قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> عن نابليون -> عقله

2- عقلــه


كان جوته Goethe يظن أن عقل نابليون هو أعظم عقل أنجبته البشرية(92)· واتفق معه لورد أكتون Acton في ذلك الرأي· أما مينيقال Meneval الذي كان متأثراً بقربه من السلطان والشهرة فقد نسب إلى سيده (نابليون) أرقى فكر مُنِحَهُ بشر على الإطلاق(03)· أمّا تين Taine المعارض الشديد للمبالغين في الاعجاب بنابليون، والذي لا يكل ولا يمل من شجب موقفهم، فإنه رغم هذا يُبدي دهشة شديدة من قدرة الإمبراطور على العمل الفعلي المكثف لفترة طويلة: ليس هناك أبداً عقل كعقله من حيث التنظيم والإنضباط(13) دعونا نوافق على أن عقل نابليون كان من بين عقول كل من تبوّأ منصباً تنفيذياً هو العقل الأكثر إدراكاً ووعياً وحدّة وقدرة على التذكر وبراعة في استخدام المنطق· لقد أحبّ أن يُشير لنفسه كعضو في المجمع العلمي الفرنسي وقد عبّر ذات مرّة للابلاس Laplace عن أسفه لأن الظروف قد أبعدته كثيراً عن مجال العلم فقد كان يوّد أن يشتغل به ليكون عالما(23) ففي تلك اللحظة كان نابليون يقدّر الرجل الذي يضيف للفهم البشري تقديراً يفوق تقديره لمن يستحوذ على مزيد من السلطة وعلى أية حال، يمكننا أن نسامحه لاحتقاره أيديولوجية المعهد العلمي الفرنسي الذي أساء فهم الأفكار فظنّها هي نفسها الحقائق الموجودة على أرض الواقع، وراح (أعضاؤه) يشرحون أوضاع العالم (أو الكون) واقترحوا أن يعرضوا عليه كيفية حكم فرنسا· لقد كان عقل نابليون يُعاني من عيوب الخيال الرومانسي، لكنه أيضاً كان يتعامل مع حقائق حية من لحم ودم من خلال احتكاكه اليومي بمثيرات واقعية· لقد كان نشاطه العقلي الدائم على أعلى مستوى يمكن أن يكون عليه رجل الدولة وقد وظّف هذا النشاط العقلي لتحقيق أهدافه بشكل دائم فأصبح جزءاً لأغنى عنه في أي عمل يقوم به·
لقد كان نابليون - في المقام الأول - حاد الحواس، بل لقد كان يعاني من هذه الحدة، فقد كانت أُذناه تلتقط كل شاردة وواردة أو بتعبير آخر كانتا تسمعان حتى الأصوات الخافتة، وكان أنفه حسّاساً يجيد الشّم (كان شمّاماً) وكانت عيناه تخترقان ما هو ظاهر لتتغلغل للأعماق، وتستبعد ما هو عارض لتستجلي المعنى واضحاً لا شِيَةً فيه· وكان محباً للاستطلاع وجّه آلاف الأسئلة، وقرأ مئات الكتب ودرس الخرائط والتواريخ وزار المصانع والمزارع، واندهش لاكاس Las Cases لاتساع دائرة اهتماماته واتساع مجالات معرفته عن البلدان والقرون· لقد كان يمتلك ذاكرة قوية أخضعها لطبيعة أغراضه فتخيّر لها ما يفيده· لقد كان يعلم ما يجب عليه نسيانه وما يجب عليه إبقاءه حياً في ذاكرته· لقد كان منظَّما؛ إذا كان يرتب رغباته بشكل موحّد وطبقي (نظامي) بشكل واضح ومباشر ليجعل أفكاره وسياساته وطريقة حكمه تسير في كُلٍ متكامل لتحقيق هذه الأغراض· لقد كان يطلب من مساعديه تقارير وتوصيات تتضمّن أهدافاً محدّدة ومعلومات حقيقية وإجراءات تنفيذية ونتائج محسوبة لا مجرد كتابات بليغة وأفكار مثالية تدعو للإعجاب· وكان يدرس هذه المادة التي تقدمها التقارير والتوصيات في ضوء خبرته وأهدافه ومن ثم يُصدر تعليمات قاطعة ودقيقة· ولا نعلم لحكومته نظيراً في التاريخ من حيث الإعداد الدقيق المنظم لمثل هذه الإدارة الدقيقة المنظمة· فمع نابليون أسلمت الحرية قيادها لدكتاتورية النظام·
وكان بتحويله مذكراته إلى توقعات ماهراً في حساب نتائج الاستجابات المحتملة، وفي التنبؤ بخطط أعدائه وتحركاتهم، فمن أقواله: إنني أقضي وقتاً طويلاً في التأمل والتفكير، فإذا كُنت نداً لموقف مستعداً لمواجهته إذا حل وقت المواجهة، فما هذا إلا لأنني قد فكرت في الأمر كثيراً قبل حدوثه··· لقد كنتُ أُعد لكل احتمال عُدّته واضعاً في الاعتبار كل ما يمكن أن يحدث· لم يكن الجنّي هو الذي يُلهمني فجأة بما يجب عليّ فِعله أو قوله·· وإنما هو تفكيري(43) ومن ثم فقد وجدناه يستعد - واضعاً في اعتباره التفاصيل - لمعركة مارنجو Marengo وأوسترليتس Austerlitz وتنبّأ لا بالنتائج فحسب وإنما بالوقت الذي ستستغرقه كل معركة منهما· وفي قمة ازدهاره (7081) كان قادراً على الاحتفاظ برؤيته واضحة لا تشوِّش عليها رغباته· لقد حاول أن يدرس الصعوبات المتوقعة والمفاجآت التي يمكن حدوثها، وما قد يقوم به أعداؤه من مجازفات، وذلك ليستعد لمواجهتها: عندما أُخطط لمعركة فلا يمكن أن يكون هناك من هو أكثر جُبناً مني· إنني أُضخّم أمام عيني كل خطر يمكن أن يحدث في ظل ظروف المعركة(53)· لقد كان مبدأه الأول في حالة حدوث أمور طارئة غير متوقّعة هو مواجهة العدو حالاً وبأقصى سرعة مهما كان الوقت؛ نهاراً أم ليلاً· وكانت تعليماته الدائمة لبورين Bourrienne (سكرتيره): لا توقظني من نومي إن كان لديك أخبار طيبة تريد أن تُفضي بها إليّ، ففي هذه الحال لا مبرّر للعجلة، لكن إن كان لديك أخبار سيئة فأيقظني على الفور، ففي حال الأخبار السيئة يجب ألاّ نُضيّع لحظة واحدة(63) وقد اعترف نابليون أنه رغم كل هذا الاحتياط وبُعد النظر إلاّ أنه فوجئ ببعض الأحداث غير المتوقعة لكنه كان يتباهى بقدرته على التفكير الواضح والعمل الحاسم والمؤثر عقب استيقاظه من نومه فجأة(73) وقد حاول أن يُحصِّن نفسه ضد المفاجأة وأن ينتهز المناسبة بسرعة، وكان يكرر دوماً قوله: ليس هناك إلاّ خطوة واحدة بين النصر والهزيمة(83)·
وكان حُكمه على الرجال عادة عميقاً كحساباته للوقائع والأحداث، فلم يكن ينخدع بالظواهر أو الاحتجاجات، فشخصية المرء - فيما يرى - لا تظهر على وجهه إلاّ إذا صار كبير السن، وغالباً ما يُخفى الحديث بالقدر الذي يُفصِحْ· لقد أخضع نابليون نفسه للدراسة على نحو متواصل وخَلُص إلى أن كل الرجال وكل النساء تحرُّك مصالِحُهم الذاتية أفعَالهم الواعية· ومع أنه - أي نابليون - قد حظي بإخلاص شديد مجرّد من المصالح الذاتية (من ديزيه Desaix ولان Lannes ومينيفال Meneval ولا كاس Las Cases··· ومن أولئك الجنود الذين كـانوا يهتفـون وهـم يحتضـرون: عـاش الإمبراطــور) إلاّ أنــه لم يســتطع أن يتخيّل وجود هذا النوع من الإخلاص الذي لا ينطوي على مصالح ذاتية أو بتعبير آخر لم يستطع أن يُقنــع نفسه بوجــود شيء اســمه إنكار الذات فوراء كل كلمة وخلف كل فعل مَدْروس مقصود لم يكن يرى سوى سيطرة الأنا سيطرة لا تهمد - طموح الرجال الأقوياء وخوف الرجال الضعفاء، وتفاهة النساء أو خِداعهن· لقد كان نابليون يبحث في كل شخص عن العاطفة المتحكمة فيه أو نقطة ضعفه، ليلعب على أوتارها ويطوّعها لأغراضه الإمبراطورية·
ورغم كل حيطته وحذره وتوقعاته إلا أنه وقع في أخطاء متباينة تبايناً شديداً (لم يدرك فحوى بعض الأحداث إلاّ بعد وقوعها) سواء فيما يتعلق بحُكمه على الرجال أم بتقويم النتائج وحسابها· وربما كان يعرف أن جوزفين لا يمكن أن تتحمّل شهراً من العِفّة (لا يمكن أن تصون عفّتها لمدّة شهر) وإن ماري لويز Marie Louise لا يمكن أن تَشُد النمسا إلى السلام· وكان يظن أنه أسعد القيصر اسكندر في تليست Tilsit وايرفورت Erfurt بينما كان القيصر يخدعه ببراعة بمساعدة تاليران· لقد أخطأ بتوسيع نطاق العداوة لبريطانيا في سنة 2081 بمد سلطانه - بجسارة - على بيدمونت ولومبارديا وسويسرا· وقد أخطأ عندما نصَّب إخوته على عروش أكبر بكثير من عقولهم، وأخطأ عندما تصوّر أن الدول الألمانية في كونفدرالية الرَّاين ستخضع للسلطة الفرنسية ولن تفلت منها إذا وانتها الفرصة، وأخطأ بنشره وثيقة تُظهر نواياه في غزو تركيا، وأخطأ (كما اعترف في وقت لاحق) بتشتيت جيشه الأساسي (الجيش العظيم Grand Army) في أسبانيا· وأخطأ بغزوه روسيا الشاسعة أو ببقائه فيها حتى اقتراب الشتاء· ومع أنه كان متفوقاً على كثيرين إلاّ أنه كان كطبيعة الأشياء - كما قال - عرضة للمفاجآت ولأوهان المرض وتناقُص السلطة· لقد قال: لقد فكرت في كثير من الخطط لكنني لم أكن أبداً حراً مطلق اليد في تنفيذ واحدة منها· فكل ما في الأمر أنني كُنت أمسك المِقْوَد (الموِّجه) بيد ثابتة قوية، لكن الأمواج كانت أقوى، الحقيقة أنني لم أكن أبداً سيّد نفسي my own master، لقد كانت الظروف دائما هي التي تحكمني(93)·
وعلى سبيل التخيّل أذكر الآتي· لقد كانت روح نابليون ساحة معركة بين ملاحظة حادة تضيء طريق العقل وتبث الحياة في خيال تتوجه الرومانسية أو حتى الخرافة(04)· فعندما ذهب بحملته إلى مصر أخذ معه كثيراً من كتب العلوم وكثيراً من الكتب العاطفية أو الخيالية ومنها كتاب روسو LaNouvelle Heloise وكتاب جوته Werther وكتاب ماكفرسون Ossian(14) وقد اعترف نابليون - في وقت لاحق - أنه قرأ كتاب جوته (Werther) سبع مرّات(24)، وفي خاتمة المطاف خَلُص بأن الخيال يحكم العالم(34) وعندما أوصلته الظروف إلى مصر استغرق في أحلام الاستيلاء على الهند وخوض الحروب في الشام، وتصوّر نفسه يغزو القسطنطينية بحفنة رجال ومن ثم يتجه إلى فيينا وكأنه سليمان الذي لا يُقهر (القانوني) بُعث من جديد ولأن القوة والسلطة قد طردتا الحذر من دمه، فقد تجاهل تحذير جوته (التحذير المعروف بالتوقف في الوقت المناسب Entsagen)· لقد كانت نجاحاته المتوالية تتحدّى الأرباب، وتتمرّد على أي حدود، وفي خاتمة المطاف وجد نفسه منبوذاً بلا عون مقيّداً إلى صخرة في المحيط·



صفحة رقم : 14596