قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> عن نابليون -> من هو نابليون

7- من هو نابليون؟


أكان فرنسياً؟ لقد كان فرنسياً بالصدفة وبمرور الوقت، وإلاّ فهو ليس فيه من الفرنسيين شيء لا في تكوينه الجسماني ولا في عقله ولا في شخصيته· إنه قصير وأصبح في وقت لاحق بديناً، وكانت ملامحه أقرب ما تكون إلى الصرامة الرومانية منها إلى الملامح الغاليّة الوضاءة وكان ينقصه ما يتمتع به المثقفون الفرنسيون من مرح وتسامح وروح فكاهة وأناقة· لقد كان ميالاً للسيطرة على العالم أكثر من ميله للاستمتاع به· وكان يعاني من بعض الصعوبات في نطق اللغة الفرنسية فقد ظل حتى سنة 7081 يشوب نطقهُ لها لكنة أجنبية(861) وكان يتحدث الإيطالية بطلاقة وكان يبدو في ميلان أكثر التصاقاً بها وألفة معها مما هو في باريس· وقد عبَّر في مناسبات مختلفة عن عدم حبّه للشخصية الفرنسية· قال لا كاس Las Cases إن الأمبراطور يتحدث باسهاب عن تقلّبنا وتغير مواقفنا بسرعة فهو يقول إن كل الفرنسيين متمرّدون ميَّالون لتوجيه اللوم··· فرنسا تحب التغيير ولا تُطيق بقاء أي حكومة لفترة طويلة(961)·
وتحدث غالباِ - بإلحاح شديد لا يُلح مثله إلاّ من كان غير واثق - عن حبه لفرنسا، وكان يكره أن يُقال له يا كورسيكي فمن أقواله أريد أن أكون فرنسياً خالصاً(071) وأنه لنُبل ما بعده نُبل أن يكون المرء قد وُلد فرنسياً(171) لكنه في سنة 9081 أفضى إلى روديريه Roderer بما يعنيه بهذا الحب: ليس له إلاّ عاطفة حب واحدة وخليلة واحدة· إنها فرنسا· إنني أنام معها، فلم تخذلني أبداً· لقد ضحّت بدمائها وأموالها من أجلي، فإن طلبت منها 000،005 مقاتل قدمتهم لي(271) لقد أحبّها على نحو ما يحب عازف الكمان كمانه، كأداة سريعة الاستجابة لقوسه وإرادته· لقد شد على أوتارها حتى قعطها، قطعها جميعاً تقريباً وفجأة·
أكان نابليون هو ابن الثورة الفرنسية؟ هكذا كان يطلق عليه المتحالفون الأوروبيون ضدّه لكنهم كانوا يقصدون بذلك أنه ورث كل آثامها وجرائمها وأنه واصل مهمتها في إبعاد أسرة البوربون التي كانت حاكمة· أما هو نفسه فقال مراراً إنه قد كان سبباً في إنهاء الثورة الفرنسية أو بتعبير آخر أوصلها إلى النهاية - انه لم يُنه ما سبّبته من فوضى وعنف فحسب، وإنما أنهى أيضاً دعاويها الديمقراطية (غير الحقيقية)· لقد كان ابناً للثورة إلى الحد الذي احتفظ فيه بانعتاق الفلاحين وتحررهم، وحرية التجارة والقيام بالمشروعات وإلى الحد الذي جعل فيه الناس سواسية أمام القانون وإلى الحد الذي فتح فيه أبواب المناصب على مصاريعها أمام الموهوبين والقادرين كما كان ابناً للثورة في إرادته المعقودة على الدفاع عن حدود فرنسا الطبيعية، لكنه عندما جعل من نفسه قنصلاً مدى الحياة فإمبراطوراً وعندما قضى على حرية الحديث وحرية الصحافة وأنهى شراكة الكنيسة الكاثوليكية في الحكم وأقام سجوناً جديدة وشجع الأرستقراطية القديمة والجديدة - فإنه - بالتأكيد - يكون قد أصبح بعيداً عن كونه ابناً للثورة· وكان نابليون يمكث أيضاً في البلاد المفتوحة، وفيها أنهى الإقطاع ومحاكم التفتيش وسيطرة رجال الدين على مناحي الحياة، وأدخل لهذه البلاد مواد مدونته القانونية وشيئاً من التنوير، لكنه أيضاً ربط هذه الدول المفتوحة به فعين عليها ملوكا·
أكان حقاً - رغم إرادته - كورسيكيا؟ هذا غير صحيح إلاّ فيما يتعلق بولائه لأسرته، وميله للقتال، وعاطفته الجياشة في الدفاع عن فرنسا ضد أعدائها، لكنه لم يكن كورسيكيا إذا نظرنا لعدم ميله للإقطاع كما ان قراءاته للمفكرين الفرنسيين أبعدته عن كاثوليكية العصور الوسطى التي كان عليها أهل جزيرته (كورسيكا)· لقد كان كورسيكي الدم، فرنسي التعليم، إيطالياً في كل شيء خلال ذلك·
نعم فبعد كل محاولاتنا للإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن نرجع إلى ما قاله ستندهال Stendhal وتين Taine من أن نابليون كان كأحد قادة الجنود المرتزقة في إيطاليا في عصر النهضة، وساعد على بقائه محتفظاَ بهذه الخاصية، انعزال كورسيكا وحروبها ونظامها الإقطاعي· لقد كان هو كقيصر بورجيا Cesare Borgia لكنه ضِعْفه عقلاً، وكان كمكيافيللي لكن حذره بمقدار النصف، وإرادته تزيد على ما أوصى به ميكافيللي مئة مرة· لقد كان إيطالياً لكن فولتير جعله شكّاكاً، كما جعلته الثورة الفرنسية التي شهد وقائعها حاذق الذهن محتالاً، وأصبح لمّاحاً حاد الذهن بدخوله في مناقشات يومية مع الفكرين الفرنسيين اللامعين· لقد ظهرت فيه كل صفات إيطاليا في عصر النهضة: الفنان والمقاتل والفيلسوف والقائد وحدتهم جميعا - في شخصه - مواهبه وأهدافه وفكره المتغلغل الثاقب اللمّاح، واتجاهه المباشر للانجاز والهيمنة، لكنه لم يكن قادراً علي التوقف· وباستثناء هذا الخطأ الحيوي، فقد كان هو أبرع من شهده التاريخ تحكماً في الأمور المعقدة وأبرع من شهده التاريخ تنسيقاً للطاقة البشرية· لقد أحسن توكويفيل Tocqueville عندما قال: لقد كان كأفضل ما يكون الرجال لكن دون فضيلة، وكأحكم ما يكون الرجال لكن دون تواضع· ومع هذا فقد كان نابليون في نطاق ما هو معقول محتمل عندما توقّع أن العالم قد لا يشهد نظيراً له لقرون كثيرة قادمة·


صفحة رقم : 14601