسي (الجنود الروس) الذي يتوقع النمساويون وصوله لتقديم المساعدة، ثم يجتاج الجيش الروسي القادم مُحققاً النصر عليه مما سيُجبر أعداءه الأوروبيين على توقيع سلام مؤقّت على الأقل· ورغم الأيام الكئيب نهارها الحالك سواد سواد ليلها الممعن مطرها الغزير طينها وجليدها - نفذ جيش الراين ما أوكل إليه في المعركة على نحو شامل وأرسل من التوضيحات ما يدل على أن نابليون مدين لمارشالاته دَيْنا كبيراً· وبعد أسبوع من المناورة وجد الخمسون ألف مقاتل التابعون للجنرال مارك أنفسهم في أولم Ulm محاصرون من ثلاث جهات بالمدفعية والفرسان والمشاة بقيادة دافو Davaout وسول Soult ومورا Murat وني Ney واستحال عليهم التراجع عبر الدانوب خلفهم، وكانوا جوعى ينقصهم الطعام كما كانوا يعانون عجزاً في الذخيرة، وهدد الجنود النمساويون بالتمرد إذا لم يُسمح لهم بالاستسلام، فاستسلم ماك Mack بالفعل أخيراً في 71 اكتوبر سنة 5081 فأسر الفرنسيون ثلاثين ألفاً من رجاله وأرسلوهم إلى فرنسا· لقد كان النصر الذي أحرزه الفرنسيون في هذه المعركة هو الأقل تكلفة والأكثر حسماً وأثراً في تاريخ الحرب· وانسل الإمبراطور فرانسيس الثاني وبعض النمساويين ممن بقوا على قيد الحياة بعد معركة أولم Ulm إلى الشمال لينضمّوا للروس الذي اقترب ميعاد وصولهم، بينما دخل نابليون فيينا في 21 نوفمبر دون مقاومة وأيضاً دون تباه·
وسرعان ما تعكر مزاج الفرنسيين وفسُدت عليهم نكهة النصر بوصول أخبار مفادها أن فيلينيف - تنفيذاً للتعليمات - انطلق لمقابلة نلسون ليُصارعه حتى الموت، فقد كانت نهاية هذه المواجهة موتاً لكليهما، وانتصر نلسون في الطرف الأعز لكنه جُرح جرحاً مميتاً، أما فيلينيف فقد خسر وانتحر· ونحَّى نابليون جانباً - وهو حزين مكتئب - أمله في التصدي للسيادة البريطانية على البحار ولم يعد أمامه إلا كسب أكبر عدد من المعارك على البر الأوروبي حتى يجبر القوى الأوروبية على السير في ركاب فرنسا بإغلاق أسواقها في وجه البضائع البريطانية حتى يجبر تجار إنجلترا حكومتهم على عقد معاهدة سلام مع فرنسا·
وترك نابليون الجنرال مورتييه Mortier وخمسة عشر ألف مقاتل للسيطرة على فيينا وانطلق في 71 نوفمبر لينضم إلى جنوده لإعدادهم لمواجهة جيشين روسيين يتجهان نحو الجنوب؛ جيش بقيادة كوتوزوف Kutuzov الصارم وجيش آخر على رأسه القيصر اسكندر نفسه· وتقابل الدب الروسي مع النسر الفرنسي في أوسترليتز (قرية في مورافيا Moravia) في الثاني من شهر ديسمبر سنة 5081· وقبل المعركة أصدر نابليون لفيالق جيشه البيان التالي:
أيها الجنود
الجيش الروسي أمامكم ليثأر لهزيمة الجيش النمساوي في أولم Ulm··· إن المواقع التي نشغلها هائلة بينما هم يسيرون ليكونوا عن يميني وبذا سيعرضون جناح جيشهم لي···
إنني شخصياً سأوجّه كتائبكم· إنني سأتجنب النيران إن أنتم - بشجاعتكم المعتادة - أحدثتم الفوضى والاضطراب في صفوف العدو· لكن إذا أصبح النصر في أي لحظة غير مؤكد فسترون إمبراطوركم أول من يعرّض نفسه للخطر لأن النصر لا يجب أن يكون موضع شك هذا اليوم بالذات فشرفُ الجيش الفرنسي الذي يعني - وبعمق - شرف الأمة الفرنسية كلها معلَّق على هذه المعركة·· إنه ينبغي علينا أن نهزم هؤلاء الذين استأجرتهم إنجلترا التي تُكِن مثل هذه الكراهية المريرة لأمتنا··
إن هذا النصر سيضعُ نهاية للمعركة وسنكون بعد النصر قادرين على العودة إلى مقرّنا الشتوي حيث سننضم إلى الجيوش الجديدة التي يجري إعدادها في فرنسا وعندئذ سيكون السلام الذي سأعقده جديراً بشعبي وبكم وبي(71)·
وكان أول تكتيك هو استيلاؤه على تل يسمح لمدفعيته بإطلاق نيرانها على الجيش الروسي (المشاة) المتحرك إلى يمين قواته لكن هذا التل استولى عليه عدد من رجال كوتوزوف Kutuzov الأكثر شجاعة· لقد تركوا طريقاً للقوات الفرنسية وأعادوا تشكيل قواتهم وحاربوا مرة ثانية لكن قوات نابليون الاحتياطية اجتاحتهم· وسرعان ما أصبحت المدفعية الفرنسية تحصُد الروس وهم يتقدمون في السهل الأدنى من التل، فانكسر قلب جيشهم رُعباً وأمعن في الفرار وانقسم جيشهم إلى قسمين عمَّت الفوضى فيهما؛ واجه القسم الأول مشاةُ دافو Cavout وسول Soult وواجهت القسم الثاني كتائبُ لان Lannes ومورا Mutat وبيرنادوت Bernadotte، أما بالنسبة للقلب المُبعثر فقد أرسل إليه نابليون عساكره الاحتياطيين ليجتثوه اجتثاثاً· ومن بين المقاتلين الروس والنمساويين البالغ عددهم 000،78 استسلم 000،02 واستولى الفرنسيون على كل مدفعية العدو تقريباً، وبينما انطرح على أرض المعركة من جيش أعداء فرنسا 000،51 قتيل· وهرب اسكندر وفرانسيس بمن تبقى إلى هنجاريا (المجر) بينما راح حليفهم الذي مُلِّئ رعباً فريدريك وليم الثالي يتوسّل السلام بذلَّة·
وفي هذه المذبحة فقدت القوات الفرنسية البالغ عددها 000،37 وحلفاؤها 0008 ما بين قتيل وجريح· وهتف من بقي على الحياة من الجيش الفرنسي - وقد أنهكهم التعب، بعد أن تعبوا كثيراً من رؤية الموت - بحماسة وحشية بحياة نابليون· وفي بلاغ (نشرة توزع في الجيش) 3 ديسمبر وعدهم نابليون انه سيتوقف عن الحرب بعد أن يتم انجاز كل ما هو ضروري لتأمين سعادة ورخاء بلدنا، ساعتها سأعودُ بكم إلى فرنسا· وهناك ستكونون موضع عنايتي وحُبي· وسيرحّب بكم شعبي بفرح وما على الواحد منكم إلا أن يقول: لقد كنتُ في معركة أوسترليتز ليهتف الناس انظر إلى البطل(81)·