قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> المملكة الميتة -> الزواج والسياسة
6- الزواج والسياسة
1809- 1811
غادر نابليون فيينا في 51 أكتوبر سنة 9081 ووصل إلى فونتينبلو Fontainebleau في 62 من الشهر نفسه، وشرح لأقاربه الحميمين ومستشاريه قراره بطلب الطلاق، فأجمع جميعهم - تقريباً - على الموافقة، لكن نابليون لم تواته الشجاعة على الإفضاء بعزمه إلى جوزفين إلاّ في 03 نوفمبر، فرغم إفراطه في المعاشرة الجنسية واللهو - وهو الأمر الذي كان يراه حقاً مشروعاً للمقاتل البعيد عن وطنه - إلاّ أنه كان لا يزال يحب جوزفين وقد أدى انفصاله عنها إلى معاناة عاطفية استمرت عدة شهور·
لقد كان نابليون يعرف عيوبها - كسلها، وفتورها، ومبالغتها في التبرج، وإسرافها في استخدام الثياب والجواهر، وضعفها الشديد أمام بائعي القبعات النسائية ومصمميها الذين يأتون لعرض بضاعتهم عليها لقد اشترت كل ما أحضروه إليها دون أي اعتبار للسعر(54) وأكثر من مرة زادت ديونها زيادة أدت إلى امتعاض زوجها امتعاضاً شديداً فطرد البائعات المتجمعات عند مقرّها وعنّفها ودفع ديونها· وقد اعتمد نابليون لها 000،006 فرنك سنوياً لنفقاتها الشخصية و 000،021 فرنك سنوياً لتهب منها من تشاء لأنه كان يعلم أنها مُلزمة بتقديم الصدقات والهبات(64)· وكان نابليون يتساهل مع عشقها للألماس ربما لأن التحلي به يجعلها فاتنة رغم بلوغها الثانية والأربعين، لقد كانت كلها مشاعر وأحاسيس ولا تملك من العقل شيئاً اللهم إلاّ الحكمة التي وهبتها الطبيعة للنساء والتي بها يقدرن على اللعب بالرجال· لقد قال لها نابليون يا جوزفين إن لك قلبا ممتازاً وعقلاً فارغاً(74) وقلما كان يسمح لها بالحديث في السياسة وعندما كانت تقاومه وتتحدث في الأمور السياسية فإنه سرعان ما كان ينسى وجهات نظرها· لكنه كان شاكراً ممتنا لأحضانها الدافئة الحارة وجسدها المؤثر، وحلاوتها التي لا تخف تدريجياً عند اللقاء، وبراعة تخلصها(84) كما كان شاكراً ممتناً لاعتدالها وامتيازها في ممارسة كثير من مهامها كإمبراطورة· لقد أحبته حباً شديداً، وأحبها هو بعد السلطة، وعندما اتهمته مدام دي ستيل Stael بأنه لا يحب النساء أجاب ببساطة أنا أحب زوجتي(94) ويعجب أنطوان أرنول Antoine Arnault من إمبراطورية تديرها جميلات لطيفات واهنات يحكمن رجالاً مستبدين متشددين كأشد ما يكون الاستبداد والتشدد· لقد كان كل الرجال يجبنون أمام تصميمه ومع ذلك لم يكن بمستطيع مقاومة دموع امرأة(05) فكما قرر نابليون - بعد ذلك - في سانت هيلانه إنني بشكل عام كنت مستسلماً أمامها(15)·
لقد كانت جوزفين تعرف منذ وقت طويل أن نابليون في توق شديد لوريث من صُلبه ليرث الحكم بشكل شرعي ومقبول، وكانت تعلم خوفه من أن يؤدي موته أو أسره أو إصابته بمرض عضال إلى نزاع مجنون على السلطة بين الفرقاء المتنازعين والجنرالات، وأن تتحول فرنسا المنظمة والمزدهرة والقوية التي بناها إلى حُطام وأن تعود للإرهاب - الدموي أو الأبيض - كما كانت على الحالة التي أنقذها هو نفسه منها في سنة 9971، وكان من رأيه أن وريثاً شرعياً من صلبه تنتقل إليه السلطة بشكل تقليدي سيُعفي فرنسا من ذلك كله·
وعندما أخبر نابليون زوجته جوزفين أخيراً بأن عليهما أن ينفصلا وهنت وغابت عن الوعي لعدة دقائق، فحملها نابليون إلى غرفتها واستدعى طبيبه جان - نيقولا كورفيزار دي مارت Jean - Nicolas Corvisart des Marets وطلب مساعدة هورتينز Hortense لتهدئة أمها، وظلت جوزفين طوال أسبوع مصرّة على رفض الطلاق، وفي 7 ديسمبر وصل يوجين Eugene من إيطاليا وأقنع أمه بالموافقة· قطيب نابليون خاطرها بكل وسيلة وقال لها: سأظل على حبّك دائماً لكن السياسة لا قلب لها، ففي السياسة لا مجال إلا للعقل(25) وقال لها انها ستظل دائما محتفظة بلقب سيدة القصر القصر الملكي وملحقاته ولقب إمبراطورة وبراتب سنوي كبير، وأكد لأبنائها أنه سيظل دائما وحتى آخر حياته كأب محب·
وفي 61 ديسمبر أصدر مجلس الشيوخ - بعد أن سمع رغبة كل من الإمبراطور والإمبراطورة في الطلاق - مرسوم الطلاق، وفي 21 يناير أُعلن رئيس أساقفة باريس فصل عُرى زواجهما، وتساءل عدد كبير من الكاثوليك عن مدى شرعية هذا الطلاق، ولم يُوافق معظم سكان فرنسا على هذا الانفصال، وتنبأ كثيرون أنه من الآن فصاعداً سيتخلى الحظ الحسن عن نابليون، ذلك الحظ الحسن الذي كان يتبعه دائما كظله(35)·
لقد طغت السياسة على الحب وراح نابليون يبحث عن شريكة لحياته ليس فقط على أمل أن تكون أماً (لولي عهده) وإنما أيضاً ليكوّن عن طريقها بعض الروابط والصلات التي تُعين على تحقيق السلامة لفرنسا، وتشد من أزر حكمه· ففي 22 نوفمبر (قبل إفضائه لجوزفين برغبته في الطلاق بثمانية أيام) أرسل نابليون بتعليمات إلى كولينكور Caulaincourt سفيره في سان بيترسبورج St. Petersburg (بطرسبرج) أن يقدم طلباً رسمياً لاسكندر طالباً يد أخته البالغة من العمر ستة عشر عاماً - أنَّا بافلوفا Anna Pavlova· وكان القيصر يعلم أن أمه التي كانت تطلق على نابلين اسم الملحد لن توافق أبداً على مثل هذا الارتباط فأرجأ الإجابة على الطلب أملاً في أن يحصل من نابليون على مقابل مُمثَّل في حصوله على بعض المناطق (الأخرى) في بولندا· لكن نابليون بعد أن نفد صبره لطول المفاوضات في هذا الأمر ولخوفه أيضاً من الرفض - أرسل يوعز إلى مترنيخ Metternich أنَّ النمسا ستتتلقّى اقتراحاً لطيفاً بشأن الأرشيدوقة (الأميرة) ماري لويز Marie Louise· وعارض كامباسير Cambaceres الخطة متنبئاً أن هذا الارتباط سيؤدي إلى إنهاء التحالف الروسي مع فرنسا وسيؤدي للحرب(45)·
ولم تكن ماري لويز Marie Louise البالغة من العمر ثمانية عشر عاما - جميلة، لكن كان يكفي نابليون أن عينيها زرقاوتان، وخديها متوردان وشعرها كستنائي وطبعها هادئ وذوقها بسيط، وكانت كل الأدلة تؤكد عذريتها (لم يطمسها قبله إنس) وخصوبتها (إمكان انجابها)· وقد تلقت قدراً طيباً من التعليم وتعرف عدة لغات وكانت بارعة في الموسيقا والرسم، وقد تعلمت منذ طفولتها أن تكره طالب يدها (نابليون) باعتباره شريراً بل أكثر أهل أوروبا امتلاء بالشر، لكنها تعلمت أيضاً أن الأميرة بضاعة سياسية يرتبط فهمها للرجال بصلاح الدولة· ومع هذا فلابد أن هذا الغول سيئ السمعة (المقصود نابليون) يمثل تغييرا مثيراً لفتاة محكومة تخضع لإشراف دقيق طال شوقها لعالم أكثر رحابة·
وعلى هذا ففي 11 مارس سنة 0181، وفي فيينا تم زواجها رسمياً من نابليون الذي لم يكن حاضراً وإنما مثله المارشال بيرثييه Berthier· وتحرك ركب الأميرة المكوّن من ثلاث وثمانين عربة ومركبة طوال خمسة عشر نهارا وليلة مصحوبة بالاحتفالات والترحيبات ليصل الركب إلى كومبيين Compiegne في 72 مارس· لقد كان موكبها كموكب زفاف ماري أنطوانيت في سنة 0771· وكان نابليون قد رتّب أموره للقائها في كومبيين هذه لكن - فضولاً منه أو لطفاً - انطلق ليقابلها مرحباً بالقرب من كورسيل Courcelles وعندما رآها·· لكن دعنا نتركه هو يروي لنا ما حدث: لقد خرجت من المركبة بسرعة وقبّلت ماري لويز Maire Louise· لقد كانت الطفلة الساذجة قد حفظت عن ظهر قلب حديثاً طويلاً كان عليها أن تردده على مسامعي وهي راكعة·· وكنت قد سألتُ مترنيخ وأسقف نانت Nantes عمّا إذا كان يمكنني الليلة أن أكون تحت سقف واحد مع ماري لويز فأزاحوا كل شك علق بي وأكدا أنها الآن الإمبراطورة، وليس الأميرة (الأرشيدوقة) ··· وعكفتُ عليها في غرفة نومها لا أبرحها إلاّ إلى المكتبة، وسألتها عمّا قالوه لها عندما غادرت فيينا، فأجابتني بسذاجة شديدة أن أباها وفراو لاتسانسكي Lazansky قد وجهاها بأن قالا لها: حالما تصبحين مع الإمبراطور ولا ثالث معكما عليك أن تفعلي كل ما يطلبه منك تماماً، عليك أن توافقي على كل شيء يطلبه منك لقد كانت مبهجة·
وقد أراد السيد سيجو Segur منّي ألاّ أظهره لها(!) مراعاة للتقاليد، لكنني بعد أن تزوجتها فعلاً أصبح كل شيء على ما يرام، وقلت له: اذهب إلى الشيطان(55)·
في أول أبريل أصبح الاثنان زوجين وفقاً للإجرادات المدنية وذلك في سان كلود St. Cloud وفي اليوم التالي أصبح زواجاً دينياً في الصالة الكبرى في اللوفر Louvre، ورفض كل الكاردينالات تقريبا حضور المراسم الدينية للزواج على أساس أن البابا لم يلغ زواج جوزفين، فطردهم نابليون الى الأقاليم (المحافظات أو الدوائر) لكن هذا لم يعكر صفوه فقد كان مغموراً بالسعادة من نواح أخرى· لقد وجد عروسه باعثة على المسرّة حسياً واجتماعياً - متواضعة ومطيعة وكريمة ورقيقة· إنها لم تعرف أبداً أن تحبه لكنها كانت رفيقة جذابة· وهي كإمبراطورة لم تحقق جماهيرية كالتي حققتها جوزفين، لكن صارت مقبولة كرمز لانتصار فرنسا على ملكيات أوروبا العدوانية·
ولم ينس نابليون جوزفين فكان يزورها تباعاً في مقرها حتى أن ماري بدأت في الاستياء، فاضطر للتوقف عن زيارتها لكنه راح يرسل لها خطابات دافئة، جميعها تقريبا تبدأ بعبارة يا حُبّي(65) وقد أجابت جوزفين على أحد هذه الخطابات من نافار Navarre في نورماندي Normandy في 12 أبريل سنة 0181: ألف ألف شكر لك لأنك لم تنسني· لقد أحضر إليّ ابني خطابك تواً· لقد اعتراني الضعف عند قراءته· وأي ضعف!·· فلم يكن به أي كلمة إلا وجعلتني أبكي، لكنها كانت دموعاً حلوة···
لقد كتبتُ إليك عند مغادرة مقر إقامتي في باريس Malmaison، وبعد مغادرتني رغبت كثيراً في الكتابة إليك أكثر من مرة، لكنني أحسست بأسباب سكوتك وخشيت أن أكون مزعجة···
كن سعيداً، كن سعيداً فأنت تستحق السعادة، إنني أحدّثك بكل قلبي· لقد أعطيتني أيضاً نصيبي من السعادة، وهو نصيب أُحس به إحساساً قوياً··· وداعاً يا صديقي، وأشكرك بكل الحب فسأحبك دائماً(75)·
وراحت جوزفين تُسلي نفسها باشباع هوايتها في ارتداء الملابس والحُلي واستقبال الضيوف· وكان نابليون قد اعتمد لها ثلاثة ملايين فرنك سنوياً لكنها كانت تنفق أربعة ملايين، وبعد وفاتها في سنة 4181 لاحقته بعض فواتير مُشترواتها التي لم تُدفع في إلبا(85) Elba لقد جمعت جوزفين في مقر إقامتها Malmaison أعمالاً فنية كثيرة هيأت لها صالة عرض وكانت تُنفق على الولائم ببذخ· وكانت قيمة تكاليف دعواتها تلي مباشرة تكاليف زوجة نابليون (ماري لويز) وراحت تاليا Tallien الأميرة الأربعين لشيماي Chimay - تزور جوزفين ويتذكران معاً أيام حكومة الإدارة ونفوذهما القوي الذي جعلهما كملكتين، وزارتها الكونتيسة فالفسكا Walewska فاستقبلتها جوزفين بحفاوة وراحتا معاً يندبن حظمها لضياع حبيبهما (نابليون)·
لقد قضى نابليون عامين كان فيهما سعيداً وفي سلام نسبي، فقد وسَّعت معاهدة شونبرون Schonbrunn مملكته وأثرت خزانته وفتحت شهيته، فقد ضمّ إلى ملكه الولايات الباباوية (71 مايو 9081) وأعاد أخاه جوزيف (يوسف) إلى عرشه في مدريد، وفي سنة 0181 وقّعت السويد - التي طال عدواؤها له - معاهدة سلام مع فرنسا وانضمت للحصار القاري المضاد (المقصود منع التعامل مع البضائع البريطانية) وفي شهر يونيو قبلت - بناء على إلحاحه - أن يكون وريثاً للعرش السويدي· وفي ديسمبر ابتلع هامبورج وبريمن ولوبك Lubeck وبيرج وأولدنبورج Oldenburg وضمها للإمبراطورية الفرنسية· وأدت رغبته الشديدة في اغلاق كل موانئ القارة الأوروبية في وجه التجارة البريطانية إلى أن أصبح في نظر أعدائه غازياً نَهِماً لا يشبع يجمع الديون لأرباب الحقد والحسد·
وكانت الأمور الداخلية هادئة ومستتبة، فكانت أحوال فرنسا مزدهرة، وكان شعبها يحس بالفخار، ولم يكن هناك ما يعكر صفو أنسياب الماء في النهر سوى ما أحدثه طرد فوشيه Fouche نهائيا لازدياد نفوذه زيادة كبيرة· وقد تم تعيين سافاري Savary بدلاً منه كوزير للشرطة وعاد فوشيه إلى اكس - ان - بروفنس Aix - en. Provence ليدبِّر للانتقام لنفسه· أما الأمور الخارجية فلم تكن بمثل هذه السهولة؛ فهولندا كانت في الغاية من الاستياء لفرض الحظر على السفن البريطانية· وفقدت إيطاليا صبرها لسوء معاملة نابليون للباباوية، وكان الإيطاليون يفخرون بأنهم مقر الباباوية، وكان ولينجتون Wellington يبني جيشاً في البرتغال ليفزو به أسبانيا· وفيما وراء الراين Rhine كانت الدول الألمانية الخاضعة لحكم بونابرت متذمرة من الأعباء الضريبية في انتظار بعض الحماقات الإمبراطورية لتعود مرة أخرى لحكم سادتها السابقين الأكثر ملاءمة لها·
ومع هذا فقد كانت ماري لويز Marie Louise حاملاً وكان الإمبراطور السعيد يَعُد الأيام لوضعها هذا المولود· وعندما اقترب الحدث أحاطه بكل الطقوس الاحتفالية ذوات المهابة التي كانت تصاحب - تقليدياً - ميلاد طفل من البوربون، فجرى الإعلان إنه إن كان المولود طفلة فستسمع واحداً وعشرين طلقة مدفع تحية للمولودة أما إن كان المولود ذكراً فستستمر الطلقات إلى مئة وواحد· وكانت عملية الوضع شاقة جدا، فقد (أراد) الجنين أن يأتي للعالم بقدميه أولا، وقال الدكتور كورفيزار Corvisart لنابليون إنه إما أن يضحي بحياة الأم أو بحياة الوليد، فقيل له أن ينقذ الأم مهما كان الأمر(95)· واستخدم طبيب آخر أدوات ليعكس وضع الجني، وأصبحت ماري لعدة دقائق قريبة من الموت· وأخيراً (وافق) الجنين على الظهور برأسه أولاً، وعاش الطفل والأم (02 مارس 1181) ودوَّت مائة طلقة وطلقة معلنة لباريس ميلاد ذكر، وانتقل الخبر سريعاً في سائر أنحاء فرنسا، ولم يكن في أوروبا كثيرون يستكثرون على الإمبراطور هذه السعادة· فقد أرسل كل حكام أوروبا تهانيهم للأب الذي طال انتظاره لوليد ولمن تم إعلانه بالفعل ملك روما(06) والآن ولأول مرة منذ بدأ مهامه أصبح يمكن لنابليون أن يحس بالطمأنينة بدرجة معقولة فقد أسس أسرة حاكمة يأمل أن تكون عظيمة مفيدة كالأسرات الحاكمة المعروفة بهذه الصفات في التاريخ، وربما أمكنها أن تجعل من أوروبا كياناً واحداً·