قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> عن نابليون -> الصفات البدنية

الفصل العاشر


عـن نابليـون


1- الصفات البدنيّة


يجب ألا نتصور نابليون كما رسمه جروس Gros في سنة 6971 - يحملُ علماً في إحدى يديه وسيفاً مُشهراً في يده الآخرى بزيه المزخرف بالأحزمة الملونة والشارة الرسمية للسلطة، وشعره الكستنائي الهائج بفعل الرياح، وعينيه وحاجبيه وشفتيه المضمومتين بما توحيه هيئة كل هذه الأعضاء من عزم وتصميم· إن هذا التصور أبعد ما يكون عن الحقيقة· ويُقال إن جروس قد رآه - عندما كان أصغر بعامين من بطله (نابليون) البالغ من العمر سبعة وعشرين عاما - يغرس العلم على جسر أركول(1) Arcole، لكن ربما كانت اللوحة التي رسمها تمثل حبا شديداً مفعماً بالحماسة· إنه الفنان عندما يتعبّد في محراب رجل الانجازات· ومع هذا فإن جوري Guerin عندما رسم نابليون بعد ذلك بعامين مُبرزا في الأساس الملامح نفسها: شعرٌ متدلّ على الجبهة والكتفين، حاجبان مقوّسان على عينين داكنتين ثابتتين، وأنف مستقيم مدبّب حاد كإرادته، وشفتان مزمومتان عازمتان كعقله· هذا التصور - أيضاً - ليس إلاَّ جانباً واحداً من جوانب شخصية الرجل (نابليون) - شخصية الرجل العسكري، فهناك جوانب أخرى كثيرة يمكن أن تُخفف من حدة هذه القسمات - كصورته وهو يشد أُذُنَيْ سكرتيره مداعباً أو صورته وهو ينحني بشوق أبوي على الطفل ملك روما King of Rome· وبحلول سنة 2081 قص خصلات الشعر الطويلة هذه(2) كلها فيما عدا خصلة واحدة تركها تتدلى على جبهته غير البارزة، وبعد الأربعين بدا متثاقلاً واعتاد أحياناً أن يضع يده على كرشه، وعادة ما كان يعقد يديه خلف ظهره خاصة أثناء المشي، وقد ترسخت فيه هذه العادة حتى أنها كانت تكشف شخصيته في الحفلات التنكرية· وطوال حياته كانت يداه تجذبان الانتباه بجمال بشرتهما واكتمالهما وأصابعهما المستدقّة، والحق أنه كان فخوراً تماماً بأطرافه الأربعة، وعلى أية حال فإن لاكاس Las Cases الذي كان يظنه واحداً من الأرباب لم يستطع أن يمنعنا من الابتسام سخرية عند رؤية هاتين اليدين الوسيمتين(3)·
لقد كان بشكل عام قصيراً بشكل مفرط إذ لا يزيد طوله عن خمسة أقدام وست بوصات(4)، أما روح القيادة فتتجلى في عينيه، فالكاردينال كابرارا Caprara الذي أتى للتفاوض بشأن الاتفاق البابوي (الكونكوردات) وضع على عينيه عدستين خضراوتين كبيرتين ليخفِّف بهما وهج عيني نابليون وحملقته· والجنرال فاندام Vandamme يعترف بخوفه من أثر عيني نابليون الشبيه بأثر التنويم المغناطيسي· يقول هذا الشيطان الآدمي يمارس معي سحراً يجعلني غير قادر على التعبير عمّا في نفس، ورغم أنني لا أخاف الله ولا الشيطان، فإنني أخشاه (نابليون) لدرجة أنني أرتعد كالطفل عندما أكون في حضرته وهو يستطيع أن يجعلني أمرق من سَمِّ الخياط (من ثقب الإبرة) لألقي نفسي في النار(5) وكانت بشرة الإمبراطور شاحبة، إلاّ أنها - على أية حال - كانت تتألق بسبب حركات عضلات وجهه التي تعكس - إن أراد - أي خلجة من مشاعره أو فكرة من أفكاره· وكان رأس نابليون كبيراً بالنسبة لجسمه، لكنه كان ذا تكوين حسن، وكانت كتفاه عريضتين، وصدره بارزاً يَنُم عن بنية قوية· وكان لباسه بسيطا تاركاً أبهة الملبس لمارشالاته، ولم يكن في قبعته المعقدة التكوين والمنتشرة كالكعكة المطوية أية زينات خلا الشريط المثلث الألوان· وعادة ما كان يلبس معطفاً رمادياً فوق الزي الرسمي لكولونيل من حراسه· وكان يحمل صندوق نشوق يضعه في حزامه (النطاق الذي يلفّه حول وسطه) ويستعمل ما به من نشوق (سعوط) بين الحين والآخر، وكان يفضّل ارتداء البنطلون القصير (الشورت) والجوارب الحريرية الطويلة على البنطلون الطويل· ولم يتحلّ أبداً بالجواهر، لكن حذاءه كان محفوفاً بالحرير وإبزيم من ذهب· لقد كان في ملبسه ينتمي إلى ما كان سائداً أثناء حكم ما قبل الثورة، تماماً كما جنحت فلسفته السياسية الاخيرة إلى المنحى نفسه (منحى ما كان سائداً قبل الثورة)·
لقد كان نابليون منظماً دقيقاً إلى درجة الوسوسة(7)· وكان يحب كثيراً الاستحمام بالماء الدافئ وأحياناً كانت تستغرق فترة استحمامه ساعتين، وربما كان يجدُ في هذا راحة له من التوتر العصبي وآلام العضلات، وراحة لجلده بعد اصابته بداء الحكَّة أو الهرش الذي انتقلت إليه عدواه في طولون(8) وكان يضع الكولونيا (العطر الكحولي المعروف) على رقبته وجذعه كما كان يضعه على وجهه(9)· وكان معتدلاً بدرجة كبيرة في طعامه وشرابه إذ كان يخلط النبيذ بالماء(01) كالإغريق القدماء وكان غذاؤه يستغرق عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة لا غير· وفي المعارك كان يأكل إذا سنحت الظروف، وغالبا ما كان يلتهم طعامه في هذه الظروف بعجلة، وكان هذا يسبب له أحياناً عُسر هضم، وكان هذا غالباً ما يحدث في أكثر اللحظات حرجاً كما حدث له في معركتي بورودينو Borodino وليبتسج(11) Leipzig· وكان يعاني من الإمساك وصحب ذلك في سنة 7971 داء البواسير الذي زعم أنه داواه بإجراء عملية نزف(21)· لقد قال مينيفال Meneval إنني لم أره مريضاً أبداً ولكنه أضاف إلاّ أنه فقط، كان عُرضة بين الحين والحين لنوبة قيء Vomiting bile لا تترك أبداً آثاراً بعيدة المدى··· وكان يخشى - لفترة - أن يكون قد أُصيب بداء وهن المثانة bladder لأن هواء الجبال الشديد سبّب له نوعاً من عُسر البول لكن اتضح أن هذا الخوف بلا أساس(31)· وعلى أية حال، فهناك أدلّة قوية على أن نابليون أُصيب في أواخر حياته بالتهاب في جهازه البولي(41)· وكانت أعصابه ذوات الحساسية المفرطة تنهار (كما حدث في مينز Mainz في سنة 6081) ليصير في حالة تشنج يشبه نوبات الصرع، لكن هناك اتفاقاً عاماً الآن أنه لم يكن مصاباً بداء الصرع(51)·
لكن ليس هناك اتفاق كهذا فيما يتعلق بمعدته، فقد أخبر لاكاس Las Cases في 61 سبتمبر سنة 6181 إنني لم أُصب أبداً بالصداع ولا بآلام في معدتي وقد أيّده مينيفال Meneral في قوله هذا لم أسمعه أبداً يشكو من آلام في معدته(61) وعلى أية حال فقد قرّر بورين Bourrienne أنه رأى نابليون أكثر من مرة يشكو من آلام في المعدة حتى أنني كنت أصطحبه إذا ما اعترته نوبة آلام المعدة إلى غرفة نومه، وكنت غالباً ما أضطر لمعاونته وسنده مخافة وقوعه· وفي وارسو (فارسافا) في سنة 6081 بعد ان اجتاحته آلام عنيفة في المعدة، تنبّأ بأنه سيموت بالمرض نفسه الذي مات به أبوه - سرطان المعدة(71)· ولقد اتفق الأطباء الذين شرحوا جثته في سنة 1281 أنه كان مصاباً بمرض في المعدة يبدو ذا طبيعة سرطانية· وأضاف بعض الدارسين اصابته بالسيلان والزهري (السيفلس) ذاكرين أن آثار المرضين ظلت معه حتى آخر حياته(81)·
وقد رفض نابليون أن يعالج اعتلاله الجسدي بالدواء وكان يؤمن بالحاجة إلى الجراحة فهي السبيل التي عادة ما كانت تستخدم مع الجنود الجرحى، اما الأدوية (العقاقير) فكان لا يثق فيها لآثارها الجانبية (لما تُحدثه من ضرر يفوق ما تقدمه من شفاء) وكان يفضّل إذا ما مَرِض أن يُعالج نفسه بالصوم وشرب ماء الشعير وعصير الليمون والماء الذي نقعت به أوراق البرتقال وممارسة رياضة عنيفة تؤدي لإفراز العرق، ثم يترك بدنه يشفي نفسه بنفسه· وقد ذكر لاكاس Las Cases أن الإمبراطور لا يذكر أنه تداوى في أي وقت بالعقاقير(91) لكن ذاكرة الإمبراطور كانت في هذا الوقت تجنح للنسيان (كان النسيان يريحه)· وقد تحدث نابليون للطبيب نورثمبرلاند S. S. Northumberland وهو في الطريق إلى سانت هيلانه قائلاً: اسمع يا دكتور· إن الجسد البشري كآلة مهيّأة لتحقيق أغراض الحياة، لقد نُظّم لتحقيق هذه الغاية - تلك هي طبيعته· اترك الحياة على سجيتها واترك هذا الجسد يعتني بنفسه، فهذا أفضل من أن تَشُلَّه بتحميله أعباء الأدوية(02)· ولم يتعب نابليون من ازعاج طبيبه الأثير كورفيزار Corvisart بحديثه عن عدم جدوى الأدوية حتى استطاع أخيراً أن يجعله يتَّفق معه على أن الأدوية تُحدث من الأضرار أكثر مما تحدث من الفائدة(12)· ومازح نابليون طبيبه الأخير فرانسسكو أنتومارشي Antomarchi بأنه سأله عمّن سيحاسب يوم القيامة عن قتل أكبر عدد من البشر أهم الجنرالات أم الأطباء· ورغم اعتلاله الجسدي فقد كان لديه طاقة هائلة لم تتخل عنه أبداً· وكان العمل معه لا يعني أبداً البطالة المقنّعة، فلا مجال لبيروقرطية زائفة ومناصب بلا عمل، بل لقد كان العمل معه غالباً ما يؤدي إلى الموت البطيء (لكثرة الإرهاق) فكم من موظف (مسؤول) فخور استنفذ كل طاقته وغدا مرهقاً تماما بعد خمس أو ست سنوات من ملازمة الإمبراطور الذي تتطلب ملازمته أن يكون المرء لاهثا دوما· وقد اعتبر أحد موظفيه نفسه أنه محظوظ لعدم وجود مقر عمله في باريس لو كنت في باريس لوافتني المنية قبل انصرام الشهر بسبب الارهاق· لقد قتل نابليون بالفعل بورتالي Portalis وكريت Cretet (المقصود قتلهم لكثرة ما أوْكل إليهم من أعمال ومهمات) ويكاد يكون قد قتل أيضاً تريلهار Terilhard - رغم قوّة بنيته - لقد كان تريلهار - كالآخرين - لا يستطيع التبوّل(22) وقد قال نابليون إن الرجل المحظوظ هو الذي اختفي بعيداً عن عينَّي في عمق إحدى المحافظات(32) وعندما سأل نابليون لويس - فليبي دي سيجو Louis - Philippe de Segur عما سيقوله الناس عنه بعد موته أجاب سيجو قائلاً إن العالم كله سيعبّر عن أسفه، لكن نابليون أجاب مصحّحاً: عفواً، إنهم سيقولون: أفٍ، لقد ارتحنا سيقولونها بارتياح عميق وعلى مستوى العالم(42)·
لقد أرهق نفسه كما أرهق غيره فقد كانت طاقته أقوى من بدنه· لقد ملأ في عشرين سنة أحداثاً تكفي لقرن لأنه كان يكثّف عمل الأسبوع ليجعله في يوم واحد· لقد كان يأتي إلى مكتبه في حوالي الساعة السابعة صباحاً، ويتوقع أن يكون سكرتيره مستعداً للحضور في أي وقت· لقد كان يقول لبورين Bourrienne تعالَ، دعنا نذهب للعمل(52) وقال لمينيفال Meneval كن هنا في الساعة الواحدة ليلاً أو الرابعة صباحاً، لنعمل معاً(62) وكان يحضر اجتماعات مجلس الدولة ثلاثة أيام أو أربعة كل الأسبوع، وقال للمستشار روديريه Roederer إنني - دائماً - أعمل· إنني أعمل وأنا أتناول غدائي، وأنا في المسرح، بل إنني أقوم في منتصف الليل لأعمل·
وقد نتصوّر أنه لم يكن يجد وقتاً للنوم في ظل هذه الأيام الممتلئة عملاً وإثارة، لكن هذا غير صحيح فبورين Bourrienne يؤكد لنا أن الإمبراطور كان ينام جيداً، ولمدة كافية - سبع ساعات أو ثمان ليلاً بالإضافة إلى اغفاءة بعد الظهر(72) وكان يفخر قائلاً للاكاس Las Cases إنني أستطيع النوم في أي ساعة وفي أي مكان إذا دعت الحاجة وقد وضَّح نابليون شارحاً أنه يحتفظ بأمور كثيرة مختلفة مرتبة في عقله أو ذاكرته كما لو كانت في أدراج خزانة فعندما أرغب في ترك موضوع أغلق الدُّرج الذي به هذا الموضوع لأفتح آخر به موضوع آخر··· وإذا أردت النوم أغلقت كل الأدراج عندها أنام حالاً(82)·



صفحة رقم : 14595