قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> الإمبراطورية الجديدة -> صانع الخرائط
4- صانع الخرائط
6081 - 7081
عندما تلقى وليم بت Pitt أخبار أوسترليتز كان يقترب من الموت، ولما رأى خريطة أوروبا معلَّقة على الحائط طلب إزاحتها من أمامه وقال أطووا هذه الخريطة، فلن نحتاج إليها في هذه السنوات العشر(91)· ووافق نابليون وأعاد رسم الخريطة·
لقد بدأ نابليون في إعادة رسم بروسيا والنمسا· ونصحه تاليران الذي خلَّفه نابليون على فيينا لصياغة الإرادة الإمبراطورية بلغة دبلوماسية - أن يفرض على النمسا شروطاً مُعتدلة مقابل عقد تحالف بينها وبين فرنسا على أساس أن هذا قد يَفُك الارتباط بين المساعدات المالية الإنجليزية والسياسات النمساوية وقد تحصل فرنسا من جرّاء ذلك على بعض الدعم في صراعها مع بروسيا وروسيا (حتى لو كان هذا الدعم لا يعدو مزايا جغرافية) لكن نابليون الذي كان يعتقد أن تحالف أعدائه يتسم بالهشاشة كان من رأيه إضعاف النمسا بحيث لا يمكنها تحدِّي فرنسا مرة أخرى، وأن يكسب بروسيا ويُبعدها عن روسيا بأن يعرض عليها سلاماً سهلاً· وفي هذه الأثناء سمح لاسكندر بأن يقود الروس الذين لازالوا على قيد الحياة عائداً إلى روسيا دون أن يتعقبه·
وبناء على معاهدة وقِّعت في حجرة ماريا تريزا في القصر الملكي النمساوي في شونبرن Schonbrunn في الخامس من ديسمبر سنة 5081 طلب نابليون من بروسيا تسريح جيشها، والتنازل عن مرجريفية أنسباخ Ansbach (المرجريفية هي محافظة حدودية في المناطق الناطقة بالألمانية) لبافاريا Bavaria وأن تتنازل عن إمارة (مديرية أو محافظة) نيو شاتل Neuchatel لفرنسا وأن تقبل تحالفاً وثيقاً مع غازيها (نابليون)· وتوقَّع فريدريك وليم الثالث أن يحصل في مقابل ذلك على ولاية هانوفر Hanover وكان نابليون سعيداً بوعده بتحقيق ذلك ليكون في ضمّها لبروسيا حائلاً يمنع أية مشاعر مُتعاطفة مع الإنجليز في بروسيا·
لقد كانت معاهدة بريسبرج Pressburg مع النمسا (والتي اكتملت - في غياب نابليون - في 62 ديسمبر سنة 5081) معاهدة قاسية لم ترحم· لقد كانت النمسا قد بدأت فيما مضى الأعمال العدائية ضد بافاريا، وأصبح عليها الآن أن تتنازل لها (لبافاريا) ولبادن Baden ولفيرتمبرج Wurttemberg عن كل أراضيها (أراضي النمسا) في التيرول Tirol وفورارلبرج Vorarlberg وجنوب ألمانيا، وبهذا اتسعت كل من بافاريا Bavaria وفيرتمبرج فصارتا مملكتين وأصبحت بادن دوقية كبيرة متحالفة مع فرنسا· ولتعويض فرنسا عن انفاقها الاموال في الحرب وعما فقدته من رجال ومعدات تعيَّن على النمسا أن تجعل كل ممتلكاتها في ايطاليا بما في ذلك البندقية وظهيرها تحت الحماية الفرنسية، ووافقت - أي النمسا - على أن تدفع لفرنسا تعويضا مقداره أربعون مليون فرنك، ويالسعادة نابليون عندما علم أن جزءاً من هذا المبلغ كان قد وصل حديثاً للنمسا من إنجلترا(02)· وبالإضافة لهذا أمر نابليون خبراءه الاختصاصيين في الفنون أن يُرسلوا إلى باريس بعض اللوحات المختارة والتماثيل من القصور والمتاحف النمساوية· واعتبر نابليون كل ذلك - استيلاءه على الأراضي والأموال والأعمال الفنية - أسلاباً مشروعة، وفقاً لطريقته الزومانية· وأخيراً أمر بإقامة نُصُب النصر في ميدان فيندوم Vendome في باريس وأمر بتغطيته بمعادن مأخذوة من مدافع العدو التي استولى عليها في أوسترليتز·
ووقَّع تاليران هذه الاتفاقات ولكنه لم يكن مرتاحاً بسبب رفض اقتراحاته، فبدأ يستخدم نفوذه - ولم يكن دائماً خائناً لنابليون - للحد من المزيد من امتداد سلطان نابليون، وقد برَّر ذلك في وقت لاحق بأنه كان يخدم مصالح فرنسا بإساءته لمن يعمل في خدمته (نابليون)·
وفي 51 ديسمبر سنة 5081 غادر نابليون فيينا ليكون مع جوزفين في ميونخ، وهناك ساعدا في زواج يوجين Eugene (الذي كان قد تمَّ تعيينه نائباً ملكياً في إيطاليا) من الأميرة أوجستا Augusta الابنة الكبرى لملك بافاريا· وقبل الزفاف تبنى نابليون - رسمياً - يوجين ووعده بتاج إيطاليا كوريث له· لقد كان زواجاً سياسياً لتوثيق التحالف بين بافاريا وفرنسا، وقد أحبَّت أوجستا زوجها وساعدت في إنقاذه بعد سقوط أبيه الذي تبنّاه (نابليون)·
وذهب الإمبراطور والإمبراطورة (نابليون وجوزفين) إلى باريس، فتلقَّته بالمهرجانات الرسمية والاحتفاء الشعبي حتى أنَّ مدام دي ريموزا Remusat تساءلت مندهشة أيمكن لرأسٍ بشري ألاَّ تديرها هذه المبالغة في المديح(12) لكن الحقائق أيقظته من سكرته· لقد وجد أن الخزانة الفرنسية قد أصبحت - أثناء غيابه خارج فرنسا - على وشك الإفلاس بسبب سوء الإدارة، وأتى التعويض الذي قدمته النمسا لإنقاذها· وكان عليه أن يُناضل محاولاً الحفاظ على حياته؛ ففي 02 فبراير سنة 6081 تلقى معلومات من شارل جيمس فوكس Charles James Fox - رئيس وزراء إنجلترا في ذل الوقت - تُحذره من أن قاتلا مُدّعيا عرض قتله (أي قتل نابليون) مقابل مبلغ معقول(22)· وكان فوكس قد اعتقل هذا الشخص لكن ربما كان هناك أشخاص آخرون وطنيون مستعدين لقتل نابليون لقاء مبالغ مالية· لقد كانت إنجلترا وقتئذ في حرب مع فرنسا، وكان تصرف رئيس الوزراء البريطاني الآنف ذكره ينطوي على معانٍ خُلقية مسيحية مُضافاً إليها روح الفروسية· ووسط أجواء القتل الفردي والجماعي عادت فرنسا في أول يناير سنة 6018 للتقويم المسيحي الجريجوري (التقويم الميلادي المعروف)·
وفي الثاني من شهر مايو - بعد أربعة أشهر قضاها نابليون في إعادة الأمور الإدارية إلى سيرتها الأولى، قرأ أمام الهيئات التشريعية تقريره عن أحوال الإمبراطورية في سنة 6081 لقد سرد - مرة أخرى - باختصار انتصارات الجيش واكتساب الحلفاء والأراضي، ووصف انتعاش أحوال فرنسا في المجالين الزراعي و الصناعي، وأعلن عن المعرض الصناعي - وهو أمر جديد على نحو ما في تاريخ فرنسا - وأمر بافتتاحه في اللوفر Louvre في الخريف، وأشار التقرير إلى بناء - وإصلاح - الموانئ والترع والجسور و 005،33 ميل من الطرق - كان عدد من هذه الطرق عَبْر الألب، وتحدّث التقرير أيضاً عن مشروعات عظيمة يجرى العمل فيها - مَعْبد النصر (الآن: لا ماديلين La Madeleine) والبورصة وقوس النصر·· وانتهى التقرير بالتأكيد على أنَّ فتوح مزيد من البلاد ليس هو ما يشغل بال الإمبراطور، فقد استنفذ أهدافه في المجد العسكري·· وإنما ما يشغله هو الوصول بالإدارة إلى درجة الكمال ليجعلها مصدراً لسعادة دائمة ورخاء مُتزايد لشعبه·· إنَّ ما يقصد إليه الآن هو تحقيق هذا المجد(32)·
وواصل نابليون مهمته في صنع الخرائط، ففي 12 مايو سنة 6081 قَبِلَ الإمبراطوُر - الذي بلغ النُّهى - إمبراطورية أخرى - كهدية - تتكوّن من ممالك، بافاريا وسكسونيا Saxony وفيرتمبرج Wurttemberg ووستفاليا Westphalia والدوقيات الكبيرة التالية: بادن Baden، وبرج Berg وفرنكفورت، وهس - دارمستدات Hesse - Darmstadt وفيرتنسبورج وآرنبرج Arenberg ومكلنبورج - شفيرين Macklenbug - Schwerin ونساو Nassau وأولدنبرج Oldenburg وساكس - كوبورج Saxe - Coburg وساكس - جوثا Saxe - Gotha وساكس فيمار Saxe - Weimar وست إمارات صغيرة· لقد كانت المبادأة في هذا الاتحاد الوثيق بين الصديق والعدو على يد الأمير الأسقفي كارل تيودور فون دالبرج (وفقاً لما قال مينيفال Meneval)(42) الذي كان فيما مضى رئيساً لأساقفة مينز Mainz· فبسبب توجيهاته طلبت هذه الكيانات (الدول) المختلفة من نابليون أن تكون تحت حمايته متعهِّدة بتقديم فرق عسكرية لجيوشه (يبلغ عدد أفرادها 000،36 مقاتل) مُعلنة انفصالها عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة (التي كان شارلمان قد أسسها في سنة 008 للميلاد)، وكونت كونفدرالية الراين· وربما كان هذا التوجّه الجديد للمناطق التيتونية Teutonic راجعاً لانتشار اللغة والأدب الفرنسيين فيها· فقد كاد مجتمع المثقفين والمفكرين يكون ذا طابع عالمي· ومن الطبيعي أن تعترض بروسيا على كل ما يجعل من فرنسا قوة هائلة، لكن النمسا التي أفقدتها الهزيمة كلَّ أمل قبلت هذا التغيير· ومنذ انسحاب ستة عشر أميرا بوحداتهم السياسية من الإمبراطورية الرومانية المقدسة حتى تقلَّصت هذه الإمبراطورية الى مُزَق تافهة فتخلَّى فرانسيس الثاني (في 6 أغسطس سنة 6081) عن لقبه وامتيازاته كرأس لما كان ذات يوم كياناً كبيراً أي الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي وصفها فولتير ذات يوم بأنها ليست مقدسة، وليست رومانية وليست إمبراطورية وأقنع نفسه بلقب فرانسيس الأول إمبراطور النمسا·
والآن فإن الإمبراطورية الفرنسية وفي ركابها مدوَّنةُ نابليون القانونية قد امتدت من ساحل الاطلنطي إلى نهر إلْب Elbe، واشتملت هذه الإمبراطورية على فرنسا وبلجيكا وهولندا والدول الحدودية غرب الراين وجنيف، وكل إيطاليا تقريباً إلى الشمال من الولايات الباباوية، إن الرجل الذي حَسَد شارلمان قد كرر - بشكل واضح - إنجاز شارلمان بتقديم القوانين للغرب - المقصود غرب أوروبا· لكن من الاطلنطي إلى نهر إلب Elbe كان الناس يتساءلون: إلى متى تستمر هذه الأخُوّة بين التيوتون Teuton والغال Gaul؟