قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> عن نابليون -> نابليون الفيلسوف

6- نابليون الفيلسوف


وعندما طوى الخيال جناحيه، أصبح نابليون قادراً على استخدام عقله على نحو ما يفعل أفضل العلماء وأكثرهم مقدرة في المعهد العلمي الفرنسي، ومعهد دراسة مصر· ورغم أنه لم يستنبط نظاماً محدداً من الفكر يتحتم سجن الكون داخله بحيث لا تفلت منه شاردة ولا واردة، إلاّ أن عقله الواقعي قد أظهر القصورَ في أعمال المفكرين الذين يسيئون استخدام الأفكار ويبنون قلاعاً في الهواء لا أساس لها من البيولوجيا (علوم الأحياء) أو التاريخ· فبعد أن جرَّب (أي نابليون) لابلاس Laplace وغيره من العلماء في المناصب الإدارية، خلص إلى أنك لا تستطيع أن تنجر أي عمل مع فيلسوف(221) وعلى أية حال فإنه شجع العلوم وأوصى بدراسة التاريخ فمن أقواله لابد ان يدرس ابني كثيرا من علم التاريخ وأن يستغرق في تأمله، فالتاريخ هو الفلسفة الوحيدة الحقيقية(321)·
وكان الدين واحداً من المجالات التي روّج لهاالمفكرون بدلاً من ترسيخ أنفسهم في مجال التاريخ· وقد شعر نابليون أن عالم المنطق وحده هو الذي يمكن أن يقلق طويلاً أمام هذا السؤال: هل الله موجود؟ أما الفيلسوف الحقيقي الذي تعلم في مدرسة التاريخ فيجب أن يسأل لماذا يظل الدين حياً دائماً ويلعب دوراً مهماً في كل حضارة، رغم أنه - أي الدين - كان في أغلب الحالات تنقصه الحجة ويدعو للسخرية؟ لماذا قال فوليتر الفيلسوف المتشكك إن الله لو لم يكن موجوداً لكان من الضروري أن نخترعه أو بتعبير آخر نتخيل وجوده؟·
لم يكن نابليون نفسه يؤمن بعقيدته الدينية منذ كان في الثالثة عشرة من عمره· وفي بعض الأحيان كان يتمنّى لو كان قد احتفظ بها· إنني أتخيّل أنها (أي العقيدة) لابد أن تؤدي إلى سعادة كبيرة حقيقية(421) وكلنا يعرف القصة التي حدثت في مصر عندما سمع بعض العلماء (الفرنسيين) يتحدثون عن (الخالق) بغير وقار، إذ تحداهم مشيراً إلى النجوم: تحدثوا كما تشاءون، وأطيلوا الحديث كما يحلو لكم أيها السادة من خلق كل هذه النجوم؟(521) ومن الممكن أن نقتبس من أقواله ما يؤيد وما يعارض مقالته هذه وموضوعات أخرى كثيرة، لأنه غيّر وجهات نظره بمرور الوقت، كما تغيرت حالته النفسيّة أيضاً ونحن نميل لتجاهل تواريخ حدوث هذا التغير، فحتى بالنسبة للمفكّر الذي لم يبلغ الخمسين من عمره نجده يتخلّى عن عقائد أقسم في شبابه ألا يتخلى عنها، ومن في الثمانين من عمره لا يبتسم ساخراً من وجهات النظر الناضجة التي قال بها في أواسط عمره؟ وبشكل عام فإن نابليون ظل محتفظاً باعتقاده في وجود عقل كامن وراء العالم المادي أو كامن فيه(621) لكنه ينكر معرفته بأية معلومات عن طبيعة هذا العقل وهدفه· لقد استقر رأيه وهو في سانت هيلانه على أن كل شيء يشهد بوجود الله(721) لكن أن تقول من أين جئت؟ ومن أكون، وإلى أي مصير أنا صائر، فتلك كلها مسائل فوق مستوى الفهم(821) وفي بعض الأوقات نجده يتحدث كالتطوريين الماديين materialistic evolutionist المادة كل شيء(921)··· فالإنسان ليس إلاّ موجوداً أكثر اكتمالاً من الحيوان، وأفضل منه تفكيراً(031) ومن أقواله أن الروح ليست خالدة، وإذا كان لابد أن نقول بشأنها قولا فقد وجدت قبل أن نولد(131) ومن أقواله أيضاً: إن كان لابد أن أتخذ ديناً لعبدتُ الشمس لأنها السبب في خصوبة كل شيء إنها الرّب الحقيقي للأرض(231) ومن أقواله لقد كان يتحتم عليَّ أن أتخذ ديناً لو أنه وُجد مع بداية الكون· لكنني عندما أقرأ سقراط أو أفلاطون أو موسى أو محمد (المترجم؛ عليهما السلام) فإنني لا أزداد إيماناً، فكلها عقائد ابتدعها الناس(331)·
لكن لماذا ابتدع الناس الأديان؟ يجيب نابليون: لقد ابتدعوها ليريحوا الفقراء وليمنعوهم من قتل الأغنياء· ذلك لأن الناس قد ولدوا غير متساوين وزادت الفروق بينهم مع كل تقدم في مجال التكنولوجيا والتخصص، ولابد للحضارة أن تستنبط وسائل لمكافأة ذوي القدرات المتفوقة والاستفادة منهم وتطويرهم، ولابد ان تُقنع الأقل حظاً بأن يقبلوا بسلام هذا التفاوت في العوائد والممتلكات باعتباره أمراً طبيعياً وضرورياً· كيف يمكن أن يتم هذا؟ يجيب نابليون: بالقول أن ما حدث إنّما هو إرادة الله ومشيئته، إنني لا أرى في الدين سر التجسّد بل سرّ النظام الاجتماعي· إن المجتمع لا يمكن أن يقوم إلاّ في ظل التفاوت (عدم المساواة) في الرواتب أو المكافآت أو الدخل، ومن ثم في الممتلكات هذا التفاوت (عدم المساواة) لا يمكن الإبقاء عليه إلاّ بالدين··· لابد أن يكون في مقدورنا أن نقول للفقير: تلك إرادة الله· لابد أن يكون هناك غني وفقير في هذا العالم لكن في الآخرة حيث الخلود، سيكون هناك توزيع مختلف(431) ومن أقواله إن الدين ينسب إلى (فكر) الله فكرة المساواة التي تنقذ الأغنياء من مذبح يقيمها لهم الفقراء(531)·
وإذا كان هذا صحيحاً فقد أخطأت حركة التنوير في مهاجمتها للمسيحية وأخطأت الثورة الفرنسية في وضع العراقيل في سبيل الدعوة للكاثوليكية· فانعدام الحكومة على المستوى الفعلي والخلقي [؟] الذي قاسينا منه نتيجة الفوضى العقلية الأخلاقية [؟] - انهيار الإيمان وإنكار العقيدة كانا استهلالاً له أو سبقاه فكان انعدام الحكومة نتيجة لهما(631) وربما لهذا السبب ولأغراض سياسية أعاد نابليون الكنيسة الكاثوليكية لتكون حارساً مقدّسا للأمة الفرنسية وهو - أي نابليون - لم يفسرّ هذا التحالف الجديد مع الكنيسة بمعنى ارتباطه بالوصايا العشر(üüü)، وإنما كان يطوف حولها - أي هذه الوصايا - بين الحين والحين ومع هذا فقد دفع رواتب القسس ليبشروا بها لجيل مرتعب من الفوضى ومستعد للعودة إلى النظام· وكان معظم الآباء والمعلمين سعداء بالحصول على عون العقيدة الدينية لتنشئة أبنائهم وتربيتهم - لمواجهة النزوع الطبيعي للشباب إلى الفوضى - بالقوانين الأخلاقية القائمة على أسس من التقوى الدينية وأسس من حب الآباء لأبنائهم وولاء الأبناء لآبائهم، باعتبارها - أي هذه الأسس - من عند الله المطّلع على كل شيء والذي يعاقب المخطئ عقاباً أبدياً، ويثيب المصيب ثواباً أبدياً، وكان معظم أفراد الطبقة الحاكمة ممتنيّن لعملية تعليمية تُفرز رأياً عاماً يقبل بمبدأي التفاوت (عدم المساواة) في القدرات والممتلكات باعتبار هذا من الأمور الطبيعية التي لا مفر منها· فأبناء الأرستقراطية القديمة قد جرى إيجاد المبرّرات لهم بالقول أنهم طهرَّوا ثرواتهم بما لهم من أفضال وبأسلوب حياتهم، أما أبناء الارستقراطية الجديدة فقد ترسَّخت ارستقراطيتهم كما أن الثورة - طوال جيل - قد كفّت صوتها وأخفت بنادقها·
في هذا المجتمع الذي تُبعث فيه الحياة من جديد لزم أن يُعاد للزواج أهميته وقداسته وشرعيته مرة أخرى، وكذلك لزم الأمر نفسه بالنسبة للأمومة، وكذلك الملكية - وليس الحب الرومانسي، لزم لهذا كله أن يُرسَّخ لتحقيق غاياته· فالحب الذي ينشأ نتيجة المفاتن البدنية بين الفتى والفتاة إنما هو بسبب الهرمونات وتقارب العمر والاقتراب المكاني· وأن توجد زواجاً دائماً اعتماداً على هذه الظروف القائمة على المصادفة والظروف العابرة إنما هو تفكير يدعو للسخرية· إنه حماقة مزدوجة(831)· إن كثيراً من هذا الحب تثيره - بشكل غير طبيعي - الكتابات الرومانسية· وربما اختفى لو أن الناس كانوا أميِّين· يقول نابليون إنني اعتقد جازماً أن الحب الرومانسي له من الأضرار أكثر مما له من الحسنات·· وربما كان من الخير اقصاؤه كسبب لتوحّد رجل وامرأة في مشروع دائم لتنشئة الأطفال وأساس لنقل الملكية (المقصود التوريث أو انتقال الثروة بالميراث) ويقول نابليون لابد من منع الزواج بين ذكر وأنثى يعرف كل منهما الآخر لفترة تقل عن ستة أشهر(931)·
وكان نابليون يؤمن بنظر محمد (صلى الله عليه وسلم: المترجم) للزواج: إن هدفه هو إنجاب عدد كبير من الذرية في ظل ظروف يتمتع فيها الرجل بالحرية، وتتمتع فيها الزوجة المخلصة المطيعة بالحماية· وشعيرة الزواج - رغم إمكان عقد القران مدنياً - لابد أن تكون ذات طابع مقدّس وقور يتم التأكيد خلالها على التزامات الطرفين(041)· ولابد أن ينام الزوج والزوجة معاً، فهذا يُقصي الفردية من الحياة الزوجية ويضمن وضع المرأة وارتباط الزوج بها، ويجعل بينهما مودة ورحمة intimacy ويضمن الفضيلة(141) وقد اتبع نابليون هذه العادات القديمة حتى استقر رأيه على الطلاق·
وعلى أية حال فإن كانت الزوجة المخلصة الواحدة غير كافية للرجل فإنني أجد أنه من السخرية ألاّ يكون قادراً على أن يكون له أكثر من زوجة شرعية، ذلك أن المرء إذا كان لديه زوجة واحدة حُبلى، أصبح وكأنه لا زوجة له(241) فتعدد الزوجات أفضل من الطلاق أو الزنا· ويجب ألا يُسمح بالطلاق بعد عشرة زوجية استمرت عشر سنوات· ويجب ألا يُسمح للزوجة بالطلاق إلاّ مرة واحدة وألاّ يُسمح لها بالزواج - إن طُلقت - إلا بعد خمس سنوات(341) ولا يعتبر زنا الزوج مبرراً كافياً للطلاق إذا لم تكن هناك ظروف أخرى كاحتفاظ الزوج بخليلته في مكان إقامة الزوجة(441) وإذا اقترف الزوج عملاً من أعمال الخيانة الزوجية وجب عليه أن يعترف لزوجته ويبدي ندمه فيمحو باعترافه وندمه كل أثر من آثار جُرمه· تغضب الزوجة وتعفو فتنصلح الأمور بينهما· لكن الأمر يختلف إن كانت الزوجة غير مخلصة لزوجها· شيء طيب أن تعترف وتعتذر لكن من الذي يضمن ما إذا كان قد بقي - نتيجة خياتها - شيء من رَحِمها أو في عقلها؟ لذا فالزوجة بعد خيانتها لا يجب (ولا يمكن) أبداً أن تنتهي مع زوجها إلي تفاهم(541) (المؤلف: ولكنه سامح جوزفين على خيانتها له مرتين)·
وقد حصّن نابليون نفسه ضد فتنة النساء بأخذه بالنظرة الإسلامية (النص: نظرة محمد صلى الله عليه وسلم) للمرأة: إننا نعامل النساء معاملة جيدة جداً، وبهذه الطريقة نفقد كل شيء· إننا نخطئ خطأً كبيراً في رفعهن إلى مستوانا· حقاً إن شعوب الشرق أكثر منا عقلاً وإحساساً بإعلانهم أن الزوجة ملكية حقيقية لزوجها· فالحقيقة أن الطبيعة قد جعلت المرأة جارية للرجل· فالمرأة تضع الأطفال للرجل·· وعلى هذا فهي من ممتلكاته تماماً كما أن فاكهة الشجر ملك لصاحب البستان(641)·
كل هذه الأفكار تتسم بالبدائية (السذاجة) وهي تناقض البيولوجيا (أي علم الأحياء) الذي عادة ما يُظهر الأنثى جنساً مسيطراً أو سائداً بينما الرجل مجرد تابع يقدّم الطعام، وأحياناً ما يؤكل هو نفسه أي تأكله الأنثى، لذا سنكون سعداء بقبول تأكيد لا كاس Las Cases إن كثيراً من أكفار نابليون المتعلقة بالنساء إن هي إلاّ تظاهر بالشجاعة أو تبجّح ومزاح أو أحلام رجل عسكري توّاق لعدد لا نهاية له من المجنّدين إلزامياً الذين تنتجهم أرحام النساء، لكن نظرة نابليون هذه متسقة تماماً مع أفكار أي قائد من قوّاد المرتزقة في كورسيكا· وقد أصرّت المدوّنة القانونية النابليونية على أن الرجال قوّامون على النساء قوامةً مطلقة، بل وقوَّامون على ممتلكاتهن، واعتبرت ذلك (أي مدوّنة نابليون) مسألة ضرورية لتحقيق الانضباط الاجتماعي· لقد كتب نابليون إلى جوزفين في سنة 7081 لقد كُنت دائماً أعتقد أن المرأة خُلِقت للرجل، والرجل للوطن والأسرة والمجد والشرف(741) وبعد معركة فريدلاند Friedland (41 يونيو 7081) التي شهدت مذبحة مروّة على الجانبين وضع نابليون برنامجاً دراسياً لمدرسة تُبنى في إكوين Ecouen للبنات اللائي فقدن أمهاتهن واللائي ليس لهن أهل قادرون على إعالتهن·
ماذا يجب أن تتعلّم البنات في إكوين Ecouen؟ يجب أن نبدأ بتعليمهن الدين بكل صرامته·· فما نطلبه من تعليم البنات هو أن يجعلهن مؤمنات لا مفكّرات، فضعف عقول النساء وكونهن غير مستقرات في أفكارهن (يحركهن الهوى)··· يجعلهن في حاجة إلى الاذعان الدائم·· ولا يمكن الوصول لكل هذا إلا من خلال الدين·· إنني لا أريد لهذه المدرسة أن تُخَرّجَ نساء ذوات فتنة وإنما نساء ذوات فضيلة ولابد أن يكن جذّابات بحكم مبادئهن السامية وقوبلهن الدافئة لا بحكم ظُرفهن وكونهن مُسلِّيات·· وبالإضافة لهذا لابد أن نعلِّم البنات الكتابة والحساب ومبادئ اللغة الفرنسيّة··· ولا ضرورة لتدريس اللاتينية لهن·· ولابد من تعليمهن إجادة كل أعمال المرأة·· ولا مجال لأن يقوم الرجال بالتدريس للبنات، فلا يجب أن يكون في المدرسة رجل إلاّ الناظر·· حتى أمور حديقة المدرسة يجب أن يقوم عليها النساء(841)·
وكانت فلسفة نابليون السياسية غير متسقة بالقدر نفسه· فما دام كل الناس قد وُلدوا غير متساوين فلا مناص من أن الأقلية وهي التي تمتلك العقول الأقوى هي التي ستحكم الأغلبية بقوة السلاح والفكر (الكلمة)، ومن ثمَّ فإن يوتوبيا المساواة ما هي إلاّ خرافة مسلّية (أو بتعبير آخر إن هي إلاّ أساطير) يقول بها الضعفاء، فالصيحات الفوضوية المطالبة بالتحرر من القوانين والحكومات، إنما هي تضليل فج يدل على عدم النضوج كما يدل على عقول مستبدّة· والديمقراطية لعبة يستخدمها الأقوياء ليُخفوا بها حُكمهم الأوليجاركي (الأوليجاركية تعني حكم الأقلية التي تعمل لصالحها في ظل نظام ظاهره جمهوري)(941) ومن الناحية الفعلية فقد كان على فرنسا أن تختار بين حُكم النبلاء الوراثي وحكم طبقة رجال الأعمال business class· وعلى هذا فالأرستقراطية دائماً موجودة بين الأمم وفي أثناء الثورات، وإذا حاولت التخلّص منها بتدمير نظام النبالة فإنها سرعان ما تعيد تكوين نفسها بين الأسر الغنية والقوية من الطبقة الثالثة Third Estate فإن دمّرتها في موقعها الجديد هذا، اتخذت لنفسها ملاذاً بين زعماء العمال وزعماء الشعب(051) فالديمقراطية - إن كانت معقولة - يجب أن تقتصر على إتاحة فرص متساوية أمام الجميع ليتنافسوا ويتملكوا(151) ويزعم نابليون أنه حقق هذا بكسر الحواجز أمام المتفوقين والموهوبين في كل المجالات، ولكنه سمح بكثير من الانحرافات التي أخرجت مسار حكمه عن هذه القاعدة·
لقد كان رأيه غير واضح فيما يتعلق بالثورات· فهي تُطلق العنان لمشاعر الجماهير المتقدة مادامت الجرائم الجماعية لا تُوقع المسؤولية الجنائية على أحد(251) ولا يمكن أن تكون هناك ثورة بدون إرهاب(351) و الثورات هي السبب الحقيقي لبعث الأعراف العامة وبث الروح فيها من جديد(451) لكنه انتهى بشكل عام (في سنة 6181) إلى أن الثورة واحدة من أكثر الشرور التي يمكن أن يُبتلى بها البشر· إنها كارثة حلّت بجيل ومهما كانت المزايا الناتجة عنها، فإنها لا يمكن أن تكون تعويضاً عن البؤس الذي نغَّصت به حياة الذين قاموا بدور فيها(551)·
لقد كان نابليون يفضل النظام الملكي على كل أشكال الحكم الأخرى ولو من قبيل الدفاع عن التوريث في الحكم (يعني توريث ذريته وقرابته هو) ضد الشكوك التي أثارها القيصر اسكندر(651) إن فرص تأمين الحكم الصالح في النظام الوراثي أكثر منها في النظام الانتخابي(751) فالناس يكونون أكثر سعادة في ظل مثل هذه الحكومة الراسخة الدائمة منهم في ظل ديمقراطية تجعل كل الأمور متاحة للجميع بلا ضابط فيستولى الشيطان في خاتمة المطاف على مقدّراتها ففي الأزمنة التي يسودها الهدوء والنظام ينعم كل فرد بنصيبه من السعادة فيصبح عامل الاسطبل سعيدا في اسطبله سعادة لا تقل عن سعادة الملك على عرشه، ويسعد الجندي العادي سعادة لا تقل عن سعادة الجنرال(851)·
وكان حُلمه السياسي المثالي هو توحيد أوروبا في فيدرالية واحدة أو جعل باريس عاصمة العالم التي تحكم القارات والدول من خلال علاقاتها الخارجية· وفي هذا الكيان الأوروبي المشترك تُلغي الحواجز السياسية وتُكفل حرية السفر والنقل والتجارة، ويتم توحيد العملة والموازين والمكاييل والمقاييس(951)· وعندما وصل نابليون إلى موسكو في سنة 2191 ظن أن تحقيق سلام عادل - فقط - مع اسكندر هو الأمر الوحيد الباقي لتحقيق حلمه في توحيد أوروبا· لقد أساء نابليون تقدير القوى الطاردة المركزية الممثلة في الفروق بين الوطنيات المختلفة (الاختلاف بين الأمم)، لكن ربما كان نابليون على حق في الاعتقاد في أن أوروبا إذا ما حقّقت الوحدة فلن يكون ذلك بالاقناع أو بالاحتكام إلى أحكام العقل وإنما رضوخا لقوة متفوقة تستمر طوال جيل· ومع هذا فقد تستمر الحرب، لكنها - على الأقل - ستصبح مدنية (أقرب ما تكون للمنافسة)·
وكلما اقترب نابليون من نهايته راحت فكرة عجيبة تُلح عليه أكان حُر الإرادة مُبدعاً فيما أتاه أم أنه كان أداة لا حَوْل لها في يد قوى كونية معيّنة· ولم يكن نابليون قدرياً (جبرياً)، ينزع من الإنسان قدرته على العمل الحر، والجبري هو ذلك الشخص الذي يعتقد أن نجاحه وفشله، وصحته ومرضه، وطبيعة حياته ولحظة مماته قد حدّدتها - سلفاً - قوى غير منظورة بصرف النظر عمَّا يختاره هو بإرادته(061)، ولم يكن نابليون يؤمن بالحتمية على نحوٍ واضح، والحتمي هو الشخص الذي يعتقد أن كل ما يجري - بما في ذلك خياراته وأفكاره وأفعاله - إنما هو محكوم سلفاً بتوليفة من كل القوى أو العوامل بالإضافة لما حدث في الماضي (أحداث التاريخ)، لكنه كان يتحدث كثيراً عن القضاء والقدر أو القسمة والنصيب destiny - المجرى الرئيسي للأحداث الذي يمكن تطويعه جزئياً عن طريق الإرادة البشرية لكنه يسير في مساره لا يمكن مقاومته بشكل أساسي، وكأنه ينساب من طبيعة الأشياء ملازماً لها لا يبغي عنها حِولاً· وفي بعض الأوقات كان يحدثنا عن إرادته القوية قوّة تكفي لاعتراض المجرى أو تحويله - لقد كُنتُ دوما قادراً على فرض إرادتي على القدر(161) وينسب إليه قول يتعذّر التعويل عليه لأنه غير مؤكد: إنني اعتمد على مجريات الأحداث، فلا إرادة لي· إنني أترقب كل الأمور عند صدورها(261) - أي من مصادرها· فالأعظم والأعلى سلطة هو الذي يمتلك قدراً أقل من حرية الإرادة فثمة قوى أكثر وأعظم إرادة تفرض نفسها عليه وترتطم بإرادته فالمرء يعتمد على الظروف والأحداث· إنني العبد Slave الأعظم بين الرجال فسيّدي هو طبيعة الأشياء(361)· لقد مَزَج بين أمزجته المتقلبة وحالاته النفسية المتباينة والفكرة المنطوية على كبرياء والتي مؤدّاها أنه كان أداة في يد القدر، وهو يقصد بالقدر طبيعة الأشياء التي تفرض مجرى الأحداث ونهاياتها· إن القدر يدفعني لهدف أجهله، وحتى يتحقق هذا الهدف فأنا منيع حصين لا يستطيع أحد مواجهتي فإذا ما تحقق هذا الهدف أصبحت ذبابة واحدة كافية لتدميري(461)· لقد شعر بنفسه مقيّداً بقدر محتوم، قدر رائع لكنه خَطير· لقد كان المجد والظروف يسوقانه سَوْقاً فلابد من إنجاز ما يريده القدر(561)·
وكان نابليون يفكر مراراً - مثلنا جميعاً - في الموت، وكان تكوينه النفسي يجعله ميالاً للدفاع عن الانتحار أو التأمل فيه· وفي شبابه شعر أنّ الانتحار هو الحق النهائي لكل إنسان لكنه عندما بلغ الواحدة والخمسين أضاف لذلك إذا لم يضر بموته أحداً(661) وكان لا يؤمن بالخلود ليس هناك خلود وإنما الذكرى التي يتركها المرء في عقول الناس ونفوسهم··· أن تعيش بلاد مجد، ودون أن تترك أثراً لوجودك، فكأنك لم تَعِش على الإطلاق(761)·



صفحة رقم : 14600