قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> عن نابليون -> نابليون الحاكم
5- نابليون الحاكم
لم يَنْس نابليون تماما وهو حاكم مدني أنه كان قد نشأ في رحاب الجنرالية· لم يغب ذلك عنه أبداً، فقد ظلت عادات القيادة باقية فيه لكنها مقموعة مُثبطة إلاَّ في مجلس الدولة وفي الاعتراض أو المناقشات· لنسمعه يقول: منذ دخولي الحياة العامة (المقصود غير العسكرية) للمرّة الأولى كُنتُ معتاداً على ممارسة القيادة (إصدار الأوامر) فتكوين شخصيتي وقوّتها كانتا من النوع الذي يجعلني إذا ما أصبحت السلطة في يدي لا اعترف بأيِّ سيِّد إلاَّ ما هو نتيجة فكري ولا أي قانون إلاّ إذا كان من وضعي أو بتعبير آخر إلا إذا كان منبثقا من قناعتي(301) لقد رأيناه في سنة 0081 يؤكد على الصيغة المدنية (غير العسكرية) لحكمه - عندما كان الجنرالات يتآمرون عليه لعزله، لكن في سنة 6181 دافع عن وجهة النظر التي مؤدّاها أنه في خاتمة المطاف، فإن التحليل الصحيح يعني أنه إن أردت أن تحكم فمن الضروري أن تكون رجلاً عسكرياً، فالمرء لا يمكن أن يحكم إلاّ ملوحاً بغنيمة ومستخدماً مهمازاً(401) لذا فإنه بنظرته الثاقبة لُمِثُل الشعب الفرنسي ما ظهر منها وما بطن، ما هو سَوِي منها وما متناقض - أعلن أنه رجل السلام وعبقري الحرب· ومن هنا فإن الديمقراطية النسبية التي شهدها عهد القنصلية ذابت في ظل النظام الملكي في عهد الإمبراطورية، ثم ذابت أخيراً·· في عهد السلطة المطلقة· لقد كان مصير مدونات نابليون القانونية - فيما يتعلق بقانون العقوبات (0181) - أن أصبحت قاسية مثّلت في قسوتها أساليب العقاب البربرية في العصور الوسطى· ومع هذا فقد ظل نابليون متألقاً ذكياً في أمور الحكم كما كان في أمور المعارك· ولقد تنبأ نابليون أن إنجازاته في أمور الإدارة ستبزّ انتصاراته العسكرية وستكون أكثر خلوداً في التاريخ، وأن مدوّنته القانونية ستكون أثراً أكثر خلوداً من استراتيجية وتكتيكة (التي لم تصبح ذات صلة بالحروب الجارية)· لقد كان نابليون يرنو لأن يكون جستنيان عصره بالإضافة إلى كونه قيصره Caesar·
ولم يقض نابليون في باريس سوى 559 يوماً من إجمالي أيامه التي كان فيها إمبراطوراً، والبالغة 0863 يوماً (4081 - 4181)، ومع هذا فقد أعاد صياغة فرنسا في هذه الأيام البالغة 559 يوماً(501)، ففي هذه الأيام كان قبل 8081 يرأس بانتظام مرتان في الأسبوع - مجلس الدولة، وقال لا كاس Las Cases في ذلك الوقت (وكان هو عضواً في المجلس): ولم يكن أحد منا يغيب مهما كان السبب(601) وكان يعمل بجد شديد فنظراً لرغبته الشديدة في إنجاز الأمور، كان يستيقظ أحياناً في الساعة الثالثة صباحاً ويظل يواصل العمل طوال النهار· وغالباً ما كان يتوقّع أن يبذل مساعدوه الجهد نفسه· وكانوا دائماً جاهزين لتقديم معلومات حديثة جداً عن أي أمر واقع في دائرة اختصاصهم، وكان يحكم عليهم وفقاً لدرجة دقة تقاريرهم ونظامها ووفائها بالمراد، وسرعة تقديمها حاوية آخر التطورات حتى آخر ساعة· ولم يكن يعتبر يومه منتهياً حتى يقرأ المذكرات والوثائق التي غالباً ما كانت تأتيه يومياً من دوائر الحكومة المختلفة· وربما كان نابليون هو صاحب أفضل جهاز للتزويد بالمعلومات في التاريخ·
وقد اختار للوزارات الكبرى (المهمة) رجالاً ذوي قدرات عالية من الطراز الأول مثل تاليران Talleyrand وجودين Gaudin وفوشيه Fouche رغم اعتزازهم الشديد بأنفسهم مما كان يسبب له بعض المتاعب، وكان يفضل - بشكل عام - للمناصب الأخرى خاصة الإدارية رجالاً من الطبقة الثانية ممن لا يوجِّهون أسئلة له أو يقترحون عليه إجراءات من عند أنفسهم، فلم يكن لديه الوقت أو الصبر لمثل هذه المناقشات، فقد كان ينتهز الفرص وفقاً لتقديره هو، كما كان يتحمل المسؤولية والمخاطرة· وكان يطلب من العاملين معه أن يُقسموا يمين الإخلاص ليس فقط لفرنسا وإنما الإخلاص له شخصيا· وفي معظم الحالات كانوا علي استعداد للموافقة على أداء هذا القسم مَسُوقين بتأثير شخصيته وكأنهم منوَّمون مغناطيسياً وبتأثير عظمة مخططاته· لقد كنت أثير المنافسة وأكافئ كل مستحق وأُزيح للخلف حدود المجد لأجعل مجالها أرحب(701)· لكنه دفع ثمن منهجه في اختيار مساعديه ذلك المنهج الذي سار بالتدريج نحو إحاطة نفسه بتابعين قلّما كانوا يجسرون على مناقشة وجهات نظره حتى أن الأمر انتهى بإزاحة كل اعتراض في سبيل تسرعه أو كبريائه إلاَّ ما تمثله الدول الاجنبية المعادية له، إلا أن كولينكور Coulanicourt يُعد استثناء من هؤلاء المحيطين به في سنة 2181·
لقد كان نابليون قاسياً مع مرؤوسيه، صارماً إذا وبّخ، بطيئاً إذا امتدح، لكنه كان مستعداً للمكافأة على الخدمات الباهرة (غير العادية) ولم يكن يؤمن بوضع مرؤوسيه في وضع يكونون فيه مطمئنين مرتاحي البال، فشيء من الوعد غير الموكدة بمنصب أو ولاية قد يدفع لمزيد من العمل الجاد، ولم يكن نابليون يعترض على اتصالاتهم وتكوين علاقات وثيقة بينهم، بل ولم يكن يعترض على وجود أمور غامضة مشبوهة في ماضي الواحد منهم فذلك يتيح له ممسكاً يضمن به حُسْن سلوكهم(801)· وكان يستخدم مساعديه إلى أقصى درجة، ثم يترك الواحد منهم ليعود متراجعاً مستمتعاً بمعاشٍ سخي، وربما ببعض ألقاب النَّبالة كمفاجأة سارة· ولم يعش بعضهم حتى يتلقوا هذه المكافأة أو حتى يصلوا إلى هذه النتيجة المرجوّة، فقد فضل فيلينيف Villeneuve الذي هُزِم في الطرف الأغر - الانتحارَ علي مواجهة لومه، ولم تَهُز الاعتراضات مشاعره القاسية، فمن أقواله: يجب أن يكون قلب رجل الدولة في رأسه(901) ولا يجب أن يُدخل مشاعره في الأمور السياسية، وفي عملية إدارة إمبراطورية، لا يساوي الفرد إلاّ قليلاً إلاّ إذا كان هذا الفرد هو نابليون· وربما بالغ نابليون في عدم إحساسه بأهميــة الجاذبية الشخصية عندما قال: أنا لا أحب إلاّ المفيدين لي، وطالما هم مفيــدون(011) وقد اســتمر نابليون في حبّه لجوزفـين فتــرة طويلة بعد أن أصبحت مُعوَّقةً لخططه· وبالطبــع فإنه كمعظم البشــر كــان في هــذا راضخاً لرغبته فيها· وكان يعدّل في نشراته الحربية - كما تفعل معظم الحكومات - ليحتفظ بالروح المعنوية العامة مرتفعة· وقد درس ميكافيلي Machiavelli وقلمه الرصاص في يده (كناية عن الاهتمام ليخط به تحت السطور الحاوية على فكرة مهمة) وثمة نسخة من كتاب الأمير (لميكيافيلي) عليها بعض التعليقات تم العثور عليها في مركبته في واترلو Waterloo· لقد كان نابليون يعتبر أن كل شيء يُعجِّل بتحقيق أهدافه شيء طيب أو بتعبير آخر كان يعتبر الغاية تبرر الوسيلة· إنه لم ينتظر نيتشه Netzche ليُرشده بقوله أن الرغبة في القوة كامنة وراء الخير والشر على سواء لذا فإن نيتشه اعتبره الناتج الطيب الوحيد للثورة الفرنسية وأطلق عليه Ens realissimum وقد قال نابليون القوة خير والضعف شر(111) وقد حزن من أجل أخيه جوزيف (يوسف) قائلاً إنه أطيب من أن يكون رجلاً عظيماً ومع هذا فقد كان نابليون يحبه·
وقريب من آرائه هذه - التي تعلمها في كورسيكا وفي ميادين القتال - ما كان يكرره كثيراً أن الناس لا يمكن دفعهم أو حكمهم إلاَّ بالتلويح بمصالحهم أو بإخافتهم أو بتعبير آخر لا يرضخون إلاّ خوفاً أو طمعاً(211)· لذا فإنه عاماً بعد عام أصبحت مشاعره هذه هي أساس حكومته وعُمُدُها· ففي سنة 0081 نصح الجنرال هيدوفيل Hedouville أنه ليقمع الاضطرابات في إقليم فندي Vendee عليه أن يحرق مدينتين كبيرتين - أو ثلاث - ويسويها بالأرض، على أن تكون هذه المدن في المناطق الأكثر إثارة للاضطراب، وذلك لتكون عِبْرة لغيرها· لقد علّمته خبرته (كقنصل أول) أن القسوة المروّعة هي أكثر الوسائل إنسانية ورحمة في ظل هذه الظروف التي تواجهها، فالضعف هو وحده القاسي وغير الإنساني(311)· وكان يوجه تعليمات لقضاته بإصدار أحكام قاسية· وقال لفوشيه Fouche إن فنّ الشرطة يعني أن نعاقب قليلاً لكن إن عاقبت فكن قاسيا(411) ولم يكتف نابليون بالاعتماد على قوات كبيرة من الشرطة والمخبرين السريين تحت إدارة فوشيه أو ريجنييه Regnier، وإنما نظَّم هيئة إضافية للشرطة السرّية، مهمتها مساعدة فوشيه وريجنييه والتجسّس عليهما، وأن يكتــب أفرادهـا تقارير له عن أية مشاعر معادية ضدّه (ضد نابليون) في الصحف أو المسارح أو الصالونات أو الكتب· ومن أقوال نابليون إن الحاكم عليه أن يشك في كل شيء(511)· وبحلول عام 4081 كانت فرنسا دولة بوليسية· وبحلول عام 0181 أصبح فيها نماذج مصغرة لسجن الباسيتل - سجون الدولة التي كان يمكن فيها احتجاز المعارضين السياسيين بناء على أوامر إمبراطورية دون أن يتم ذلك من خلال إجراءات قضائية نظامية(611)· وعلى أية حال فلابد أن الإمبراطور كانت تبدر منه مبادرات الرحمة والعفو في عدة مناسبات· فقد أصدر كثيراً من مراسيم العفو حتى بالنسبة للذين تآمروا ليقتلوه(711)، وأحياناً كان يخفف الأحكام الشديدة التي تصدرها المحاكم(811)· لقد قال - وهو مستغرق في التأمل - لكولينكور Coulaincourt في ديسمبر سنة 2181:
إنَّهم يظنوني صارماً أو حتى متصلّب الفؤاد· هذا أفضل كثيراً، فهذا يجعل من غير الضروري أن أُثبت لهم ذلك· إنهم يظنون ثباتي (تصميمي) قسوة قلب· إنني لن أشكو ما دامت هذه الفكرة عنِّي هي السبب في الانضباط وحُسن النظام الذين أصبحا سائدين·· انظر هنا يا كولكينكور، إنني بشر، فمهما كان ما يقوله بعض الناس فإن لدي مثلهم أحشاء [أحشاء الرحمة] وقلب - لكنه قلب حاكم· إن دموع أرشدوقة لا تحركني· وإنما تحركني معاناة الناس(911)·
ولا جـدال أنه كان إمبراطوراً وأنه في غالب أحواله كان متنوراً، وفي غالب أحواله كان في عجلة مطلقة· لقـد اعـترف للاكاس Las Cases: الدولــة أنا(021)· وربمــا كــان علينا أن نغفر له شيئاً من استبداده باعتباره إجــراء معتـاداً تقــوم به الحكومات لضبط الاقتصاد الوطني والمسارح والمنشورات زمن الحرب· وقد شرح نابليون إحكامه الهيمنة على أمور البلاد باعتبارها أمراً ضرورياً في مرحلة الانتقال الصعبة من الحرية المتسيِّبة بعد سنة 1971 نتيجة وقائع الثورة، والنظام البنّاء في عهدي حكومتي القنصلية والإمبراطورية· وقد استدعى نابليون لذاكرة الناس أن روبيسير - وكذلك مارا Marat - كان قد أوصى بالدكتاتورية كضرورة لإعادة النظام والاستقرار لفرنسا التي أشرفت على الانحلال والتفسّخ على صعيد الأسرة وعلى صعيد الدولة· ولم يشعر نابليون أنه دمَّر الديمقراطية، فما أزاحه في سنة 9971 كان هو أوليجاركيّة الفساد (جمهورية تسيطر عليها مجموعة فاسدة) والقسوة وعصبة من رجال لا ضمير لهم· لقد قضى على حرية الجماهير (الجموع) لكن هذه الحرية كانت تدمّر فرنسا بالاضطرابات التي كان يثيرها العامة، وبالتسيّب الأخلاقي، ولم يكن يمكن لفرنسا أن تستعيد قوتها كدولة متحضرة ومستقلة إلاّ بإعادة السلطة المركزية·
وحتى سنة 0181 لم يكن نابليون بمستطيع أن يتسامح مع نفسه لعدم صدقه في ادعائه الإيمان بالهدف الثاني للثورة الفرنسية وأعني به المساواة، لكنه آمن بمبدأ مساواة الجميع أمام القانون وعمل على نشر هذا المبدأ· فهو لم يفرض مساواة مستحيلة تجعل كل قدرات الناس واستحقاقاتهم على نحو سواء، وإنما أسس نسقاً من المساواة قوامه إتاحة الفرص - على نحو سواء - لكل الموهوبين وذوي القدرات بصرف النظر عن مكان مولدهم ليطوروا أنفسهم في مجتمع يُقدِّم للجميع دون مفاضلة فرص التعليم، والفرص الاقتصادية والحقوق السياسية، وربما كان فتحه المجال لكل ذي موهبة ومقدرة هو أكثر عطاياه لفرنسا بقاءً· وكان نابليون يقضي على الفساد في الحياة العامة(121)· وهذا وحده يكفي لتخليد ذكراه· لقد أعطى المثل - بكل معنى الكلمة - لرجل يكرس نفسه للإدارة إذا لم تدعُه الحربُ لميادينها· لقد أعاد صياغة فرنسا·
لماذا فشــل إذن؟ ذلك لأن مـا كـان فـي حـوزته فـاق إمكاناتـه (اســتطاعته)، وخيالـه سيطر على طموحه، وطموحه تحكم في بدنه ونفسه وعقله وشخصيته· لقد كان عليه أن يعرف أن القوى المناوئة له لم تكن لترضى أبداً بترك فرنسا تحكم نصف أوروبا· لقد نجح - بشكل يمكــن تحديده· في تخليص بــلاد الرايــن الألمانية مـن اقطاع القرن التاسع عشر لكنه لم يكــن بمستطيع - لا هو ولا أي رجـل في عصره - أن يُدمج في فيدرالية دائمة منطقة طال عليها العهد وهي مقسمة إلى دول، كل دولة منها لها تراثها الحريصة عليه، ولها لهجتها الخاصة وعاداتها وعقيدتها وحكوماتها· ويكفي أن نذكر هذه الممالك المختلفة من الراين إلى فستولا Vistula ومن بروكسل لنابلي لنحس بحجم المشكلة: ممالك أو إمارات مثل هولندا، وهانوفر، ووستفاليا Westphalia والمدن الهانسياتية Hanseatic، وبادن Baden وبافاريا، وفيرتمبرج Wurttemberg وإيليريا Illyria والبندقية (فينيسيا) ولمبارديا والولايات الباباوية والصقليتين - من أين له برجال أقوياء بالقدر الذي يكفي لحكم هذه المناطق، وفــرض الضرائـب علـى أهلهــا، وأخيراً لتجنيــد أبنائهــم لشــن حــروب ضد أمم أقرب إليهم من فرنســا؟ كيــف يســتطيع أن يفــرض الوحــدة بين هذه الدوائر الإضافية البالغ عددها أربعة وأربعــين ودوائــر فرنســا البالغ عــددها ســتاً وثمانون؟ أو كيف يستطيع أن يوحّد قســراً ســتة عشـــر مليونــاً من الأقويــاء المعتزين بأنفسهم مع ستة وعشرين مليونا من الفرنسيين المتقلبين والمعتزين بأنفسهم أيضاً؟ ربما كان أمراً رائعاً أن يحاول ذلك لكن كان لابد أن يحالفه الفشل في هذه المحاولة· وفي خاتمة المطاف أطاح الخيال بالعقل· لقد تفرّق شمل هذا الكيان غير المستقر، وهزمت القوة الراسخة للشخصية الوطنية إرادة الدكتاتور الكبير·