قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> فرنسا في عهد نابليون -> الاقتصاد

الفصل الحادي عشر


فَرنسا في عَهْد نابليون


1800- 1805


1- الاقتصـاد


رغم أنَّ نابليون نشأ ليكون رجلاً عسكرياً إلاَّ أنه كان ذا حِس صائب إزاء الحقائق الاقتصادية باعتبارها أساس تحديد مصائر الأسر وباعتبارها ركيزة للحضارة، وبها يكون الحُكُم على قوّة الدولة أو ضفعها· وبشكل عام فإنه رغم ميله الشديد للتنظيم كان مناصراً للحرية الاقتصادية، وفتح أبواب المنافسة، وحقوق الملكية الخاصّة· فلم يهتم كثيراً بالخطط الاشتراكية التي قال بها شارل فورييه Charles Fourier وغيره والمتعلقة بالانتاج الجماعي وتوزيع الناتج توزيعاً متساوياً· فقد كان يشعر شعوراً أكيداً أن الأقلية الأكثر مقدرة - في أي مجتمع - سرعان ما تحكم الأكثرية وتستوعب - أي هذه الأقلية النَّشِطة - القدر الأكبر من الثروة، وأكثر من هذا فإن المُثْل الشيوعية لا تستطيع على المدى الطويل بأساليبها المتباينة في تقديم الحوافز في حفز الناس على الكدح، ففي تحليل جانبي ورد أن الجوع هو الذي يجعل العالم يتحرك(1) وأكثر من هذا فإن الملكية الجماعية تمثّل إغراء مستمراً باللامبالاة· فبينما الملكية الفردية بما فيها من مصالح شخصية للمالك في ثروته - تدفع لليقظة الدائمة والانتباه المستمر مما يجعل خططه مثمرة محققة لأهدافها، فإن الملكية الجماعية تؤدي للخمول وعدم الانتاجية، لأن المشروع الفردي مسألة موهبة ومهارة بينما المشروع الجماعي مسألة روح عامة، وتوفر الروح العامة العالية لا يكون إلاّ نادراً(2)· ومن هنا فقد فتح نابليون كل الأبواب وأتاح كل الفرص لكل الناس بصرف النظر عن ثرواتهم وأنسابهم· وقد نعمت فرنسا حتى سنوات حكمه الأخيرة بالرخاء الذي حقَّق السلام الاجتماعي بين كل الطبقات ولم تعد هناك بطالة(3) ولا اضطرابات سياسية· ولم يعد أحد مهتماً بالإطاحة بحكومة وظّفت أو أتاحت فُرصة عمل لكل محتاج(4)·
لقد كان نابليون يؤمن بمبدأ أساسي هو أن دولة تقوم ماليتها على نظام زراعي جيد لا تسقط أبداً(5)· لقد أدرك أنه بإشرافه على كل شيء وعدم إغفاله أي شيء أن التعريفات الحامية Protective tariffs والتمويل المالي الموثوق به وصيانة الطرق والقنوات بشكل جيد، كل ذلك لابد أن يشجع الفلاحين على العمل الجاد المتواصل وعلى شراء الأراضي واستصلاح المزيد منها، وتزويد جيوشه بالشباب الأقوياء· لقد كان عدد كبير جداً من الفلاحين الفرنسيين يعملون بنظام المزارعة (أي العمل في مزارع الآخرين لقاء المشاركة في المحصول) أو في أراضٍ مستأجرة لكن نصف مليون منهم أصبحوا بحلول عام 4181 يمتلكون الفدادين (الأكرات acres) التي يزروعونها· وقد وصفت سيدةٌ إنجليزية قامت برحلة إلى فرنسا في هذا العام الفلاحين الفرنسيين بأنهم يتمتعون بدرجة من الرخاء لم يصل إليها الفلاحون في أي مكان في أوروبا(6)· وقد نظر هؤلاء الزرَّاع إلى نابليون باعتباره الضمان الحي لحُجج مليكاتهم وظلوا موالين له حتى وهنت أراضيهم نتيجة غياب أبنائهم المجندين في جيوشه·
واهتم نابليون أيضاً بالصناعة اهتماماً أساسياً· فجعل من مهامه زيارة المصانع وإظهار اهتمامه بعمليات الانتاج والمنتجات، وبالعمال والحرفيين والمديرين· وتطلّع إلى وضلع العِلْم في خدمة الصناعة· لقد أقام المعارض الصناعية - ففي سنة 1081 أقام معرضاً في اللوفر Louvre، وآخر في سنة 6081 في خيمة هائلة في ميدان الجنود المتقاعدين ومشوّهي الحرب Place des Invalides ونظم مدرسة الفنون والحِرَف، وكافأ المخترعين والعلماء· وأجريت التجارب في سنة 2081 لاستخدام طاقة البخار وبالفعل فقد تم تجريب آلة غير مُتقنة تعمل بالبخار لتسيير بارجة نقل بضائع في ترعة قرب باريس، لكن أمر استخدام الطاقة البخارية كان في حاجة إلى مزيد من الجهود· وفي سنة 3081 قدَّم روبير فلتون Robert Fulton خطة لاستخدام الطاقة البخارية في الملاحة، فأحالها نابليون إلى المعهد الوطني الفرنسي Institute National الذي رفضها بعد شهرين من التجارب لكونها غير عملية· لقد كانت الصناعة الفرنسية تتقدم على نحو أبطأ من الصناعة البريطانية، فقد كانت أسواق تصريف منتجاتها أقل ورؤوس أموالها أقل، واستخدام الآلات فيها أقل· وعلى أية حال ففي سنة 1081 عرض جوزيف - ماري جكوار Joseph - Marie Jacquard آلة جديدة للنسج وفي سنة 6081 اشترت الحكومة الفرنسية اختراعه هذا ونشرته فأصبحت صناعة النسيج الفرنسية تنافس نظيرتها البريطانية· وزاد عدد الأنوال (جمع نول) المستخدمة في صناعة الحرير في ليون Lyons من 0053 نُول سنة 0081 إلى 057،01 في سنة 8081(7) وفي سنة 0181 كان يعمل في مصانع مورّد نسيج واحد أحد عشر ألف عامل(8)· وفي هذه الأثناء كان الكيميائيون الفرنسيون يواصلون جهودهم لمواجهة منع المنتجات البريطانية من السكر والقطن والأصباغ (النيلة أو الأصباغ الزرقاء) فصنعوا السكّر من البنجر والأصباغ الزرقاء من نباتات الوَسمة Woaol، وطوّروا الكتان فجعلوا منسوجاته أفضل من المنسوجات القطنية(9)، وصنعوا البراندي (نوعاً من الخمور) من البطاطس·
وساعد نابليون الصناعة الفرنسية بالتعريفات الحامية Protective tariffs والحصار القاري المضاد وعاونها لتجاوز الصعاب المالية بالقروض بشروط مُيسَّرة وفتح أسواقاً جديدة للمنتجات الفرنسية في إمبراطوريته الواسعة، وكان يستوعب العمال في أشغال عامة على نطاق واسع إن شهدت البلاد ركوداً في عمليات التشغيل أو التوظيف· وكان بعضها شاهداً على عظمة نابليون وجيوشه مثل عمود فيندوم(ü) Vendome Column والمادلين Madeleine (الكلمة تعني حرفياً فواكه الصيف) وقوس النصر المرصّع بالنجوم وقوس نصر ميدان الفروسية، وشغَّل الشباب في بعض الأعمال الأخرى مثل إقامة تحصينات عسكرية أو أعمال تهدف لتسهيل التحركات العسكرية وغيرها كالأشغال التي جرت في ميناء شيربورج Cherbourg وحصنه وقناته، وبعض هذه الإنشاءات ذات النفع كانت مصمّمة بحيث يكون لها أبعاد فنية جمالية، كمبنى البورصة وبنك فرنسا ومبنى مكتب البريد العام ومسرح الأوديون Odeon (الكلمة تعني حرفياً مسرح إغريقي للموسيقا والغناء)، بل وحتى سوق القمح Bels أو سوق النبيذ Vins (1181) وبعض هذه الأشغال العامة كانت لتسهيل العمل الزراعي، كتجفيف المستنقعات بالإضافة لأعمال أخرى تُيسِّرالنقل والتجارة· وتم افتتاح شوارع جديدة في باريس مثل طرق ريفولي Rivoli وكاستينجليون Castinglione والبو Paix (السلام) وميلين من الأرصفة على طول نهر السين ومقر وزارة الخارجية الفرنسية المطل على هذا النهر ذاته، والأكثر أهمية إنشاء 005،33 ميل من الطرق الجديدة في فرنسا، وما لا حصر له من الجسور بما في ذلك جسر أوسترليتز في باريس وجسر لينا Lena في باريس أيضاً، أضف إلى هذا تطهير النهر ومد شبكة رائعة من الترع والقنوات· لقد تم حفر ترع كبرى لتربط باريس بليون Lyons وليون بستراسبورج Strasbourg وبوردو Bordeaux· وسقط نابليون قبل أن يستطيع إكمال مشروعين آخرين: قنوات تربط الراين بالدانوب والرون، وقنوات أخرى تربط البندقية (فينيسيا) بجنوة(01)·
ولم يكن مسموحاً للعمال الذين يعملون في حفر القنوات وإقامة أقواس النصر وتشغيل المصانع بالاشتراك في أي إضراب أو تكوين اتحادات للمطالبة بتحسين ظروف العمل أو رفع الأجور· وعلى أية حال فإن حكومة نابليون عملت على أن تكون الأجور متمشية مع الأسعار وأن يخضع الخبَّازون والجزارون (اللحّامون) والمنتجون لتنظيم الدولة وأن تتوفّر ضروريات الحياة خاصة في باريس· وحتى الأعوام الأخيرة من حكم نابليون كانت الأجور تزداد بمعدّل أسرع من ازدياد الأسعار وشاركت البروليتاريا (الطبقة العاملة) على نحو معتدل في الرخاء العام وفي مجد انتصارات نابليون، فأصبحوا أكثر وطنية من البورجوازية· فأعطوا أذناً غير مصغية للبورجوازيين الليبراليين مثل مدام دي ستيل Stael وبنيامين كونستات (قستنطين) Benjamin Constant في تبشيرهم بالحرية·
ومع هذا كانت هناك أصوات مستاءة، وأسباب للاحتجاج· فلأن الاقتصاد الحر كلما تقدَّم أصبح النشيطون أثرياء، فقد أدرك بعض الناس أن المساواة تتدهور في ظل الحرية، وعلى هذا فقد كان رأيهم أن الحكومة تقوم بعمل مُنكر بسماحها بتركيز الثروة لتستثني بذلك نصف السكان من ثمار الاختراعات ومزايا الحضارة، ففي سنة 8081 أصدر فرانسوا - ماري فورييه Fourier كتابه نظرية الحركات الأربع ومصير العامة الذي يمثل أول مثال تقليدي للاشتراكية المالية Utopian· لقد اقترح على غير الراضين بأوضاعهم في ظل النظام الصناعي القائم أن يتَّحدوا في كتائب تعاونية Phalages بمعنى أن تعيش حوالي أربعمائة أسرة معاً في مستعمرات تعاونية (تستخدم بعض الكتب والقواميس العربية مصطلح كتائب تعاونية أو كتائبية تعاونية) أو مبنى واحداً مُشاعاً بينهم بحيث يقضي كل الأعضاء جزءاً من العمل اليومي في مجال الزراعة (بحيث يكون هذا العمل منظماً تنظيماً جماعياً) وجزءاً آخر في الصناعة الجماعية أو المنزلية، ويقضون الجزء الثالث في الترفيه أو التثقيف، وفي نظامه هذا يتحتم أن يقوم الفرد بمهام مختلفة وأن يُغير موقعه في العمل بين الحين والحين، بمعنى أن يساهم كل فرد على قدم المساواة في انتاج أو أرباح هذه المستعمرة التعاونية (أو الكتيبة التعاونة Phalanx) ووفقا لهذا النظام يكون في كل مستعمرة تعاونية مركز اجتماعي ومدرسة ومكتبة وفندق وبنك· وسرعان ما كانت هذه الخطة مصدر إلهام في شطري الكرة الأرضية وكانت مزرعة بروك Brook Farm بالقرب من بوسطون Boston هي الوحيدة التي تكوّنت من عدّة مجتمعات مثالية (يوتوبية Utopian) سرعان ما تناقص عددها نتيجة النزعات الفردية الطبيعية للبشر·
ولم يكن نابليون نفسه مولعاً ولعاً شديداً بالرأسمالية· فقد كان يقول عن الأمريكيين أنهم مجرّد تجّار فهم يكرّسون كل همهم لجمع المال الذي هو مجدهم(11) وقد شجّع نابليون التجارة الفرنسية بمضاعفة وسائل النقل وصيانة الطرق بشكل مستمر، وبالتمويل المالي وضخ الأموال بشكل ثابت لكنه عوّقها بألف مرسوم ومرسوم لإحكام الحصار القاري المضاد، وأخيراً اضطر للتسليم نتيجة شكاوى التجار (0181 - 1181) وسمح بتصدير بضائع معينة لبريطانيا وباستيراد السكر والبن ومنتجات أجنبية أخرى· لقد أرهقته هذه التراخيص (بالاستيراد أو بالتصدير) فقد عملت المحسوبية عملها وظهر الفساد من خلالها(21)· فكلما نمت الصناعة في فرنسا كانت استفادة التجارة والحرفيين الصغار أكبر من استفادة تجارة الجملة فكلما توسعت الزراعة والصناعة ووسائل النقل أصبحت بضائع المخازن غير متاحة لتجار الجملة الفرنسيين· حقاً إن عدداً كبيراً من الشوارع قد انتعش بالبوتيكات (المحلات) العامرة، لكن الموانئ الكبرى - مارسيليا وبوردو ونانت Nantes ولا هافر La Havre وأنتورب Antwerp وأمستردام - كلها كانت تعاني الكساد الذي أرجع التجار سببه لنابليون وحصاره القاري (المضاد)·
وكان أعظم نجاحات نابليون كإداري في مجال المالية· ومن الغريب أن نقول إن حروبه حتى سنة 2181 عادة ما كانت تدر عائداً أكثر من تكاليفها· لقد حمّل أعداءه مسؤولية بدء الحرب وعندما هزمهم فرض عليهم وعلى حُكامهم السابقين دفع مبالغ طائلة تأديباً لهم، وكان نابليون يحتفظ بجانب من هذه الغرامات تحت إشرافه الشخصي كملك استثنائي Domaine extraordinaire وقد تباهى في سنة 1181 أن لديه 000،000،003 فرنك ذهبي في أقبية (جمع قبو) قصر التوليري(31) وكان يستخدم هذه الميزانية في تذليل صعوبات الخزانة الفرنسية، وفي تصحيح التحوّلات الخطرة في سوق الأوراق المالية وتمويل الأشغال العامة أو التحسينات البلدية والقروية، وللمكافأة على الخدمات البارزة ولتمييز الفنانين والكتاب ولإنقاذ الصناعات المتعثرة ولرشوة صديق أو عدو، ولتنفيذ سياساته السرّية· ويتبقي جزء كافٍ للاستعداد للحرب التالية وليجعل الضرائب أقل بكثير مما كانت عليه في ظل لويس السادس عشر أو أثناء الثورة الفرنسية(41)·
يقول تين Taine قبل سنة 9871 كان الفلاح الفرنسي يدفع من كل مئة فرنك يكسبها 41 فرنكاً للسيد الإقطاعي و 41 فرنكاً للإكليروس (رجال الدين) و 35 فرنكاً للدولة ولا يبقى له سوى 81 أو 91 فرنكاً· وبعد سنة 0081 لم يعد يدفع للسيد الإقطاعي أو للإكليروس وإنما أصبح يدفع قدراً قليلاً للدولة و 52 فرنكاً لمجلس الدائرة أو المحافظة ويحتفظ لنفسه بسبعين فرنكاً من مئة لنفسه(51)· وقبل سنة 9871 كان العامل اليدوي يدفع ما يعادل أجر أيام عمل تتراوح ما بين عشرين يوماً إلى تسعة وثلاثين يوماً ليسدّد ما عليه من ضرائب كل عام، وبعد سنة 0081 أصبحت هذه الفترة تتراوح ما بين ستة أيام إلى تسعة عشر يوماً· وكاد عبء الضرائب المباشرة يقع كله على كاهل من يملكون مقابل الاعفاء شبه الكامل (من الضرائب) لمن لا يملكون(61) وعلى أية حال فقد كانت هناك ضرائب كثيرة معتدلة تماماً غير مباشرة أو ضرائب مبيعات كان يتحملها كل الناس على نحو سواء ومن ثم كان الفقراء يعانون منها أكثر من الأثرياء· وقرب نهاية الحكم الإمبراطوري زادت تكاليف الحرب عن عوائدها فارتفعت الضرائب والأسعار وعمّ السخط· ودفعت الأزمة المالية في سنة 5081 نابليون إلى إعادة تنظيم بنك فرنسا الذي كان قد أنشئ في سنة 0081 في ظل إدارة خاصة· وبينما كان نابليون يحارب دفاعاً عن وجوده السياسي في مارنجو Marengo أحكمت مجموعة من المضاربين سيطرتها على إمدادات Supplies القوات المسلحة وكان على رأس هؤلاء المضاربين جابريل جوليان أوفرار Gabriel - Julien Ouvrard وقد طلب هؤلاء المضاربون - أثناء مرورهم بمصاعب - من البنك قرضاً كبيراً، ولكي يقدم البنك هذه المبالغ أصدر - بعد استئنان وزارة الخزانة - عملته النقدية كعملة رسمية معترف بها، وفشل هذا الإجراء فلم تُقبل هذه الأوراق النقدية عند إجراء الصفقات وتدنَّت قيمتها الفعلية إلى نحو 09% من قيمتها المدونة عليها (الاسميّة)· وواجه البنك وجماعة المضاربين الإفلاس· وعند عودة نابليون إلى باريس أنقذ البنك بجزء من التعويضات التي تسلَّمها من النمسا، لكنه أصر - أي نابليون - أن يصبح البنك من الآن قصاعداً تحت إشراف الدولة لكن على الدولة ألاَّ تتجاوز الحد في هذا الإشراف وفي 22 أبريل سنة 6081 وضعه تحت إشراف محافظ governer واثنين من المساعدين تُعينهم الحكومة، وخمسة عشر وصى يختارهم المساهمون، وافتتح هذا البنك الجديد (المقصود بنظامه الجديد) فروعاً له في ليون Lyons وروان Rouen وليل Lille وبدأ مهمته التي طال أمدها في خدمة الاقتصاد الفرنسي والدولة· وظلت الحكومة لا تمتلك إلاّ القليل من أسهم هذا البنك·
ولم يكن نابليون يحترم كثيراً أولئك الذين يبيعون المؤن لجيشه ووزاراته· فقد كان كل متعاقد من المتعاقدين يحشو فواتيره وكان بعضهم يُقدم مواد زائفة (مغشوشة) مقرونة بأسعار تشير إلى أنها (أي هذه المواد) ممتازة· وأصدر تعليماته لموظَّفيه ليراجعوا بحزم كل الفواتير المقدمة لهم بل لقد كان يراجعها بنفسه في بعض الأحيان· لقد قال لبورين إن كل المتعاقدين (المورّدين) وكل وكلاء التمويل محتالون·· إنهم يمتلكون الملايين ويتمرغون في النعمة، بينما جنودي ليس لديهم خبز ولا أحذية··(71) وفي فيينا تلقي سنة 9081 شكايات من رداءة الملابس والمعدّات التي بيعت لجيشه، فأمر بإجراء تحقيق تبيّن منه أن المتعاقدين حققوا أرباحاً طائلة من هذه المبيعات بغير وجه حق، فأمر بتشكيل محكمة عسكرية حكمت على المختلسين بالإعدام، وتم تنفيذ الحكم رغم كل الوساطات التي بُذلت لإنقاذهم والتي رفضها نابليون(81)·
وعلى العموم فحتى ناقدو نابليون المعادون يعترفون(91) أنه في السنوات الثلاث عشرة الأولى من حكم نابليون شهدت فرنسا أقصى درجات الرخاء والازدهار لم تعرفه قبل ذلك أبداً· وعندما عاد لا كاس Las Cases إلى فرنسا سنة 5081 من جولة في ستين دائرة (محافظة) ذكر في تقرير له أن فرنسا لم تكن في أي فترة في تاريخها أكثر قوة وانتعاشا وسعادة، وأفضل حكما مما هي عليه الآن(02) وكان لا كاس أحد الذين هاجروا من فرنسا عقب أحداث الثورة الفرنسية لكنه عاد إليها بعد العفو عنه· وفي سنة 3181 زعم وزير الداخلية الكونت دي مونتاليف Montalivet أن هذا الرخاء المستمر راجع إلى القضاء على النظام الاقطاعي، والنظام الطبقي والنظم الدّيرية··· والاتجاه بشكل أكثر نحو توزيع أكثر عدالة للثروة وتبسيط القوانين وجعلها أكثر وضوحاً(12) وفي سنة 0081 كان تعداد سكان فرنسا حوالي 82 مليون، أصبحوا في سنة 3181 ثلاثين مليوناً· ولا تبدو هذه الزيارة مروّعة لكن لو كانت هذه النسبة في الزيادة قد استمرت حتى سنة 0781 (حتى بدون حساب الزيادة المركبة) لكان على ابن أخي نابليون أن يحكم خمسين مليوناً ليواجه بهم تحدي ألمانيا بزعامة بسمارك·



صفحة رقم : 14602