قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> المملكة الميتة -> آل بونابرت
الفصل التاسع
المملكة الميِّتة
1807- 1811
1- آل بونابرت
لقد زاد نابليون من أعبائه بمضاعفة ممتلكاته، لأن المناطق العديدة التي أضافها لإمبراطوريته والتي كان أهلها مختلفين عِرقاً ولغةً وديناً وعادات وشخصية - لا يمكن أن يتوقع أحد أن تكون مُطيعة طاعةً مطلقةً لحِكُم أجنبي يُرسل الضرائب التي يتمُّ جمعها منهم إلى باريس ويُرسل أبناءهم إلى الحروب· ومن ذا الذي يستطيع نابليون اختياره ليحكم هذه البلاد بحكمةٍ وإخلاص، بينما هو (أي نابليون) منشغل بأمور فرنسا غير المنضبطة؟ لقد كان بإمكان نابليون أن يثق في عدد قليل من جنرالاته لإدارة بعض الأقاليم الصغيرة وعلى هذا فقد جعل من بيرثييه Berthier أميراً لنيوشاتل Neuchatel وجعل مورا Murat الدوق الكبير لبيرج Berg وكليف Cleves لكن معظم جنرالاته كانوا ذوي أرواح متمرسة على القيادة العسكرية ولم يكونوا مُلمِّين بفن الحكم وما يتطلبه من دهاء وكان عدد منهم - مثل بيرنادوت Bernadotte الطموح لا يرضون بغير الوصول للعرش·
لذا فقد لجأ نابليون إلى الاستعانة بإخوته فصلةُ الدم تضمن ولاءهم كما كانوا - وفقاً لبعض المقاييس من القوى الوطنية التي أدَّت دوراً في القنصلية والإمبراطورية· وربما يكون نابليون قد بالغ في قدراتهم وإمكاناتهم - بسبب مفهومهه القوي لمعنى الأسرة - لأنه بذل قُصارى جهده - لمواجهة تطلّعاتهم لمشاركته الثروة والسلطة - لقد كافأهم جيداً لكنه أيضاً كان يتوقع مشاركتهم له في سياساته· خاصة في إحكام إغلاق القارة الأوروبية في وجه التجارة البريطانية، التي كان يأملُ أن تُجبر إنجلترا على السير في طريق السلام· وربما أيضاً كان يأملُ في أن يستطيع بمشاركتهم أن يخطو خطوة نحو توحيد أوروبا كلها في ظلِّ قانون واحد ورياسة واحدة (كلاهما من عنده) وأن يعمل على انتشار الرخاء العام وإنهاء الحروب الوطنية - والحروب بين الأسرات الحاكمة - في أوروبا·
وبدأ مع أخيه الأكبر جوزيف (يوسف) الذي كان قد أدّى له خدمات معقولة في مفاوضاته مع النمسا وإنجلترا· وكان كورنويل Cornwallis - بعد أن تعامل معه في إميان - قد وصفه بأنه حسن النية، لكنه لا يتمتع بقدرات كبيرة·· إنه حساس ومتواضع ولطيف·· ومُتفتِّح·· وربما أدت قرابته بالقنصل الأول بجعله - إلى حد ما - بعيداً عن روح المكر والخداع، تلك الروح التي تمكنت من وزير الداخلية (تاليران) بشكل واضح(1)· وكان جوزيف يحب المال بالقدر نفسه الذي كان فيه نابليون يحب السلطة، ففي بواكير سنة 8971 كان جوزيف قادراً على شراء عقار مُترف في مورفونتين Mortefontaine بالقرب من باريس، كان يدعو فيه أصدقاءه والمؤلِّفين والفنانين وذوي المقام الرفيع حيثُ يَحْتفى بهم احتفاء سخياً· وكان جوزيف مُتلهفاً كي يُعيِّنه أخاه وريثاً للعرش الإمبراطوري، ولم يكن قانعاً قناعةً كاملة عندما عيَّنه نابليون (في 03 مارس سنة 6081) ملكاً على نابلي - أي جنوب إيطاليا· ووصل فرديناند الرابع البوربوني الذي أُبعدت أسرته عن العرش إلى صقلية Sicily بمساعدة الأسطول البريطاني، وقادت زوجته الملكة تمرداً عسكرياً لإعادته لعرش بلاده، فأرسل نابليون أربعين ألف مقاتل بقيادة ماسينا Massena وريجنييه Regnier لقمع التمرد مهما كانت التكاليف، وقد كان إذ تم القمع بضراوة شديدة تركت ذكريات مريرة عبر الأجيال· وحاول جوزيف (يوسف) أن يكسب ولاء رعاياه بالاعتدال واللطف والكياسة ولكن نابليون حذَّره قائلا: على الحاكم - كي يدعّم مركزه - أن يعملَ على أن يكون مُهاباً أكثر من عمله ليكون محبوباً· وكان حُكم نابليون النهائي على جوزيف متعاطفا:إن جوزيف لم يقدّم لي مساعدة، لكنه كان رجلاً طيباً جداً·· إنه يُحبني بإخلاص شديد، وأنا لا أشك في أنه يريد أن يفعل كلَّ شيء من أجلي· لكنَّ صفاته الشخصية ومزاياه لا تصلح إلاّ للحياة الخاصة، إنه لطيف رقيق في تصرفه ولديه مواهب ومعلومات، وهو بشكل عام رجل لطيف· وقد بذل قُصارى جهده في تنفيذ المهام الكبيرة التي أوكلتها إليه· لقد كانت نواياه طيبة، لذا فإن الخطأ إنما هو خطئي أنا فقد وضعته في المكان غير المناسب له(2)·
أما أخوه لوسين (لوسيان) Lucien المولود في سنة 5771 فكان متقلّبا تماما كأخيه نابليون، ذلك التقلب الذي لم يكن له ضابط سوى الطموح المهيمن· وبمعنى من المعاني فإن نابليون مدين له بالوصول إلى منصب القنصل الأول، فقد كان رفض لوسين Lucien - باعتباره رئيساً لمجلس الخمسمائة - ما اقترحه البعض من التصويت على خروج مغتصب العرش من تحت مظلة القانون (إهدار دمه)، بالإضافة إلى دعوته (أى دعوة لوسين) الجنود لتشتيت المجلس (مجلس الخمسمائة) فأنهى اليوم لصالح نابليون· وفي وقت لاحق اقترح سلطات ملكية لأخيـه قبـل الأوان، فأبعده أخوه (نابليون) عن مسرح الأحداث بإرساله سفيراً له في أســبانيا· وهنالك اســتخدم كــل الوســائل المتاحــة لهُ لزيادة ثروتــه وبمرور الوقت صار أغنى من نابليون(3) ولمّا عاد إلى باريس رفض الزواج السياسي الذي رتَّبه له أخوه وتزوج وفقاً لاختياره وذهب ليعيش في إيطاليا· وعاد إلى باريس ليقف إلى جوار أخيه خلال أخطار المئة يوم the Hundred Days لقد خُلق لوسين للشعر وبالفعل فقد كتب ملحمة طويلة عن شارلمان·
أما أخوه لويس فقد كان أيضاً له عقل أخيه ومزاجه مع قدر من القناعة والمقدرة مما جعله قلقاً أو غير مستقر في ظل أوامر أخيه (نابليون) وسيطرته· وقد أنفق نابليون على تعليمه وأخذه معه إلى مصر وجعله معاوناً له، وهناك استغل منصبه العسكري في الانخراط في علاقات جنسية أدت لإصابته بمرض السيلان، ومن ثم لم يصبر حتى يُشفى من هذا المرض تماما(4)· وفي سنة 2081 - وبناء على تشجيع جوزفين - حثَّ نابليون أخاه اللامع لويس للزواج من هورتينز دي بوهارنيه، وكانت شخصية نسائية لامعة Hortense de Beauharnais· وكان لويس زوجاً جِلفاً boorish (المقصود لا يجيد فنَّ الجِماع) وكانت هورتينز زوجة غير سعيدة وغير مخلصة(5)، ومما ساهم في إفسادها تأثير مُتبنيها· وعندما أنجبت طفلاً (51 ديسمبر سنة 2081) هو نابليون - شارل Napoleon - Charles، تم تسجيل نابليون كأب له في العِماد، وقد أدى هذا إلى إلقاء ظلال من الشك على علاقة نابليـون بزوجة أخيـه، وظل هـذا الشك يطارهما إلى آخر حياتهما· ومما أعطى لهذه الشائعات بعض التسويغ أن نابليون اقترح تبنّي الطفل، وكان يُدلله بشغف ويُطلق عليه لفظ ولي عهدنا أو وريث العرش(6)، لكن هذا الطفل مات وهو في الخامسة من عمره، فأصيبت هورتينز Hortense بجنون مؤقت· وفي سنة 4081 أنجبت مولوداً آخر هو نابليون - لويس Napoleon Louis وفي سنة 8081 أنجبت آخر هو شارل - لويس - نابليون بونابرت Charles - Louis - Napoleon Bonaparte الذي أصبح فيما بعد نابليون الثالث Napoleon III·
وفي 5 يونيو سنة 6081 جعل الإمبراطور (نابليون) من أخيه صعب المراس (لويس) ملكاً على هولندا، فكان مستعداً لعشق الشعب الهولندي أكثر من استعداده لعشق زوجته· لقد أدرك إلى أيِّ مدى يعتمد رخاء هولندا على تجارتها مع إنجلترا ومستعمراتها، وعندما وجد الهولنديون سبيلاً لاختراق المنع المفروض على التجارة البريطانية لم يترددوا في اختراقه ورفض لويس (أخو نابليون) أن يُدينهم، ولكن نابليون قاوم هذا التصرف فأصر لويس (أخو نابليون) عليه، ووجه القوات الفرنسية إلى هولندا فتنازل لويس (أخو نابليون) عن عرش هولندا في أول يوليو سنة 0181 فألحقها نابليون بفرنسا وجعلها تحت حكمه المباشر· وتراجع لويس (أخو نابليون) إلى جراز Graz وأصبح مؤلفاً يكتب الشعر والنثر ومات في ليفورنو Livorno في سنة 6481·
وانفصلت هورتنز Hortense عن لويس (أخي نابليون) في سنة 0181 وتلقَّت من نابليون منحة مقدارها مليوني فرنك سنويا للعنابة بابنيها، وفي سنة 1181 أنجبت طفلاً آخر نتيجة علاقة مع الكونت شارل دي فلاهوت Charls de Flahaut إلاّ أن مدام دي ريموزا Remusat تُخبرنا - على أية حال - أن هورتنز كانت امرأة ذات تصرفات ملائكية·· وأنها صادقة جداً وطيبة القلب جداً، ولا تعرف الشر أبدا(8)· وبعد ترك نابليون العرش للمرة الأولى التحقت بأمها حيث اهتم بها القيصر اسكندر وأولاها رعايته· وقد اجتمعت مع لويس الثامن عشر مما أفزع البونابرتيين· وعندما عاد نابليون من إلبا Elba عملت كمضيفة له، وعندما تنازل عن العرش للمرة الثانية أعطته - سراً - قلادتها الماسية التي كانت قد اشترتها بمبلغ 000،008 فرنك، وقد تم العثور عليها تحت وسادته عندما مات في سانت هيلانة وأعادها الجنرال دي مونثولو de Montholon إلى هورتنز، فأنقذها - بذلك - من الفقر· وماتت في سنة 7381 ودُفنت بجوار رفاة أمها في رويل(9) Rueil· لقد عاشت حياة حافلة بالمفارقات في تلك الأيام العصيبة·
أما جيروم بونابرت Jerome أصغر إخوة نابليون فقد قسَّم حياته وزوجاته بين نصفي الكرة الأرضـية· وُلد جيــروم في ســنة 4781 وتم اســتدعاؤه وهو في السادسة عشرة من عمره للخدمـة في الحرس القنصلي، ودخل في مبارزة فجفرح فتمَّ إبعاده إلى البحرية فارتكــب كثيراً مــن حماقات الشباب الطائشة ودفع من جراء ذلك غرمات اقترض قيمتها من بورين Bourrienne الذي قدم إيصالات لنابليون بقيمة هذه الديون غير المستردة، وعندما كان جيروم فــي بريست Berst كتب لنابليون يطلب 000،71 فرنك فأجابه نابليون بالتالي:
تلقيتُ خطابك يا سيدي الملازم، وإنني في انتظار أن أسمع أنك تدرس - على متن سفينتك الحربية - مهنة أرجو أن تضع في اعتبارك أنها هي طريقك للمجد إنك لو مِت شاباً لكان في موتك بعض العزاء لي، لكن إن عشت حتى الستين من عمرك دون أن تخدم وطنك ودون أن تُخلِّف ذكرى مشرّفة، فتلك حياة كان من الأفضل لك ألا تحياها(01)·
وترك جيروم البحرية في جزر الهند الغربية ورحل إلى بلتيمور Baltimore وتزوج هناك وهو في سن التاسعة عشرة (سنة 3081) من إليزابث بترسون Patterson وهي ابنة تاجر محلّي، وعندما عاد بها إلي أوروبا رفض البلاط الفرنسي الاعتراف بهذا الزواج على أساس أن كليهما (الزوج والزوجة) لم يبلغا سن الرشد· ورفض نابليون دخول العروس إلى فرنسا، فاتَّجهت إلى إنجلترا وهناك أنجبت ابنا هو جيروم نابليون بونابرت وعادت إلى أمريكا فتلقَّت هناك موافقة نابليون على قدومها إلى فرنسا، وأصبحت بعد ذلك هي جدة شارل جوزيف بونابرت الذي شغل منصب وزير البحرية الاميركية في عهد تيودور روزفلت·
وعُيّن جيروم قائداً في الجيش الفرنسي، وأحرز مكانة حَفِيَّة في معارك 6081 - 7081 باستيلائه على عدة حصون بروسية، وكافأه نابليون بأن جعله ملكاً على وستفاليا Westphalia، وهي منطقة مؤلفة من مناطق بروسية بالإضافة إلي هانوفر وهس - كاسل Hesse - Cassel، وكي يُهيئ له شذاً ملكياً عمل على تزويجه من الأميرة كاترين ابنة ملك فيرتمبرج Whrttembergy· وفي 51 نوفمبر سنة 7081 أرسل نابليون إلى أخيه جيروم خطاباً يتجلَّى فيه بشكل جلي أنَّه لازال حاكما ملتزماً بالدستور:
إنني أرفق لك دستور مملكتك· إنه يضم الشروط التي أعلنتُ فيها كل حقوقي على المناطق التي فتحتُها، وكل ما لي من حقوق على دولتك· لابد أن تُراعيها بإخلاص··· لا تُنْصــت لألئك الذين يقولــون إن رعايــاك قــد اعتادوا العبوديــة وأنهم لن يشعروا بالامتنان لما تُقدمه لهم· ففي مملكة وستفاليا من الذكاء والوعي أكثر مما تظن، ولن يكون عرشك راســخ الأركان إلا بثقة الشعب وحبه· إن ما يُطالب به الرأي العام الألماني بإلحاح هو أنَّ الناس ليســوا برتبهم المتوارثــة وإنما بقدراتهم - وهذا الرأي سيكون لصالحك، فعليك أن تُزيل كلَّ أثر للقنانة (عبودية الأرض) والمواريث الاقطاعية بين السلطة والطبقات الأدنى درجة من رعيتك· إن مزايا مدوّنة نابليون القانونية، والمحاكمات العلنية، وأحكام القضاء ستكون ملامح بارزة في حكومتك··· لأن امتداد حكمك وترسيخه يعتمد في الأساس عليها أكثر من اعتماده على الانتصارات المدوية· أُريد أن يسعد رعاياك بدرجة من الحرية والمساواة والرخاء لم يعرفها الشعب الألماني حتى الآن·· إن هذه الطريقة في الحكم ستكون أقوى مانع حصين بينك وبين بروسيا· إنه مانع أقوى من الألب والحصون وحماية فرنسا(11)·
وكان جيروم لايزال شاباً لم يتجــاوز الثالثة والعشرين فلم يُقدِّر هذه النصيحة حق قدرها، فكــان يُعوزه ضبط النفس والرزانة اللذان يتطلبهما الحكم، وانغمس في الرفاهية وحرص على الأبهة والمظاهــر وعامل وزراءه كتابعين قليلي القيمة وجعل لنفسه سياسة خارجية خاصــة به، مما ضــايق أخاه الــذي كــان عليه أن يُفكر واضعاً في اعتباره القارة كلها· وعندما خسر أخوه (نابليون) معركة ليبتسج Leipzig الحيوية (3181) لم يستطع جيروم أن يجعل رعاياه موالين لقضية الإمبراطورية، فانهارت مملكته وفرَّ هو (جيروم) إلى فرنسا· وساعد أخاه بشجاعة في معركة واترلو Waterloo ثم فرَّ إلى حَمِية طالباً حمايته في فيرتمبرج Wurtemberg، وعاش عمراً مديداً حتى أصبح رئيساً لمجلس الشيوخ (السينات) في عهد ابن أخيه نابليون الثالث وأسعده الحظ بموته في سنة 0681 في أوج مملكة ميتة أخرى·
أما يوجين دي بوهارنيه Eugene de Beauharnais فكان تلميذا أفضل· لقد كان فتى محبوبا في الخامسة عشر من عمره عندما تزوجت أمه من نابليون، وقد امتعض في بداية الأمر من هذا الجنرال الشاب الفظ كمتطفل دخل أسرتهم وتزوّج أمه، لكنه سرعان ما أَنِس إلى نابليون الذي أولاه عاطفة وعناية· وكان يوجين سعيداً يكاد يطير فرحاً لأن نابليون - ذلك الغازي الشبيه بالإعصار - قد اصطحبه معه إلى إيطاليا ومصر كمعاون له· وتمزّقت مشاعره بين نابليون وأمه عندما علم بخيانتها، لكن الدموع التي ذرفها أعادت ارتباط أمه بزوجها (نابليون)، وبعد ذلك لم تتحطم أبداً الرابطة بينه (يوجين) وبين زوج أمه· وفي السابع من شهر يونيه عيَّن نابليون ابن زوجته هذا (يوجين) في منصب نائب ملك في إيطاليا، لكن نابليون قدَّر مدى ثقل المسؤولية التي ألقاها على عاتق شاب لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، فغمره بقدر كبير من النصائح:
بعهــدنا إليك حُكــم مملكتنا الإيطالية، إنما نقدم لك برهاناً على احترامنا لمسلكك· لكنــك لازلت في سن لا تسمح لك بالتحقق من سوء طويّة الناس أو ما يُضمرونه من سوء· وعلى هذا فإنني لا أستطيع أن أشدّد عليك كثيراً بضرورة الحرص والحذر، فرعايانا الإيطاليون أكثر لؤماً وخداعاً بطبيعتهم من مواطنينا الفرنسيين، والطريقة الوحيدة التي تستطيع بها أن تحتفظ باحترامهم وتحقق سعادتهم هي ألا تُولي أحداً منهم ثقتك الكاملة وألاً تُخبر أياً من الوزراء وذوي المراتب العليا في بلاطك بحقيقة ما تفكر فيه· إنني يجب أن أُركِّز لك على ضرورة الاحتياط لأمرك بإخفاء قَصْدك، وهو أمر يأتي للمرء - طبيعياً - في سن النضج··
قد يُحقُّ لك أن تفخــر لكونك فرنســياً، إلاّ فــي حالة واحدة وهي عندما تكون في منصــب نائـب الملك في إيطاليا، ففي هذا المنصب يجب أن تنسى أنك فرنسي واعتبر نفسك قد فشلت إذا لم يصدق الإيطاليون أنك تُحبهم· إنهم يعرفون أنه لا حُب دون احترام، تعلَّم لغتهم، ولا تكن غريبا عن مجتمعهم وخُصّهم باهتمام خاص في الحفلات والمناسبات·
قلّل من كلامك، هذا أفضل لك فأنت لم تتلَّق قدراً كبيراً من التعليم وليس لديك معلومات كافية تتيح لك أن تشترك في مناقشات عامة· تعلّم كيف تستمع، وتذكر أن الصمت لا يقل تأثيراً عن استعراض المعلومات· لا تُقلِّدني في كل مجال، فأنت تحتاج أن تكون متحفِّظاً بشكل أكثر· لا تترأس - غالباً - مجلس الدولة، فخبرتك لا تؤهلك للنجاح في هذا الموقع··· وعلى أية حال لا تُلْق خطباً في مجلس الدولة··· فقد يكتشفون فجأة أنك غير كفؤ لمناقشة مجريات الأمور··· فطالما أن الأمير (الملك) يمسك لسانه، فإن سلطاته تكون كثيرة كَثْرة تفوق الحصر، إذ يجب على الأمير (الملك) ألاّ يتحدث إلاّ إذا علم أنه هو الأكثر قدرة من بين كلِّ مستمعيه·
كلمة واحدة أخيرة: اجعل لعدم الأمانة عقاباً غليظا··(21)·
وقد أنجز يوجين ما كان يأمله منه الإمبراطور (نابليون) بمعاونة وزرائه أعاد تنظيم المالية وحسّن الخدمة المدنية وشيّد الطرق وطبق قوانين مدوّنة نابليون القانونية، وقاد الجيش الإيطالي بشجاعته المعهودة ومهارته المتزايدة، وزاره الإمبراطور المسرور من فِعَاله في سنة 7081، وانتهز الفرصة (بواسطة إعلان ميلان Milan Decree) بأن يَرُدَّ - بإجراءات صارمة - على الأمر البريطاني British Order in Couneil الذي يُطالب السفن المحايدة أن ترسو في ميناء بريطاني قبل التوجه للقارة الأوروبية· وبذل يوجين قُصارى جهده لتنفيذ الحصار القاري المثير· وظل موالياً لنابليون خلال الحروب وأثناء فترة تنازله عن العرش، وتوفي في سنة 4281 بعد موت نابليون (زوج أمه) بثلاث سنوات فقط· وقد كرر ستندهول Steendhal في أكثر من موضع ما يفيد حب الإيطاليين لذكرى حُكمه المتنوّر(31)·
ولأن نابليون كان يمتلك أراضي أكثر من إخوته، فقد أوقف على أخواته الكثير، فقد أعطى إليزا Elisa (ماريا أَنّا Maria Anna) وزوجها اللطيف فليس باكيوكوش Felice Bacciocchi مقاطعات بيومبينو Piombino ولوشا Lucca، فحكمتهما بطريقة جيدة - موَّلت المشروعات العامة، ورعت الآداب والفنتون وشجعت باجانيني Paganini - حتى أن نابليون جعلها في سنة 9081 دوقة توسكانيا الكبيرة Tuscany حيث واصلت أعمالها الخيّرة her dictatorial beneficnce·
أما بولين بونابرت Pauline التي اعتبرها نابليون أجمل نساء عصرها فقد وجدت أن ابداء مفاتنها على سرير واحد (المقصود لرجل واحد) أمر لا يُحتمل - ففي السابعة عشرة من عمرها تزوجت الجنرال شارل لكلير Leclere، وبعد ذلك بأربع سنوات أمرها نابليون بمرافقة زوجها إلى سان دومنجو St. Domingue لخوض معركة ضد توسّان لوفرتور Toussaint LصOuverture، وربما كان نابليون يقصد بهذا إبعادها عن جو العبث الذي يعلم أنها ستنخرط فيه بمجرد غياب زوجها· على كل حال فقد مات لكلير هناك بالحمّى الصفراء، فعادت بولين إلى أوروبا مع جثمانه، وقد زوى جمالها بفعل المرض· وفي سنة 3081 تزوجت الأمير كاميلو بورجيز Camillo Borghese لكنها سرعان ما راحت تمارس الزنا وراح كاميلو يبحث عن المتعة مع مشرفة البيت (القيِّمة على الخدمة) وطلب نابليون من خالها الكاردينال فش Fesh أن يوبخها أخبرها على لساني أنها لطيفة كما كانت وأنه في غضون أعوام قليلة ستغدو مرتبتها أدنى عندي بينما هي تستطيع أن تكون صالحة ومحترمة في كل أوجه حياتها(41) وانفصلت بولين غير الطاهرة عن الأمير وفتحت بيتها العامر لجماعة الأُنس· وجعلها نابليون دوقة لجوستالا Guastalla (في مقاطعة رجيو إميليا Reggio Emilia فــي إيطاليا) لكنهــا فضَّلت أن يكون لهــا بلاط فــي باريــس· وقــد تجــاوز نابليــون عن آثامها لافتتانه بنظراتها وطريقتها، وطباعها الطيبة حتى رأها - في المرآة - تسخر من إمبراطورتة الجديدة مــاري لويز Louise فنفاها إلى إيطاليا وســرعان ما أدارت صالونا في روما· وفي وقت لاحق (كما سنرى) هبَّت لمساعدته عندما أصابته الكوارث· وفي سنة 5281 عــادت لزوجهــا مرة أخــرى وماتــت بين ذراعيه، فقـــال رغم كل هذا فقد كانت أرق مخلوق في العالم(51)·
أما كارولين Caroline فكانت جميلة أيضاً، وكانت في أيامها الأخيرة أكثر تأثيراً وقد قيل لنا إنها كانت ناعمة الجلد مُشربة بحمرة، وكأنَّ جلدها قطعة من الساتان الأحمر، وكانت ذراعاها ويداها وقدماها متناسقة الخلق سوية كما هو الحال في آل بونابرت· وفي سن السابعة عشرة (9971) تزوجت جوشيم مورا Joachim Mura الذي كان قد حقق بالفعل شهرة في الحروب في إيطاليا ومصر· ولهذه الخدمات التي أداها ولإنجازه الحيوي في مارينجو Marengo تم تعيينه دوقاً لكل من بيرج Berg وكليف Cleves· وبينما كان منشغلاً في عاصمته دوسلدورف Dusseldorf بقيت كارولين في باريس وسمحت لنفسها بإقامة علاقات جنسية غير شرعية مع الجنرال جونو Junot الذي أرسله نابليون إلى بوردو Bordeaux، وعاد مورا إلى باريس ليرد زوجته إلى طريق الصواب، لكنه كان يهوى المعارك والتعرض للأخطار· وفي أثناء غيابه المتتابع في ساحات الحرب أخذت كارولين على عاتقها إدارة دوقيتهما، وكانت إدارتها حسنة حتى أن الناس لم يفتقدوا مورا الذي لم يكن يلفت نظرهم إلاَّ بزيه الجميل·
وفوق كل هذه العصبة من الإخوة والأخوات تتربع الأم ليتيزيا Letizia صارمة لا يخدعها شيء مستقيمة لا يُفسدها شيء· لقد شاركت ابنها فخاره لانتصاراته وشاركته الحزن العميق لما حلّت به من كوارث· وفي سنة 6081 جعلها نابليون - وقد بلغت السادسة والخمسين من عمرها - الإمبراطورة الأم وسمح بصرف مبلغ 000،005 فرنك لها كل عام· وقدم لها بيتاً جميلاً في باريس وخدماً كثيرين لكنها عاشت العيشة المقتصدة التي اعتادتها قائلة إنها توفّر تحسباً لظروف صعبة تُلم به (بابنها نابليون)(61)· وكانوا يخاطبونها بالأم Madame Mere لكن لم يكن لها نفوذ سياسي ولم تحاول ذلك· وصحبت ابنها (نابليون إلى إلبا Elba كما صحبته في عودته، وراحت تراقب أحواله بقلق أثناء دراما المائة يوم، وكانت تُصلِّي من أجله· وفي سنة 8181 قدَّمت طلباً للقوى الأوروبية بإطلاق سراحه من سانت هيلانه، مستعطفة من أجله لما أَلَمَّ به من أمراض خطيرة فلم يَرُد أحد على طلبها، وتحمّلت باستسلام قدريٍ كعادتها موت نابليون وإليزا وبولين وعدد من أحفادها، وماتت في سنة 6381 عن عمر يناهز السادسة والثمانين· آه يا لها من امرأة! Voila une femme!
ولم تؤتِ خطة أسرة بونابرت مفعولها وهذا يرجع في جانب منه أنها لم تُلب حاجة الشعوب التي حكمتها ويرجع في جانب آخر إلى أن كلَّ واحد من أفراد هذه الأسرة (فيما عدا يوجين) كان ذا نزعة فردية وله أفكاره الخاصة ورغباته - وكان نابليون أيضاً كذلك فقد كان يفكر في سلطته أولاً، ووضع قوانين ممتازة إذا قورنت بالنظام الاقطاعي الذي كان قد أصبح عديم الجدوى، لكنه - أي نابليون - تجنَّب فحوى هذه القوانين وخفف من وطأتها بمزايا عسكرية ومالية فرغم أنه حطّم الاقطاع إلاّ أنه أقام إقطاعاً آخر خاصاً به - ظناً منه أن بمنحه اقطاعات لإخوته وأخواته أصبحوا تابعين مُطيعين له يقدمون له المجندين إلزاماً وفقاً لحاجته في الحروب، ويقدمون له الضرائب في السلم· وقد دافع عن فكرته شارحاً أن كل المناطق - تقريباً - التي يحكمها بهذه الطريقة قد فُتحت عُنوة (تم إخضاعها بالقوة العسكرية) ومن ثم فأهلها رعايا لقانون الحرب وهم سعداء لخضوعهم لقوانين فرنسية حديثة وإمبراطور متنور هو بالنسبة لهم بمثابة أب· أما بالنسبة لأسرته فقد لخص الأمر بطريقة حزينة عندما كان في سانت هيلانه:
إنه لمن المؤكد أنني بائس فليس هناك من يخلفني في أسرتي، أو بتعبير آخر ليس لي ظهير منهم·· لقد قيل الكثير عن قوة شخصيتي، لكنني ضعيف وأستحق التوبيخ بسبب أسرتي، وكل أفرادها واعون بذلك· فبعد انتهاء العاصفة الأولى ضدي، كان إلحاحهم عليَّ لا ينتهي وفعلوا معي ما يشتهون (تصرفوا وفقاً لأمزجتهم)· لقد أخطأتُ خطأ كبيراً بسماحي لهم بذلك· لقد كنتُ أثق في أحكامهم، وكان يمكننا أن نسير سوياً حتى إلى القطبين فتهاوى كل شيء أمامنا· لقد كان علينا أن نُغيّر وجه البسيطة· لم يكن لدي حظ جنكيز خان فقد كان لديه أربعة أبناء لا هَمَ لهم إلاّ خدمته بإخلاص· إنني إذا ما جعلتُ من واحد من إخوتي ملكاً فإنه سرعان ما يظن أن العناية الإلهية هي التي جعلته ملكاً، وتنتقل هذه العبارة على نحو مرضىِّ للآخرين· فلا يعود هذا الذي عينته ملكاً قائداً يمكنني أن أوليه ثقتي وإنما يصبح عدواً جديداً عليَّ أن آخذ حِذْري منه إذ تغدو أعماله وجهوده سائرة في طريبق تأكيد استقلاله، لا لدعم أعمالي·· ثم إنهم بالفعل راحوا ينظرون لي بعد ذلك كعقبة في سبيلهم·· يا للبؤس! وعندما استسلمتُ كان عَزْلهم عن عروشهم مسألة تلقائية، لم يعمل لها الأعداء حساباً بل ولم يشغلوا بها فكرهم، ولم يستطع واحد منهم إثارة حركة شعبية، لقد كانوا محتمين بجهودي، لقد ذاقوا حلاوة الملك، أما الأعباء فقد تحملتُها وحدي(71)·
ولأن نابليون فتح كثيرا ًمن المناطق والمقاطعات فلم يكن هناك العدد الذي يكفيها من الأمراء من أسرته فقد عيَّن بعض جنرالاته وأفراد حاشيته على بعض البلاد dependencies الصغيرة ذات الأهمية الاستراتيجية القليلة، وعلى هذا فقد تولى المارشال بيرثييه Berthier مقاطعة نيوشاتل Neuchatel وأصبح كامباسير Cambaceres أمير بارما Parma وأصبح ليبرون Lebrun دوق بياسنزا Piacenza· وتم اقتطاع اثنتي عشرة دوقية صغيرة من مناطق إيطالية أخرى: وأصبح فوشيه Fouche دوقاً على أوترانتو Otranto وسفاري Savary دوقاً على روفيجو Rovigo· وأخيراً كان أمل نابليون هو أن يجعل من إيطاليا دولة واحدة ويجعلها وحدة في اتحاد فيدرالي أوروبي بقيادة فرنسا وأسرته الحاكمة· وكان من الممكن حدوث هذا، فقط إذا كانت هذه الوحدات المتنافسة والمختلفة والمعتزة بخصوصيتها على استعداد لتكون جزءاً من كل، وعلى شيء من الاستعداد للتخلّي لسلطة بعيدة منها وأجنبية عنها عن حق كتابة قوانينها وتنظيم تجارتها!·