قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> الإمبراطورية الجديدة -> جينا (يينا) وإيلاو وفريدلاند
5- جينا (يينا) وإيلاو وفريدلاند
1806- 1807
في 51 أغسطس سنة 6081 احتفلت فرنسا بيوم القديس نابليون وبعيد ميلاده السابع والثلاثين· وكتبت مدام دي ريموزا Remusat (المنتقدة عادة) أصبحت الدولة في حالة هدوء عميق، وقلَّت المعارضة يوما فيوم، فقد نظَّمت الإدارة الحازمة الرصينة المستقيمة طريقة ممارسة السلطة وأساليب دعمها· فتم دعم نظام التجنيد الإجباري بشدّة لكن الآن أصبحت ثرثرة الفرنسيين وشائعاتهم واهنة ضعيفة، فالفرنسيون لم يكونوا قد استنفذوا بعد مشاعر العظمة(52) والأهم من كل هذا أن فوكس رئيس وزراء إنجلترا والكونت بطرس أوبريل Peter Oubril قد فتحا باب المفاوضات من أجل السلام·
وعلى أية حال، فإن بروسيا كانت مترددة ترنو إلى الحرب، فاتحادها القسري مع فرنسا كان مكلِّفاً لها كما ثبت: فانجلترا والسويد كانتا قد أعلنتا الحرب عليها، والأسطول البريطاني حاصر سواحلها واستولى على سفنها في البحار، وكان اقتصادها يعاني، وكان شعبها في حالة دهشة لِمَ أقام ملكُهم هذا التحالف المدمّر؟ وأخبر رجل الدولة البروسي العجوز فريدريك وليم الثالث المتردد أن التحالف الدائم مع روسيا هو الطريق البديل الوحيد لمنع نابليون من ابتلاع بروسيا، ولم يقدم هذا السياسي العجزو اقتراحه إلا بعد أن لمس أن عظمة الجيش البروسي لاتزال قائمة بفعل الذكريات الداعية للفخر التي تتداعى للأذهان عن أيام فريدريك العظيم Frederick the Great، كما أنه وضع في اعتباره القوى البشرية الهائلة التي يجندها القيصر اسكندر استعدادا لجولة أخرى مع فرنسا· كما أن الأميرة لوسي (لويزا Louise) الجميلة المؤثرة التي كانت تحب زوجها الوسيم العطوف اسكندر، راحت تزدري خوف زوجها من حثالة الجحيم(62) (تقصد نابليون)، وحثها الفوج العسكري الذي يحمل اسمها على ارتداء زي الكولونيل لأنها تبدو فيه جميلة، وركبت حصانها وسارت أمامهم في ساحة العرض العسكري· وراح الأمير لويس فرديناند ابن عم الملك يحث على الحرب باعتبارها طريقاً لمجد العرش البروسي·
وفي 03 يونيو سنة 6081 أرسل فريدرك وليم إلى اسكندر تأكيداً مفاده أن معاهدة بروسيا مع فرنسا لن تكون حائلاً في سبيل تنفيذ معاهدة بروسيا مع روسيا والتي سبق توقيعها في سنة 0081· وفي شهر يوليو صدمه أن يعلم أن نابليون قد قبل تحت حمايته كونفدرالية الرادين Confederation of Rhine، تلك الكونفدرالية التي شملت عدة مناطق كانت فيما قبل تابعة لبروسيا، والمفترض أنها لازالت داخلة في مجال نفوذها· وأكثر من هذا فإن السفير البروسي في فرنسا كتب لسيِّدة أن بونابرت اقترح بشكل سرّي عودة هانوفر Hanover لإنجلترا كجزء من ثمن السلام· وكان نابليون سبق أن وعد بضم هانوفر إلى بروسيا فشعر مليكها (أي مليك بروسيا) بالاحباط وأنه قد غُرِّر به· وفي 9 أغسطس أمر بتعبئة الجيش البروسي، وفي 62 أغسطس أثار نابليون بروسيا أكثر من ذي قبل بأن أصدر أوامره - أو سمح - بإعدام بالم Palm وهو بائع كتب في نورمبرج Nuremberg لإصدارة كُتيباً يُحرّض على الثورة ضد فرنسا· وفي 6 سبتمبر تعهد فريدريك وليم في خطاب أرسله إلى القيصر بالإنضام إلى أي هجوم على مُزعج العالم(72) وفي 31 سبتمبر مات فوكس الشجاع وقد ذكر نابليون عنه في وقت لاحق أنه كان من بين فعاليات قَدَرِي فلو أنه عاش لأمكن إبرام السلام(82) وبعد موته عادت الوزارة البريطانية إلى سياسة النضال ضد نابليون حتى الموت وتخلى اسكندر عن الاتفاقية المؤقتة التي سبق أن وقعها أوبريل Oubril مع فرنسا· وفي 91 سبتمبر أرسلت بروسيا إلى فرنسا إنذاراً أنه إذا لم تتحرك القوات الفرنسية في غضون أسبوعين إلى غرب الراين فإن بروسيا ستعلن الحرب، وعرض جودوي Goday الوزير الماكر الذي كان يحكم أسبانيا في ذلك الوقت، صداقته على بروسيا، ودعا الاسبان لحمل السلاح ولم ينس له نابليون ذلك، وقرر أنه إذا ما أُتيحت الفرصة فسيقيم في أسبانيا حكومة تكون أكثر صداقة لفرنسا· وغادر نابليون باريس على مضض واتجه مع جوزفين وتاليران إلى مينز Mainz لمواجهة أخطار الحرب مرة أخرى·
ولابد أنه كان قد فقد شهيته لخوض معركة لأنه عندما كان يتعيّن عليه مفارقة جوزفين في مينز Mainz اعتراه انهيار عصبي، وربما كان قد أتى للتحقق أنه ليس هناك من أمر يستحق أن يخاظر من أجله بعرشه وحياته بخوض حرب، فلم يكن أي نصر ليحقق له سلاماً مقبولاً· وقد وصفت مدام دي ريموزا Remusat المشهد كما رواه لها زوجها:
أرسل الإمبراطور زوجي ليدعو الإمبراطورة للاجتماع به فعاد بها إليه في غضون لحظات· لقدكانت تبكي، وحركت دموعها مشاعر الإمبراطور فضمَّها لفترة طويلة بين ذراعيه وكاد يبدو غير قادر على وداعها· لقد كان متأثراً بشدة وتأثرت مدام دي تاليران بدورها كثيرا، وقرّب نابليون بيده الممدودة مدام دي تاليران - وهو لايزال يضم إلى قلبه جوزفين، ثم ضمَّ المرأتين معاً في الوقت نفسه وقال لمدام دي ريموزا Remusat: يصعبُ على المرء كثيراً أن يفارق اثنين، يُكِنُّ لهما أعمق الحب، وبينما كان ينطق بتلك الكلمات اعترته نوبةٌ من الهياج العصبي زادت حتى أنه بكى فاقداً السيطرة على نفسه وأعقب ذلك نوبة تشنّج ثم تقيَّأ· فتمَّ رفعُه وإجلاسه على الكرسي وشرب بعض ماء زهر البرتقال لكنه استمر يبكي بشكل متواصل زهاء ربع ساعة· وأخيراً سيطر على نفسه وقام فجأة فصافح مدام دي تاليران، واحتضن زوجته للمرة الأخيرة قبل الوداع، وقال للسيد دي ريموزا Remusat: هل المركبات جاهزة؟ استدعِ الحاشية، ولننطلق(92)·
لقد كان عليه أن يُسْرِع لأن استراتيجيته كانت تقوم على مواجهة بروسيا بأفضل قواته قبل أن يتمكن الروس من الوصول إلى الجبهة· ولم يكن البروس قد وحدوا قواتهم بعد: ففي المقدمة كان هناك 000،05 مقاتل بقيادة الأمير فريدريك لودفيج الهوهنلوهي of Hohenlohe وفي الخلف - إلى الأبعد - كان هناك 000،06 مقاتل بقيادة فريدريك وليم ودوق برونسفيك Brunswick الذي كان قد أقسم منذ خمسة عشر عاماً أن يدمر باريس؛ بالإضافة إلى حوالي 000،03 من جنود هانوفر الذين أقبلوا دون رغبة شديدة لمساعدة مليكهم الجديد· وكان مجموع المقاتلين على الجبهة البروسية 000،041 مقاتل بينما بلغ عدد جنود نابليون 000،031 تم تجميعهم بسرعة لكنهم كانوا ماهرين في المناورة، وكانت الهزيمة غريبة عليهم، وكانوا واثقين في قادتهم: لين Lannes دافو Davout وأوجيرو Augereau وسول Soult ومورا Murat ونيي Ney· واستولت قوات لين Lannes وأوجيرو على فرقة عسكرية بروسية في سالفيلد Saalfeld وهو سهل بين سال Saale وإلم Ilm رافدي نهري إلب the Elbe، وتعرض البروس لهزيمة أمام الفرنسيين لعدم دُربتهم على المناورات السريعة التي يجيدها الفرنسيون وفي هذه المعركة قُتل الأمير لويس فرديناند (01 أكتوبر 6081)·
واندفع الفرنسيون بستة وخمسين ألف مقاتل وانقضوا على جيش هوهنلوهي Hohenlohe بالقرب من يينا (جينا Jena) مقر الجامعة المشهورة التي كان شيلر Schiller قد درَّس فيها مؤخرا، وحيث كان على هيجل Hegel - بعد ذلك بعام - أن يُربك العالم بفلسفة جديدة· ونشر نابليون قواته في شبكة معقدة لتمكين فرق لين Lannes وسول Soult من التعامل مع قلب جيش العدو وجناحه الأيسر، بينما هاجمت فرقة أوجيرو Augereau الميمنة واندفعت خيّالة مورا Murat بعنف بين صفوف البروس الذين اجتاحتهم الفوضى وافتقدوا كل تنظيم فولوا مدبرين تاركين ساحة المعركة· وأثناء هروبهم مروّا بين كتائب دوق برونسفيك المنكسرة التي كانت قد لاقت الهزيمة في أورستدت Auerstedt على يد الجيش الفرنسي الذي كان يقوده باقتدار دافو Davout، وفي هذه المعركة جُرح دوق برونسفيك جرحاً مميتاً· وفي هذا اليوم (41 أكتوبر سنة 6081) فقد البروس 000،72 بين قتيل وجريح و 000،81 أسير كما فقدوا كل مدفعيتهم تقريبا· وفي هذا المساء أرسل نابليون تقريرا سريعاً إلى جوزفين: لقد التقينا بالجيش البروسي ولم يعد له وجود· إنني على مايرام وأضمّك إلى قلبي(03)· وفي الأيام التاليات تعقب نيي Ney وسول ومورا الهاربين وأسروا منهم 000،02 وتوجهت قوات وأوجيرو مباشرة إلى برلين فاستسلمت المدينة سريعاً وفي 72 أكتوبر دخل نابليون العاصمة البروسية·
وكان من بين مهامه الأولى أن يجبي من البروس وحلفائهم 061 مليون فرنك ليدفع للجيش الفرنسي(13) وبالإضافة لهذا فقد كان على برلين أن تمد القوات الفرنسية المحتلة بالغذاء والملابس والدواء· وأصدر أمراً بإرسال الأعمال الفنية (أفضل الرسوم والتماثيل) من برلين وبوتسدام Potsdam إلى باريس، وحصل نابليون نفسه - بدوره - على سيف فريدريك العظيم·
وأصدر من برلين في 12 نوفمبر سنة 6081 قراره: من الآن فصاعداً لا يُسح لأي سفينة قادمة من بريطانيا العظمى، ومستعمراتها بدخول أي ميناء من موانئ الإمبراطورية الفرنسية التي تضم الآن المدن الهانزييتية Hanseatic towns، ولا يُسمح لأية بضائع من بريطانيا العظمى أو ممتلكاتها بدخول الأراضي التي تحكمها فرنسا أو المتحالفة مع فرنسا، ولا يُسمح لبريتوني Briton بدخول أراضي الإمبراطورية الفرنسية وأراضي المناطق المتحالفة معها· إن نابليون لمّا وجد كل انتصاراته الحربية غير مُجدية لحث إنجلترا على السلام، بالإضافة إلى علمه أنها (إنجلترا) ستفرض الحصار البحري على كل المناطق التي تحكمها فرنسا، كما سبق لها الحصار البحري على كل المناطق التي تحكمها فرنسا، كما سبق لها أن مدّت حصارها (في مايو سنة 6081) على كل الساحل من بريست Brest إلى إلب(23) Elbe - أراد أن يحوّل هذا السلاح نفسه (الحصار البحري) إلى صدر عدوه بمعنى أن يتم إبعاد بريطانيا عن القارة الأوروبية أو بتعبير آخر غلق القارة الأوروبية في وجه إنجلترا، تماماً كما أن الأسطول البريطاني كان منذ فترة يغلق أبواب التجارة البحرية في وجه فرنسا وحلفائها· وربما بهذه الطريقة -كما كان يأمل - يدفع تجار بريطانيا وصناعها للحركة مطالبين حكومتهم بالسلام·
وكانت هذه الخطة تنطوي على كثير من نقاط الضعف· فالصنّاع في القارة الأوروبية - بعد أن تخلَّصوا من منافسة الصنّاع الإنجليز - رفعوا أسعار منتجاتهم، وحزن المستهلكون لافتقادهم المنتجات البريطانية التي اعتادوا عليها· وكثرت الرشاوى وعمليات تهريب البضائع (وقد جمع بورين Bourrienne بالفعل ثروة ببيع استثناءات من هذا الحصار، وكان نابليون قد عيَّنه وزيرا في هامبورج Hamburg، فاضطر نابليون لطرده مرة أخرى)· وكانت روسيا لاتزال متحالفة مع إنجلترا، وكان يمكن للبضائع البريطانية ان تجد طريقها إلى بروسيا والنمسا عبر الحدود الروسية· وكانت البضائع البريطانية تَصُبُّ يوميا في ميناء دانتسج Danzig الذي كان العساكر البروس لا يزالون يسيطرون عليه·
ورغم أن الجيش البروسي كان قد تحطّم وأصبح نابليون دكتاتوراً في برلين إلاَّ أن موقفه العسكري سرعان ما أصبح مُزعزعا بشكل أكثر من موقفه الاقتصادي· وكانت معظم أراضي بولندا واقعاً في أيدي الروسي والبروس، وكان الوطنيون البولنديون قد أرسلوا يناشدون نابليون القدومَ لتحرير بلادهم التي كانت في وقت من الأوقات ذات سيادة - تحريرها من العبودية المخزية· وعلى أية حال، فقد كان هناك جيش روسي جيد التسليح مكون من 000،08 مقاتل يتمركز غرب فيستولا Vistula بقيادة كونت ليفين بنجسن Levin Bennigsen وكان يستعد لتحدي أي تدخل فرنسي في بولندا· وكان الجيش الفرنسي الذي لم يكن قد تخلّص تماما من آثار معركة يينا (جينا Jena) غير شغوف بخوض غمار معركة من أجل بولندا لأن رجاله لم يكونوا معتادين على البرودة الكئيبة في منطقة البلطيق فقد كانوا يرتجفون لاقتراب الشتاء ويتوقون العودة إلى بلادهم· وفي هذه الأثناء قَدِم من باريس إلى برلين وفد مفوّض هدفه الظاهري هو تهنئة نابليون لانتصاراته الباهرة، لكن الحقيقة أنه أتى ليتوسّل إليه ليعقد سلاماً ويعود لفرنسا التي بدأت ترى في كل انتصار نابليوني ما يحتم مزيداً من الحروب الكثيرة التي قد يكون في أحدها مخاطرة بكل ما تمَّ تحقيقه من انتصارات، فأخبر الوفد أنه لا يستطيع أن يتوقف الآن، فلابد من مواجهة التحدي الروسي، وأن حصار إنجلترا (المقصود هنا حصار فرنسا لإنجلترا) سيفشل إذا لم تنضم روسيا للخطة الفرنسية مُجبرةً أو مُداهنة· وأمر نابليون جيشه بالتقدم في المناطق البولندية التي تسيطر عليها بروسيا ولم يلق في تقدمه مقاومة عاجلة، وفي 91 ديسمبر سنة 6081 دخل نابليون وارسو Warsaw (فرسافا) دون عائق وسط مظاهر الترحيب·
كل الطبقات في بولندا من النبلاء الذين كانوا لا يزالوان توَّاقين للتحرّر، إلى الفلاحين الذيـن كانـوا لايزالون يعانـون مـن مآسي عبودية الأرض (القِنانة)·· كلهم اتفقوا في النظر إلى نابليون كأعجوبة سيُبطل تقسيم دولتهم إلى ثلاثة أقسام قسم لروسيا وآخر لبروسيا وثالث للنمسا، وسيجعل بولندا مرة أخرى دولة ذات سيادة، ورد نابليون استحسان البولنديين له بالثناء على الأمة البولندية وامتدحها وبالثناء على أبطالهم ونسائهم (اللائي كن يتحدث الفرنسية بلكنة جذَّابة فيها صفير) وقد انتقى نابليون منهن واحدة هي الكونتيسة ماري لاكزينسكا فالفسكا Marie Laczynska Walewska ودعاها لسريره وقلبه· وكانت مُناشدته إيّاها - قبل أن يذوق عَسِيلتها وبعد أن ذاقها - مُفعمة بالعاطفة ومتسمة بالتواضع تماماً كما كان واضحاً في خطاباته الأولى إلى جوزفين· لقد رفضته فالفسكا Walewska (كما قيل لنا) حتى طلبت منها مجموعة من النبلاء البولنديين في وثيقة وقَّعوها جميعاً بأسمائهم الأولى في بولندا أن تضحّى بنفسها على أمل أن يقوم نابليون من أجل خاطرها بتوحيد بولندا وإعادة سيادتها (تخليصها من التقسيم بين ثلاث دول) وذَّكرتها هذه الوثيقة بأن أستير Esther قد أعطت نفسها لأحشويروش Ahasuerus لا حباً فيه وإنما لتنقذ شعبها وإن كان لنا أن نقول الأمر نفسه، فإنما أنت تفعلين ذلك لتحققي المجد لنفسك والسعادة لنا!(33) وعندما توسّلت جوزفين أن يُسمح لها بالقدم إليه من مينز Mainz منعها نابليون بحجة ان الطرق سيئة (غير ممهدة) قائلاً لها عودي إلى باريس·· وكوني مُبتهجة وسعيدة، وربما سألحق بك حالاً هناك(43)·
وبينما كان كامنا مع فالفسكا Walewska طوال الشتاء راح يأمُل أن ينتظر الروس حتى حلول الربيع ولا يسببون له إزعاجاً قبل ذلك· لكنه عندما أرسل قوات بقيادة المارشال فرانسوا - جوزيف ليفيبفر Lefebvre للاستيلاء على دانتسج Danzig، قاد بنيجسن Bennigsen كل قواته تقريباً، والبالغ عددها 000،08 مقاتل عبر الفيستولا Vistula في هجوم كاسح على قوات ليفيبفر عند اقترابهم من ثورت Thorn، وعاد المراسلون تواً لإحاطة نابليون علماً بما جرى فأسرع (نابليون) شمالاً على رأس 000،56 مقاتل في 8 فبراير سنة 7081 وحارب عند إيلان Eylan (جنوب كونيجسبرج Konigsberg) معركة من أكثر معاركه قسوةً إذ كلّفته أكثر بكثير مما كان يتكلفه في المعارك السابقة إذ كانت المدفعية الروسية متفوقة على المدفعية الفرنسية، وكان أوجيرو Augereau قد كَبر في السن وأصبحَ يُصاب بالدوار فطلب من قائده (نابليون) اعفاءه بحجة أنه لم يعد قادراً على التفكير بصفاء ذهن، واجتاحت خَياَّلةُ موراً Murat صفوف الأعداء، لكنهم استطاعوا الاحتفاظ بتشكيلاتهم وصمدوا حتى المساء· ثم أمر بينجسن Bennigsen قوّاته بالتراجع تاركاً في ساحة المعركة 000،03 بين قتيل وجريح، إلاّ أنه - على أية حال - كتب إلى القيصر أنه حقق نصراً مجيداً، واحتفى به القيصر بإقامة قدّاس تسبيحة الشكر Te Deum Mass في سان بطرسبرج(53) St. Petersburg·
لقد انتصر الفرنسيون في هذه المعركة لقاء 000،01 ما بين قتيل وجريح، وراح من بقي على قيد الحياة يُبدون عدم رضاهم فكيف سيستطيعون مقاومة هجوم آخر يقوم به هؤلاء السلاف Slaves الشّداد كثيرو العدد· وأيضاً أصبح نابليون الآن مكتئباً اكتئاباً غير عادي، فآلام المعدة اشتدت عليه، تلك الآلام التي قضت عليه فيما بعد· ولم ينس أبداً ما أولته ماري فالفسكا من رعاية مُخلصة أثناء هذا الشتاء القاسي في معسكر الجيش في فينكنشتين Finkenstein· ومع هذه الآلام فقد كان يواصل العمل يومياً آمراً بالطعام واللباس والدواء لجنوده، مُشرفاً على الأمور العسكرية، مُجتمعاً بالمجنَّدين إلزامياً من شعبه المرهق وحلفائه الكارهين، مُصدراً المراسيم والأوامر للحكومة الفرنسية· وفي الوقت نفسه اجتمع القيصر اسكندر الأول والملك فريدريك وليم الثالث في بارتنشتين Bartenstein في 62 أبريل سنة 7081 ووقعوا اتفاقية لتقسيم أوروبا غير الفرنسية (المناطق الأوروبية التي لم تستولِ عليها فرنسا) بينهما بعد المعركة القادمة مع نابليون والتي توقعا أن يحطما فيها الجيش الفرنسي·
وعندما تم تدعيم هذا الجيش الفرنسي المتعدد الجوانب وانتعش الجنود بحلول الربيع أرسل نابليون قوّة للاستيلاء على دانتسيج Danzig فتم الاستيلاء عليها فعلاً· وتلقى بينجسن Bennigsen - الذي كان بدوره يعيد بناء كتائبه - أوامر من اسكندر بالتوجه إلى كونيسجبرج Konigsberg حيث سيتقوّى بأربعة وعشرين ألف مقاتل بروسي شديد البأس· وانطلق بينجيسن لكنه أثناء الطريق سمح لقواته البالغ عددها 000،64 بأخذ قسط من الراحة في فريد لاند Friedland· وهناك في الساعة الثلاثة من صباح 41 يونيو سنة 7081 (الذكرى السنوية لمارينجو Marengo) استيقظوا على وابل من النيران صبّه فوق رؤوسهم 000،21 فرنسي يقودهم لان Lannes القائد المتهور لكنه مستعصٍ على الهزيمة· ورد الروس على نيرانه فوراً، وكان من الممكن أن تنتهي مغامرته بكارثة لو لم يأته الدعم· اندفع نابليون بكل قواته وحاصر الروس من كل جانب خلا من ناحية نهر آل Alle لأن النهر سيعوق تراجعهم، وفي الخامسة عصراً ساد الفرنسيون وولّى الروس الأدبار فاستقل بعضهم قوارب لعبور النهر، وألقى بعضهم الآخر بأنفسهم في النهر يأسا وخلَّفوا في ميدان المعركة 000،52 قتيل وجريح· وفقد الفرنسيون في هذه المعركة 000،8 لكنهم أحرزوا نصراً حاسماً على الجيش الروسي المتبقي لمواجهة غزو خارجي· وهرب الروس والبروس إلى تيلست Tilsit وفقدوا المئات أثناء الهروب بسبب تقعب الفرنسيين لهم حتى أن جنرالاتهم سألوا اسكندر ان يطلب الهدنة ووافق نابليون وترك جنراله سافاري Savary ليحكم كونجسبرج konigsberg ويدبّر أمورها، وتوجه هو نفسه إلى تيليست ليعقد سلاما مع ملكٍ منكسر، وقيصرٍ مقصوص الجناح·
| صفحة رقم : 14587 |
|