قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> عن نابليون -> شخصيته

3- شخصيته


لقد بدأ كبرياؤه أو اعتداده بنفسه من اكتفائه بذاته أو بتعبير آخر باعتماده على نفسه ، كان من الطبيعي أن يرتبط هذا بكل اعضائه، ففي شبابه تضخّم هذا الشعور متخذاً شكلاً دفاعياً أثناء الصدامات التي جرت بينه وبين أفرادٍ أو أسرات في كورسيكا، وبعد ذلك تجلّى ضد عجرفة طلبة برين Brienne الذين كانوا يتكبّرون عليه بحكم انتماءاتهم الطبقية أو العرقية· ولم يكن اعتداده بنفسه على أية حال خالياً من الأنانية، لكن هذا لم يمنع اخلاصه وتكريمه لأمه ولجوزفين وأبنائها ولم يمنع حبه لابنه من ماري لويز ذلك الوليد الذي أطلق عليه اسم ملك روما وحبّه الشديد لإخوته وأخواته الذي كانوا أيضاً ذوي نفوس تواقة· لكن كلما اتَّسعت دائرة نجاحاته في السلطة والمسؤوليات، ازداد اعتزازه بنفسه واستغرقته ذاته، وبدأ يميل لنسبة كل انتصارات جيوشه لنفسه، لكنه مع هذا كان يمتدح ديزيه Desaix ولان Lannes، وقد أحبهما حقاً وحزن من أجلهما· وأخيراً فقد اعتبر نفسه هو فرنسا ذاتها وتضخّمت ذاته مع كل اتساع لحدودها·
وأحياناً كان كبرياؤه ووعيه بقدرته يتدنَّيان إلى مستوى من التفاهة أو الخواء، أو استعراض ما أنجزه· لقد قال يوماً لسكرتيره بورين: حسناً يا بورين، أنت أيضاً ستكون خالداً فلما سأله بورين: لماذا يا جنرال قال نابليون ألست سكرتيري؟· أخبرني عن اسم سكرتير الاسكندر أليس هو هم Hm، هذا ليس أمراً سيئاً يا بورين(44)· وكتب نابليون ليوجين (حامل لقب نائب الملك في إيطاليا) في 41 أبريل سنة 6081: إن شعبي الإيطالي يجب أن يعرفني جيداً بشكل كاف ويجب ألا ينسى أن في إصبعي الصغير من الفهم أكثر مما في عقولهم جميعاً(54) وكان الحرف الأول من اسمه (N) يتألق في آلاف الأماكن وكان أحياناً يقترن بالحرف الأوّل من اسم زوجته جوزفين (J)· لقد شعر الإمبراطور أن الاستعراض مسألة ضرورية كدعامة من دعامات الحُكم·
لقد أعلن لروديريه Roederer في سنة 4081 عندما كان جوزيف (يوسف) يحتال ليكون وريثاً (ولياً لعهد نابليون): إن السلطة هي خليلتي أو رفيقتي· لقد بذلت جهوداً فائقة في هذه الفتوحات، جهوداً تجعلني لا أسمح لأيٍّ مهما كان أن يأخذها مني أو يُبعدها عني أو حتى يرنو إليها أو يشتهيها·· منذ أسبوعين لم أكن مصمماً على معاملته بظلم· أما الآن فإنني غير متسامح· سوف ابتسم له بشفتي (ابتساماً ظاهرياً) - لكنه نام مع رفيقتي أو خليلتي (يقصد السلطة)(64) (هنا أظهر نابليون نفسه غير عادل· لقد كان عاشقاً غيوراً لكنه كان رجلاً متسامحاً) ومن أقواله إنني أحب السلطة كما يحب الموسيقيُّ كمانه لذا فإن طموحهُ قد أدى به إلى وثبات متتالية من منطقة إلى أخرى· لقد كان يحلم بمنافسة شارلمان في توحيد أوروبا الغربية بما في ذلك الولايات البابوية - بالقوة، ومن ثم يتتبع خطى قسطنطين فيخرج من فرنسا إلى ميلان ومنها إلى القسطنطينية (اسطنبول) ليستولي عليها، ويشيد أقواس النصر التقليدية لإحياء ذكرى انتصاراته، ويستمر في أحلامه فيجد أوروبا صغيرة جداً، وأنها مجرّد تل من تراب(84)، فيشرع في منافسة الإسكندر الأكبر فيغزو الهند، قد يكون هذا عملاً شاقاً له وللمليون جندي التابعين له، لكن العظمة ستكون عِوَضاً كافياً له ولهم عن هذا التعب، وإن أدركهم الموت فلا بأس فهذا ليس ثمناً باهظاً فالموت ليس مأساة، وإنما المأساة أن تعيش مهزوماً تافهاً، فتلك حياة تعني أنك تموت كل يوم(94) إنني لا أعيش إلاّ للأجيال القادمة(05)· لقد أصبح المجد La gloire هو حبّه المهيمن، لذا فقد قبلته فرنسا كلها - تقريباً - كمرشد (باعتباره نجماً هادياً) طوال عقد من الزمن، وكأنها مسوقة بقوى التنويم المغناطيسي·
لقد تابع تحقيق أهدافه بإرادة لا تلين إلاّ لتقفز من جديد - حتى استنفذ طاقاته في بلوغ الذروة وأصبح بعدها جديراً بالشفقة· لقد توحّد طموحه الذي لا يهمد مع إرادته وتوجهاته ليتفاعل مع جوهر أيامه، ففي برين Brienne قال: حتى عندما لم يكن أمامي شيء محدد لأقوم به، فإنني كنت أشعر دائماً أنني لا يجب أن أضيع الوقت(15) وإلى جيروم Jerome في سنتة 5081 وجه حديثه قائلا: إنني لا أدين إلاّ لقوة الإرادة والشخصية والقدرة على التنفيذ والجسارة(25) فالجرأة كانت جزءاً من استراتيجيته، وكان يستغل عامل الوقت فكان يواجه عدوه بسرعة إجراءاته، وأفعاله الحاسمة في وقت لا يتوقَّعونه وفي مكان لا يتصوَّرون حدوث المواجهة فيه· لقد كان يقول: إن هدفي هو الوصول للهدف مباشرة دون أن أسمح لأي اعتبار أن يوقفني(35)، لكنه استغرق عقداً من الزمن ليتعلم الحكمة القديمة التي مؤداها أنه في السياسة يعتبر الخط المستقيم هو أطول مسافة بين نقطتين·
وفي بعض الأحيان كان الهوى يُفسد أحكامه ومسلكه ويُشكل حاجزاً بينه وبين الرؤية الصحيحة· وكان نفاذ الصبر (قصير البال كما أنه قصير البدن)، وكلما اتّسع سلطانه زاد نفاذ صبره (قلّ طول باله)· لقد كانت ضراوة أهل كورسيكا وحرارتهم تسري فيه مسرى الدم، ورغم أنه عادة ما كان يتحكم في نفسه إذا ما اعتراه الغضب إلاّ أن أولئك المحيطين به بدءاً من جوزفين إلى حارسه الشخصي القوي روستام Roustam كانوا يتحوّطون في كل كلمة وكل حركة مخافة إثارة سخطه· وكان نافذ الصبر إذا ما ظهر له تناقض أو توان أو عدم كفاءة أو غباء· وعندما ينفذ صبره لأمكن أن يوبّخ علناً أحد السفراء، وأن يسبب أحد الأساقفة وأن يركل فيلسوفاً في بطنه، وإذا لم يتوفر له ما هو أفضل ركل الأخشاب في المدفأة(45)· ومع هذا فقد كان غضبه يخمد بمجرد تفريغ شحنته، وغالباً ما كان هذا الغضب غطاء أو حركة من حركات السياسة، وفي معظم الحالات كان يقوم بعملية استرضاء لمن صبَّ عليهم غضبه بعد يوم أو حتى بعد دقيقة(55)· وقلّما كان فظَّاً إلى حد مؤلم، فهو في غالب أحواله رقيق مداعب فكهٌ (حاضر الكنتة)(65) لكن روح الفكاهة عنده قد أضعفتها المعارك وما تعرّض له من مواقف صعبة، ولم يُتح له وقت كثير لمسرّات أوقات الفراغ أو الانهماك في القيل والقال، أو ظُرف الصالونات· لقد كان رجلاً في عجلة دوماً تحيط به ثُلَّة من الأعداء، ويمسك بزمام إمبراطورية، ومن الصعب علي رجل في عجلة من أمره أن يكون متمديناً·
لقد استنفذ كثيراً جداً من طاقته في فتح نصف أوروبا، وتبقى منها - أي من هذه الطاقة - شطر كثير للانهماك في الأمور الجنسية على نحو منافٍ للعقل، وكان من رأيه أن كثيراً من أشكال الرغبة الجنسية يتم تعلّمها من خلال المعايشة البيئية أكثر من كونها مسألة مورثة فنجده يقول: كل شيء بين الناس اصطلاحي أو متفق عليه حتى فيما يتعلق بالمشاعر التي قد يظن المرء أن الطبيعة وحدها هي التي فرضتها(75) لقد أمكنه أن يكوِّن له باقة من المحظيات علي النسق البوربوني بمعنى الكلمة لكنه تعامل أيضاً مع ستة خليلات أخريات على فترات بين المعارك، وكانت كل امرأة تُسعده لليلة تعتبر نفسها قد دخلت التاريخ، وعادة ما كان يُفشي أسرار لقاءاته الجنسية بفظاظة ويتحدث عن آخر شريكاته في الفراش ليس بامتنان وإنما بقسوة(85)· وقد تسبَّب عدم إخلاصه في إزعاج جوزفين لساعات طوال قضتها في كآبة وحزن، لكنه شرح لها الأمر (إن جاز لنا أن نصدّق مدام دي ريموزا Remusat) قائلاً إن هذه التسالي وهذا الترويح عن النفس أمر طبيعي وضروري ومعتاد ولابد أن تتفهمه الزوجة، وكانت تبكي، وكان يُطيّب خاطرها، وكانت تسامحه(95)· وفيما عدا ذلك فقد كان زوجاً صالحاً بقدر ما تسمح به مهامه وما تحتمه من تنقلات كثيرة·
وعندما أتته ماري لويز Marie Louise قبل بمبدأ الاكتفاء بزوجة واحدة (على حد علمنا) ولو حتى يكوْن الزنا قد يتسبب في فقدانه النمسا، وتضاعف إخلاصه لها (لماري لويز) عندما أدرك ما تعانيه من آلام مبرحة وهي تضع له طفلاً· لقد كان دائما يُظهر حبه الشديد للأطفال وسجلت المدوّنة القانونية النابليونية لهم ما ينم عن عناية خاصة(06)· والآن فقد أصبح ابنه الذي سماه ملك روما معبوده ومحبوبه ومَعْقِدَ آماله، فراح يعتني به لتوريثه حُكم فرنسا واهبة القوانين لأوروبا الموحدة ليحكمها بِحِكمة· وبذا تضخمت ذاته المتضخمة أصلاً بالإنغماس في حب الزوجة والحب الأبوي (حبه لابنه)·
لقد كان نابيلون منشغلاً بالأمور السياسية انغماساً هائلاً لا يجعل له وقتاً لأصدقاء· بالإضافة إلى أن الصداقة تعني أخذاً وعطاء على قدم المساواة وقد وجد نابليون أنه من الصعوبة أن يُذعن لمساواته وقد وجد نابليون أنه من الصعوبة أن يُذعن لمساواته مع آخرين في أي شكل من أشكال المساواة· لقد كان هناك مخلصون أوفياء له ضحّى بعضهم بحياته فداء لمجده ومجدهم ومع هذا لم يكن أحدهم يفكر في أن يدعوه صديقاً· لقد أحبّه يوجين لكن حبّه له كان كحب الابن لأبيه أكثر منه كحب الصديق لصديقه، ويحكي لنا بورين Bourrienne (وهو لم يكن جديراً بالتصديق تماماً) أنه سمع مراراً من نابليون في سنة 0081 قوله:
الصداقة ليست إلاّ اسماً بلا مضمون· أنا لا أحبُّ أحداً· إنني حتى لا أحب إخوتي، ربما أحب جوزيف (يوسف) قليلاً بحكم التعوّد ولأنه أخي الكبير· وأنا أيضاً أحب دوروك Duroc··· اعلم جيداً أنه لا أصدقاء حقيقيين لي· فطالما أنني مستمر على ما أنا عليه، فإنه يمكنني أن احتفظ بعدد كبير من الأصدقاء الظاهريين (غير الحقيقيين) كما أشتهي· دع رقة الشعور للنساء، فتلك مهمتهن· لكن الرجال يجب أن يكونوا رابطي الجأش ذوي أهداف محددة، وإلا تخلّوا عن مهامهم في الحرب والحكم(16)·
تلك هي الحلقة النابليونية الرواقية لكن ليس من السهل أن نوفِّق بين هذا وإخلاص رجال مثل ديزيه Desaix ودوروك Duroc ولان Lannes ولاكاس Las Cases وآخرين كثيرين دام إخلاصهم له طوال حياتهم· بل ان بورين نفسه يصدّق على أن نابليون كان رفيقاً رقيق المشاعر خارج نطاق المعارك(26) ويوافق مينيفال Meneval الذي كان قريباً من نابليون طوال ثلاثة عشر عاما على ذلك فيقول:
لقد توقّعت أن أجده فظاً متقلب المزاج، لكنني - على العكس من ذلك - وجدته صبوراً متسامحاً من السهل بعث المسرّة في نفسه، وهو بلا شك منضبط كما أنه مرح وكثيراً ما يتخذ مرحه طابع الجلبة وروح السخرية، وأحياناً يتخذ طابع الوداعة الجذابة·· فلم أعد خائفاً منه، ومما جعلني أستمر في حالة الاطمئنان إليه كل ما رأيته من أساليب مؤثرة وداعية للمسرّة كان يتَّبعها في تعامله مع جوزفين وحرصه على الاخلاص لضباطه ورقته مع ذوي قرابته ومع مسشاريه ووزرائه وألفته مع جنوده(36)·
ومن الواضح أنه كان يستطيع أن يكون شديد البأس إذا ما رأى أن السياسة تتطلب هذا، كما كان يغدو لطيفاً رقيقاً إن سمحت السياسة بذلك، فالسياسة عنده تأتي في المقام الأول· لقد أمر بسجن رجال كثيرين ومع هذا فقد سجل التاريخ له كثيراً من مظاهر التسامح أوردها فريديريك ماسون Frederic Masson في مجلّده· واتخذ إجرادات لتحسين أحوال سجون بروكسل لكن أحوال السجون الفرنسية في سنة 4181 كانت سيئة لا تتناسب مع الكفاءة العامة التي اتسم بها حكمه· لقد رأى آلاف القتلى في ساحة المعركة ومع هذا لم يتردد في خوض معارك أخرى، ومع هذا فقد سمعنا أنه غالباً ما كان يتوقف لإتاحة فترة راحة لجندي جريح ورآه فيري كونستان (قستنطين) Very Constant يبكي أثناء تناول إفطاره بعد عودته من عند سرير المارشال لان Lannes(46) الذي أصيب بجروح مميتة في إسلنج Essling في سنة 9081·
ولا جدال في سخائه واستعداده للعفو· لقد عفا كثيراً عن بيرنادوت Bernadotte وبورين Bourrienne وعندما طلب منه كارنو Carnot وشينييه Chennier - بعد أن ظلاّ يعارضانه سنوات - أن ينقذهما من الفقر أرسل لهما - على الفور - ما يُعينهما· وفي سانت هيلانة التمس الأعذار لمن تخلّوا عنه في سنة 3181 أو سنة 5181· ولم يكن هناك إلاّ البريطانيون الذيــن ظــل ممتعضاً منهــم حتى النهاية بسبب عداوتهم المتواصلة له، فلم يكن يرى في بت Pitt سوى أنه مرتزق قاس، وكان غير منصف على نحو أبعد في رأيه في سير هدسون لو Hudson Lowe وكان من المحال عليه أن يرى ميزة في ولنتجتون(56) Wellington وكان عادلاً بدرجة كبيرة في تقويمه لنفسه: إنني اعتبر نفسي رجلاً طيب القلب(66) لقد قيل لنا ان الرجل مهما كان شأنه لا يمكن أن يعتبر بطلاً في نظر خادمه الخصوصي لكن فيري كونستان Very Constant الذي ظل طوال أربعة عشر عاماً يعمل مع نابليون بهذه الصفة يسجل لنا في مذكراته التي شغلت عدة مجلدات إعجاباً يفوق الحد(76)·
ولم يكن الذين نشأوا في رحاب الحكم القديم (ملكية ما قبل الثورة) وتشربوا عاداته الأنيقة ليتحملوا طريقة نابليون المباشرة الفظة في الحركة واللباس· لقد أثار سخرية مثل هؤلاء بمركبته التي يريد أن يؤكد بها ذاته على نحو أخرق، وبطريقته الخشنة في الحديث في بعض المناسبات· ولم يكن يعرف كيف يُرضي هؤلاء الناس ويبدو أنه لم يكن مهتماً بذلك فقد كان أكثر حرصاً على الجوهر منه على الشكليات· إنني لا أحب الغموض والإبهام وهذه العبارة السطحية التي تشير إلى الايتكيت أو آداب المجتمع·· إن هذا إلاّ وسيلة الأغبياء ليرفعوا أنفسهم لمستوى رجال الفكر·· وعبارة الكياسة أو الذوق الحسن هي الأخرى من التعبيرات التقليدية التي لا تعني لي شيئاً·· أما ما يُقال له زِيْ أو مُودة سواء كان حسناً أم سيئاً فلا يؤثر فيّ· إنني لا أهتم إلاّ بقوة الفكر(86) وعلى أية حال فإنه كان يبدي اعجابه - على نحو سرّي بهدوء الرجال المهذبين ودماثتهم، وكان يتطلع لقبول الارستقراطيين له، أولئك الارستقراطيون الذين كانوا يسخرون منه في صالونات فابورج سان جرمين Fabourg St - Germain· ومن ناحية فإنه بطريقته الخاصة كان يستطيع أن يكون جذاباً فاتناً عندما يريد(96)·
وربما يرجع رأيه السخيف في النساء إلى تسرعه في عدم الاهتمام بمشاعرهن، لقد أبدى ملاحظة لمدام شاربنتييه Charpentier قائلاً: يالبشاعة منظرك في هذا الرداد الأحمر!(07) وجعل من مدام دي ستيل Stael عدوّه له عندما ذكر لها أنه يُقدر النساء وفقاً لدرجة خصوبتهن (قدرتهن على الإنجاب) وقد وبّخته بعض النسوة لفظاظته بلطف أنثوي، فعندما قال لمدام دي شيفريز Chevreuse صدقيني ما أشد حُمرة شعرك! أجابته قائلة: ربما كان الأمر كذلك يا سيدي، لكن هذه هي المرة الأولى على الإطلاق يقول لي رجل هذا القول(17) وعندما قال لذات الجمال المشهور: مدام إنني لا أحب أن تتدخل النساء في السياسة· أجابته إجابة مفحمة قائلة: أنت على حق أيها الجنرال، لكن في بلد تُقطع فيه رؤوسهن، من الطبيعي أن يُردن معرفة السبب(27) ومع هذا فإن مينيفال Meneval الذي - غالباً - ما كان يراه كل يوم لاحظ جاذبية نابليون التي لا تُقام(37)·
وكان نابليون يحب في بعض الأحيان أن يكون حديثه على سبيل المزاح، وغالباً ما يكون ذلك مفيداً وموجها· وكان يدعو العلماء والفنانين والممثلين والكتاب لمائدته ويدهشهم بدماثته وسعة معلوماته في مجالات تخصصهم وبراعة ملاحظاته، وقد ترك لنا إيزابي Isabey رسام المنمنمات ومونج Monge العالم الرياضي وفونتين المعماري وتالما الممثل مذكرات عن هــذه اللقاءات، وجميعهــم يشــهدون بــأن مناقشات نابليـون معهم كانت ممتازة وودودة ومرحة(47)· وكان كثيراً ما يُفضّل الحديث على الكتابة، فقد كانت أفكارُه تسبقُ كلامه لذا فعندما كان يريد كتابة أفكاره فإنه كان يكتبها بسرعة شديدة حتى أن أحداً - بمن في ذلك هو نفسه - لا يستطيع فك مغاليقها(57)· لذا فقد كان يُملي، وقد تم نشر 000،14 خطاب من خطاباته ولا شك أن آلافاً أخرى لم تنشر، وهذا يجعلنا نفهم مدى المعاناة التي كان يعانيها سكرتيروه· لقد نجا بورين الذي عُيّن سكرتيراً له في سنة 7971 وكان حسن الحظ إذ تم فصله من عمله في سنة 2081 وبذا تمكن من العيش حتى سنة 4381، لقد كان بورين يتوقع أن يستدعيه نابليون في السابعة صباحا ليظل يعمل معه طوال النهار كما كان يستدعيه ليلاً· وكان بورين يُتقن عدة لغات حديثاً وكتابةً كما كان يعرف القانون الدولي، وكان له طريقته في الاختزال مما مكّنه عادة من الكتابة أسرع مما يُملي نابلوين·
أما مينيفال Meneval الذي خلف بورين في سنة 2081 فقد كان يعاني من العمل مع نابليون أكثر من معاناة بورين فهو يقول: إنني لم أكن أعرف أي نوع من أنواع الاختزال وكان نابليـون يحبه وغالباً مـا كان يمزح معه لكنه كان يرهقه كل يوم غالباً وبعدها يطلب منه أن ينصرف ليأخذ حماماً(67)· وقد ذكر الإمبراطور وهو في سانت هيلانه: إنني مسؤول تقريباً عن موت مينيفال· لقد كنت ملزماً بإعفائه لفترة من واجبات وظيفته وجعله بالقرب من ماري لويز للاستشفاء وكان منصبه الجديد هذا لا ينطوي على مهام عمل حقيقية(77) وفي سنة 6081 خوّله نابليون في اختيار مساعد له أي مساعد لمينيفال، فرشح فرانسوا فان Francois Fain الذي عمل مع نابليون للنهاية وفي كل المعارك· ومع هذا فقد كان مينيفال قد تعب تماما فهرب من إمبراطوره المحب له في سنة 3181· لقد كان حُب مينيفال له من نوع الحب الذي يزدهر في ظل الاعتراف بعدم المساواة بين المحبين، وهو حب غير مذموم·



صفحة رقم : 14597