قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> المملكة الميتة -> فوشيه وتاليران والنمسا

5- فوشيه وتاليران والنمسا


1809


عندما وصل نابليون إلى باريس (32 يناير) وجد المؤامرات تختمر وسط استياء عام· فقد وصلت خطابات من الجنود من الجبهة إلى مئات من الأسر الفرنسية تُفيد أن المقاومة الاسبانية أعادت تشكيل قواها وأنها موطدة العزم علي طرد الفرنسيين، وأن ولسلي (أو ولزلي) Wellesely الذي تزداد قواته سيتحرك حالاً لطرد جوزيف (أخي نابليون) من مدريد مرة أخرى· ومن الواضح أن الحرب ستستمر وأن الصبية الفرنسيين سيجندون إلزامياً عاماً إثر عام ليفرضوا على الأسبان حكومة معادية لكنيستهم القوية وغريبة عنهم ومجرد وجودها يحطم كبرياءهم· وواصل الملكيون في فرنسا مؤامراتهم للإطاحة بنابليون رغم تحركاته لاسترضائهم، وتم القبض على ستة متآمرين منهم فأعدموا رمياً بالرصاص في سنة 8081، وتم إعدام آخر هو أرمان دي شاتوبريان Armand de Chateaubriand في فبراير سنة 9081 رغم توسلات أخيه رينيه Rene الذي كان وقتها أحب كتّاب فرنسا للجماهير، وكان مصير عدد من اليعاقبة - لأسباب أخرى مختلفة - الموت أيضاً· وحتى في دوائر الحكومة الإمبراطورية بلغ السخط ذروته فقد راح فونتان Fontanes يردد لدى معارفه الكتومين أن الإمبراطور مجنون، مجنون تماماً، سيدمر نفسه ويدمرنا جميعاً وقال القول نفسه ديكري Decres لكن بشكل علني(93)·
أما فوشيه وزير الشرطة فكان قد اكتسب تعاطف نابليون ومديحه لاكتشافه مؤامرات اغتياله لكن فوشيه كان قد بدأ يتشكك على نحو متزايد في سياسات سيده (نابليون) وفي أن مستقبله الشخصي سينتهي إلى انهيار لا مفر منه، لقد شعر فوشيه أن حكومتي النمسا وبروسيا المهزومتين واللتين رغم هزيمتهما لازالتا تحسان بالكبرياء، وحكومة روسيا المؤيدة تأييداً سطحياً (ظاهيراً) لفرنسا - سوف تتحد من جديد، عاجلاً أم آجلاء، يمؤلها الذهب البريطاني للقيام بانتفاضة أخرى ضد السيطرة الفرنسية غير المريحة· وأكثر من هذا فإن نابليون قد يفقد حياته في واحدة من المعارك القادمة· فليس من المستبعد أن تصيبه طلقة تقضي عليه كتلك الطلقة التي انهت - منذ وقت غير بعيد - حياة جنرال كان يقف إلى جانبه· إنه لا يجب أن يُوقع موته المفاجئ - ولا وريث له - فرنسا في فوضى تجعلها غير مهيأة للدفاع ضد أعدائها· وربما كان ميتران يحث على الانضمام لمن يهيئون مورا Murat للعرش إذا ما خلا بموت نابليون· وفي 02 ديسمبر سنة 8081 اتفق تاليران وفوشيه على أن مورا Murat هو رجلهم المنشود، وكان مورا مجنداً· ولما تشمَّم يوجين (ابن زوجة نابليون) أخبار المؤامرة وأخبر بها أم نابليون أرسلت سريعاً من ينقلها له في أسبانيا(04)·
وكان نابليون على استعداد لمسامحة فوشيه أكثر من استعداده لمسامحة تاليران، فنصيحة فوشيه كانت غالباً في الجانب الآمن لكن تاليران كان قد أوصى بإعدام دون دنجهين (يكتب أيضاً دنجان) dصEnghien كما كان قد شجع الاستيلاء على أسبانيا، وربما كان شريكاً في مسؤولية عدم تجاوب اسكندر بالقدر الكافي· وفي 42 يناير سنة 9081 أعرب نابليون عن استيائه الشديد من تاليران بعد أن كان قد كظم غيظه فترة طويلة، وذلك عندما رآه في مجلس الدولة· لقد انفجر نابليون موبخاً إياه علناً: اتجرؤ أيها السيد أن تقول أنك لم تكن تدري شيئاً عن موت إنجهين (دنجان)!! أتجرؤ على مواصلة القول أنك لا تدري شيئاً عن الحرب الأسبانية··! أنسيت أنك نصحتني كتابة بإعدام انجهين (دنجان)؟ أنسيت أنك نصحتني في خطاباتك بإحياء سياسة لويس الرابع عشر (أي بترسيخ أفراد أسرته على عرش أسبانيا) ومن ثم لوّح بقبضته في وجه تاليران وصاح فلتفهم هذا: إذا كان لابد أن تنفجر الثورة، فستكون أول من يُسحق، مهما كان الدور الذي لعبته فيها·· إنك قذارة في جورب حريري· وما أن قال نابليون ذلك حتى سارع بمغادرة القاعة، وسار تاليران مترنحاً وراءه وقال لمستشاريه يا للأسف أيتصرف مثل هذا الرجل العظيم على هذا النحو السيئ!(14) وفي صباح اليوم التالي أنهى نابليون كل المهام الموكلة إلى تاليران وأوقف راتبه الذي كان يتقاضاه كموظف كبير في البلاط· لكن نابليون سرعان ما اعتذر عن نوبة انفعاله - كما هي عادته - ولم يُبدِ اعتراضاً على استمرار تاليران في الحضور إلى البلاط· وفي سنة 2181 كان نابليون لايزال يقول: لقد كان تاليران أفضل وزير عندي على الإطلاق(24)· ولم يترك تاليران أية فرصة للإسراع بسقوط نابليون·
وكانت النمسا تقوم بدورها، فقد كان كل أهلها من فقراء إلى أغنياء تواقين للقيام بمحاولة للتحرر من هذا السلام الثقيل (المفروض) الذي فرضه نابليون على النمسا· وكان الإمبراطور فرانسيس الأول هو وحده المتردد بحجة أن مستلزمات إعداد الجيش ستؤدي بالدولة إلى الإفلاس· وأرسل إليه تاليران كلمات تشجيع: إن الجيش الفرنسي العظيم متورّط في المستنقع الأسباني والرأي العام الفرنسي يعارض الحرب بشدة، ووضع نابليون قلق ومشكوك فيه(34)· وكان مترنيخ Metternich حتى الآن مترددا، وحذَّر نابليون الحكومة النمساوية من أنها إذا استمرت في التسلّح فإنه سيبني في فرنسا جيشاً آخر مهما كانت التكاليف، ولن يكون أمامه سوى هذا الاختيار· لكن النمساويين واصلوا تسليح أنفسهم فطلب نابليون من اسكندر تحذيرهم، فأرسل القيصر لهم كلمة تحذير يمكن تفسيرها على أنها متأخرة تأخراً مقصودا· واستدعى نابليون فرقتين من أسبانيا وجمع 000،001 مجند إلزامي وأتاه بناء على أوامره 000،001 جندي من كونفدرالية الراين، وكان أهل هذه الكونفدرالية خائفين على حياتهم إذا اجتاحت النمسا فرنسا، وبحلول أبريل سنة 9081 كان تحت إمرة نابليون 000،013 مقاتل، وتم تنظيم قوات منفصلة قوامها 000،27 مقاتل فرنسي و 000،02 مقاتل إيطالي لحماية يوجين (ابن زوجة نابليون) والمُعَيَّن في منصب نائب الملك في إيطاليا من جيش نمساوي أُرسل إلى إيطاليا بقيادة الأرشيدوق جوهان (يوهان Johann) وفي 9 أبريل غزا الأرشيدوق كارل لودفيج Ludwig بافاريا على رأس قوة من 000،02 مقاتل، وفي 21 أبريل وقَّعت إنجلترا تحالفاً جديداً مع النمسا وتعهدت بتقديم معونات جديدة لها· وفي 31 أبريل غادر نابليون باريس قاصداً ستراسبورج Strasbourg بعد أن أعلن لموظفي قصره المرتاعين في غضون شهرين سأجبر النمسا على نزع السلاح وفي 71 أبريل وصل إلى جيشه الرئيسي في دونّاوفوث Donauworth على الدانوب وأصدر أوامره النهائية بنشر قواته (تكوين جبهة مستعرضة) وانتصر الفرنسيون في بعض المواجهات الصغيرة في أبنسبرج Abensberg ولاندشت Landshut (91 و 02 أبريل) وقاد المارشال دافو Davout في إكموهل Eckmuhl (22 أبريل) هجوماً لا يُقاوم على الجناح الأيسر لقوات الأرشدوق كارل لودفيج Ludwig بينما هاجمت القوات التي على رأسها نابليون القلب ولم يتراجع كارل إلا بعد أن فقد 000،03 من رجاله، وكان تراجعه إلى بوهيميا· وزحف نابليون بقواته إلى فيينا فدخلها في 21 مايو بعد أن عبرت قواته إلى الشاطئ الأيمن للدانوب، وكان عبوراً شاقاً استلزم جُهداً فائقاً اتسم بالشجاعة إذ كان عرض النهر عن نقاط العبور ثلاثة آلاف قدم· وفي الوقت نفسه أعاد كارل تنظيم قواته وقادها إلى الشاطئ الأيسر للنهر عند إسلنج Essling· وحاول نابليون أن يعبر النهر من جديد ليلتقي به أملاً في أن يهزمه في معركة حاسمة، لكن فيضان النهر كان مرتفعاً فأزاح ماؤه الجسور الرئيسية التي أقامها الفرنسيون وكان يتعين عليهم ترك جزء من الجيش الفرنسي وكثير من الذخيرة إذا كان لابد من العبور، وفي 22 مايو وجدت قوات نابليون البالغ عددها 000،06 (التي تمكنت من العبور) نفسها تستعد لخوض معركة مع 000،511 نمساوي، وبعد أن فقد الفرنسيون 000،02 قتيل - كان لان Lannes المحبوب منهم - أمر نابليون من تبقى 000،04 بالعودة (الرجوع عبر النهر) بأية وسائل ممكنة· وفقد النمساويون 000،32 ومع هــذا فـإن هــذه المواجهــة اعتبــرت فــي سـائر أنحاء أوروبا هزيمة ماحقة ألمَّت بنابليون· وراحت بروسيا وروسيا ترقبان نتائج الموقف بشغف، وهما على استعداد - عند أي بارقة أمـل - للانقضــاض على هذا المدعي المزعج الذي أفلت مرات عديدة من قبضة سادة الاقطاع·
وفي إيطاليا أصبح مصير يوجين (الذي عينه نابليون في منصب نائب الملك) متأرجحاً مع الأحداث، فقد أصبحت Milan - قاعة حكمه - غير آمنة بسبب ازدياد سخط الناس من طريقة معاملة نابليون للبابا، رغم حكم يوجين المعتدل· لقد قاد يوجين جيشه وهو في حالة ذعر بيِّنة ليواجه الأرشيدوق جوهان Hohann، وهزم في تاجيليامنتو Tagliamento في 61 أبريل وكان من الممكن أن يتعرّض لما هو أسوأ لولا أن جوهان (يوهان Johann) - عند سماعه انتصار نابليون في إكموهل Eckmuhl استدار عائداً يحدوه أمل يائس أن يُنقذ فيينا، وترك يوجين إيطاليا مجازفاً بملكه كي يدعم بقواته جيش زوج أمه، فتحرك بقواته أيضاً إلى الشمال ووصل بقواته إليه وخاض معه معركة فاجرام Wagram·
وعمد نابليون - بعد الخيبة التي ألمت به في اسلنج Essling إلى تدعيم قواته ومدفعيته وأمر بتشييد الجسور على الدانوب، وحصن جزيرة لوباي Lobay تحصيناً جيداً وجعل منها معسكراً حصيناً، ومركزاً لإصلاح السفن، وإعداد الذخيرة، ولا تبعد هذه الجزيرة سوى ثلاثمائة قدم عن الشاطئ الأيسر للنهر· وفي الرابع من يوليو أمر قواته بالعبور مرة زخرى، وأدرك نابليون أن قواته كثيرة العدد وأن كارل لودفيج Ludwig يتراجع للشمال، فتعقّبه والتقى الجمعان في فارجام (وارجام Wargam) التي تعد واحدة من أعنف المعارك في التاريخ إذ أريقت فيها دماء غزيرة، وكان عدد القوات الفرنسية والحليفة لها 000،781 بينما كان عدد القوات النمساوية والمتحالفة معها 000،631· لقد حارب النمساويون ببسالة وكانوا في وقت من أوقات المعركة قريبين من النصر، لكن نابليون كان متفوقاً في عدد جنده وفي براعة تكتيكاته، فغيّر اتجاه المعركة فبعد يومين (5 و 6 يوليو 9081) استحر فيهما القتل من الطرفين أمر كارل قواته بالانسحاب بعد أن فقد 000،05 من رجال· وفقد نابليون في هذه المعركة 000،43 وبقي معه 000،351، بينما كان المتبقي مع كارل 000،68· لقد أصبحت النسبة بينهما لصالح الفرنسيين تكاد تكون 2:1، وطلب الأرشيدوق الذي اعتراه الجزع الهدنة وأسعد هذا الطلب نابليون فوافق عليه·
وتمركز نابليون في شونبرون Schongrunn مع مدام فالفسكا Walewska وأسعده أن يعلم أنها حامل· إنه يستطيع الآن أن يقول إن عدم إنجاب جوزفين إنما كان بسببها لا بسببه· وكان زوج ماري Marie الهرم متسامحاً بما فيه الكفاية حتى أنه عفا عن خيانتها الزوجية ودعاها للعودة إلى مقره في بولندا، واستعد للاعتراف بالطفل الوليد باعتباره ابناً له(44)·
وتباطأت مفاوضات السلام طوال ثلاثة أشهر وكان هذا - في جانب منه - لأن كارل لودفيج Ludwig لم يستطع أن يقنع أخاه فرانسيس الأول باستحالة تنظيم مزيد من المقاومة، بالإضافة إلى أن فرانسيس الأول كان يأمل أن تهب بروسيا وروسيا لمساعدته· وساعد نابليون القيصر اسكندر على مقاومة هذا العرض بأن قدّم له جزءاً من جاليسيا Galicia ووعده بعدم استرداد مملكة بولندا، وفي أول سبتمبر أخبر القيصر النمسا أنه ليس مستعداً لنقض تعهداته مع فرنسا· وظلت المفاوضات النمساوية متعثرة فأصدر نابليون إنذاراً، وفي 41 زكتوبر وقع الطرفان معاهدة شونبرون Schonbrunn أملتها فرنسا في القصر الملكي على أعدائها القدامى من الهابسبرج· وتنازلت النمسا - بمقتضى هذه المعاهدة - عن إنفيرتل Innvertel وسالزبورج (سالستبورج Salzburg) لبافاريا، وأصبح جزء من جاليسيا تابعاً لروسيا، وجزء آخر لدوقية وارسو (فرسافا) الكبيرة في مقابل ما بيد النمسا من بولندا المقسّمة· واستولت فرنسا علي فيوم Fiume وإستريا Isteria وتريست Triest والبندقية (فينيسيا Venezia) وجزء من كرواتيا ومعظم كارينثيا Carinthia وكارينولا Carniola، وبدا يكون قد انسلخ من النمسا 000،005،3 مواطن من دافعي الضرائب وكان عليها أن تدفع 58 مليون فرنك كتعويض حرب لفرنسا، لقد استولى نابليون على كل ذلك باعتباره حقاً له، وبعد ذلك بستة أشهر توّج أسلابه بتزوجه من أرشدوقة (أميرة) نمساوية·



صفحة رقم : 14593