قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> فرنسا في عهد نابليون -> المعلمون

2- المعلّمـون


لقد لاحظنا أن نابليون خلال فترة القنصلية (الفترة التي كان يحكم فيها فرنسا كقنصل أول) يحاول أن يقدم لفرنسا في فترة ما بعد الثورة نظاماً جديداً ويُعيد إليها الاستقرار بمدوَّنة القانون المدني، وكونكوردات السلام (الاتفاق مع البابا) والتعاون بين حكومته والدين التقليدي للشعب الفرنسي·
وبالإضافة إلى هذه القوى المكوّنة للوجدان الفرنسي، رأى نابليون أن يضيف قوّة أخرى ثالثة بإعادة تنظيمه التعليم في فرنسا· من بين كل الآليات الاجتماعية، ربما كانت المدرسة هي الأكثر فعالية وتأثيراً، لأنها تمارس على الأطفال والشباب ثلاثة أنواع من التأثيرات بشكل مباشر وغير مباشر: تأثير الناظر والمدرسين، وتأثير من خلال الدراسة المشتركة، وتأثير أخير من خلال القواعد المتبعة والإجراءات المرعية(22)· لقد كان نابليون مقتنعاً أن سبباً واحداً كان كامناً وراء انهيار القانون والنظام أثناء الثورة الفرنسية هو عدم قدرتها على ترسيخ نظام تعليمي جديد يكفي ليحل محل النظام التعليمي الذي كانت تديره الكنيسة قبل الثورة· لقد نسيت الثورة هذا المشروع في خضم صراع الموت أو الحياة في هذه الفترة· لقد تم وضع خطط رائعة، لكنها لم توضع موضع التنفيذ بسبب نقص المال، كما أن الوقت الكافي لتنفيذها لم يكن متاحاً أثناء الثورة· وكان التعليم الابتدائي قد تُرِك للقسس والراهبات أو في أيدي معلمين ونظار تركهم الآباء والمجالس البلدية (الكوميونات) يعيشون فوق خط الجوع بقليل· وكانت المدارس الثانوية موجودة بالكاد في مؤسسات تعليمية Lycess تقدم مقررات دراسية في العلوم والتاريخ دون أن تهتم - إلاّ قليلاً - بتكوين شخصية الطالب· لقد فكر نابليون في التعليم العام من منظور سياسي: إن وظيفته هي تخريج مواطنين أذكياء لكن مطيعين· لقد قال بصراحة غير معهودة في الحكومات: عند تكوين هيئات التدريس، فإن هدفي الأساسي هو تأمين وسائل توجيه الرأي السياسي والأخلاقي··· فطالما أن المرء ينشأ دون أن يعرف ما إذا كان جمهورياً أم ملكياً، كاثوليكياً أو لادينياً، فإن الدولة لن تستطيع أبداً تكوين أمّة، وإنما ستقوم على أسس غامضة وغير أكيدة، وستكون دائماً عرضة للفوضى والتغيير(32)·
وبعد أن أعاد الارتباط بين الكنيسة والدولة سمح لمنظمات نصف ديرية مثل جماعة إخوة المدارس المسيحية Freres des Ecoles Chretiennes بتقديم مناهج دراسية في المرحلة الابتدائية، كما سمح للراهبات بتعليم البنات الموسرات· لكنه رفض أن يدخل الجزويت Jesuits (اليسوعيين) فرنسا من جديد· ومع هذا فقد كان معجباً بهم لتنظيمهم المنضبط كنقابة مكرَّسة للمدرسين· لقد كتب نابليون (61 فبراير سنة 5081) ان الأمر الأساسي هو تعليم الأطفال على نسق الجزويت الأوائل(42) وتذكر بورين قائلا: عندما كنت معه (نابليون) كان كثيراً ما يقول لي أنه من الضروري أن تكون كل المدارس والكليات وغيرهما من مؤسسات التعليم العام خاضعة للنظام العسكري(52) وفي ملاحظة أبداها نابليون في سنة 5081 قال لا يمكن تكوين نظام للتدريس إلاّ إذا خضع كل مديري المدارس وموجهيها ومعلميها في الإمبراطورية لرئيس واحد أو عدة رؤساء على نسق رؤساء عموم الرهبنة ومسؤوليها المحلِّيين··· عند الجزويت (اليسوعيين) وإلاّ إذا كانت القاعدة هي ألا يشغل أي شخص منصباً أعلى في المؤسسة التعليمية إلا إذا كان قد سبق له وشغل المناصب والمراكز الأخرى الأدنى درجة· ومن المستحب أيضاً ألا يتزوج المدرّس أو أن يؤجّل زواجه حتى يؤمّن لنفسه مركزا ودخلاً·· كافيا لإعالة أسرة(62)·
وبعد عام (01 مايو سنة 6081) ضَمِنَ أنطوان فرنسوا دي فوركروي Antoine - Francois de Fourcroy - الموجّه العام للتعليم العام من المجلس التشريعي مرسوماً مؤقتاً مفاده تأسيس الجامعة الإمبراطورية لتكون جهازاً مختصاً دون سواه بالتدريس على مستوى الإمبراطورية (أسست جامعة باريس حوالي سنة 0511 وألغتها الثورة الفرنسية في سنة 0971)· وكان على هذه الجامعة الجديدة ألا تكون مجرّد مجموعة كليات - كلية للاهوت، وأخرى للقانون وثالثة للطب ورابعة للعلوم وخامسة للآداب، وإنما أن تكون المؤسسة الوحيدة لتخريج مدرّسي المرحلة الثانوية في فرنسا، وأصبح يتعين تأسيس مدارس ثانوية في مدينة أو أكثر في كل محافظة لتقدم لطلبتها مناهج دراسية تزاوج بين اللغات الكلاسية والآداب والعلوم وأن تقوم المجالس البلدية بتمويلها، لكن كل مدرسيها لابد أن يكونوا من خريجي الجامعة، وألا يرقى أي منهم إلى منصب أعلى إلا إذا سبق له شغل المنصب الأدنى منه(72)، وأن يُطيع رؤساءه على نحو ما يطيع الجندي الضابط· ولحث الشباب الفرنسي على الالتحاق بهذه الطاحونة الشاقة Treadmill قدّم نابليون 004،6 منحة دراسية تعهّد الذين حصلوا عليها بالتفرغ لمهنة التدريس وأن يؤجلوا زواجهم حتى بلوغهم سن الخامسة والعشرين على الأقل· وسيكون أمامهم في النهاية فرص الترقي لأعلى المناصب في الدولة(82)· وقال نابليون لفوركروي Fourcroy إن كل هذا مجرد بداية، فشيئاً فشيئاً ستقوم بتحقيق ما هو أكثر وما هو أفضل(92)·
وبالفعل فقد فعل ما هو أفضل - من وجهة نظره - بأن أعاد (في سنة 0181) دار المعلمين Ecole Normale لتكون فرعاً من فروع الجامعة، وفي هذه الدار يعيشون معاً في ظل نظام عسكري ويتلقون تعليماً خاصاً على يد هيئة تدريس ذات تقدير واحترام تضم أساتذة مثل لابلاس Laplace ولاجرانج Lagrange وبيرثول Berthollet ومونج Monge وبحلول عام 3181 كان من المتوقع أن يكون كل معلّمي الكليات من خريجي دار المعلمين، وبدأ العِلم يسود على حساب الدراسات الكلاسية في مناهج الكليات وأصبح هو الذي يَسِمُ الروح العامة لفرنسا المتعلمة· وتحولت مدرسة البوليتقينة Ecole Polytechnique التي أسست خلال الثورة إلى الأكاديمية العسكرية حيث وُضعت العلوم الفيزيقية في خدمة الحرب، وبقيت عدة جامعات في المحافظات حتى بعد انتهاء انتصارات الإمبراطور العسكرية، وسُمح بإقامة كليات خاصة بعد الترخيص لها من الجامعة وعلى أساس خضوعها للتفتيش الدوري· وبعد استتباب الأمور سُمِح لأفراد من المحاضرين باستخدام قاعات الجامعة لتقديم برامج دراسية خاصة وسُمح للطلبة بحضور هذه البرامج وفقاً لرغباتهم·
وكان على رأس الهرم الفكري المعهدُ الوطني الفرنسي· وأعيدت الأكاديمية الفرنسية التي كانت قد ألغيت في سنة 3971 لتكون في سنة 5971 بمثابة القسم الثاني Class II للمعهد الجديد· وكان نابليون فخوراً بعضويته في المعهد لكن عندما تجرأ قسم السياسة والأخلاق في المعهد في سنة 1081 على تقديم محاضرات عن كيفية إدارة دفّة الحكم، أمر نابليون الكونت لويس - فيليب دي سيجور de Segur أن يخبر القسم الثاني في المعهد أنني لا أسمح أن يناقش الأعضاء في اجتماعاتهم موضوعات سياسية(03) وكان المعهد يضُم في ذلك الوقت كثيراً من الثوّار القدامى المؤمنين بالتنوير والثورة وقد عبَّروا عن سخطهم بالضحك أو البكاء لإعادة الكنيسة الكاثوليكية بشكل رسمي· واستخدم كاباني Cabanis وديستوت دي تراسي Destut de Tracy كلمة أيديولوجية للتعبير عن دراسة تكوين الأفكار· وقد أطلق نابليون على هؤلاء السيكلوجيين والفلاسفة اسم الأيديولوجيين ideologues وقال عنهم إنهم إناس غارقون في الأفكار ويُعربدون بالمنطق والعقل لدرجة تجعلهم غير قادرين على فهم حقائق الحياة والتاريخ· وكان نابليون يرى أن المفكرين الذين ينشرون أفكارهم عبر مشورات لا يُحصى عددها يشكلون عقبة في سبيل الحكومة الصالحة· ومن أقواله: إن من يجيدون الكتابة ويتمتعون بالفصاحة ليس لديهم القدرة الحاسمة على الفصل في الأمور(13) وقد حذَّر نابليون أخاه جوزيف الذي كان يحكم وقتها نابلي (81 يوليو سنة 7081) قائلا: أنت تقضي وقتاً طويلاً مع رجال الأدب إنهم مثل المثقفين والمفكرين الذين يثرثرون وينشرون الإشاعات في الصالونات إنني أعتبر العلماء والمفكرين كالنِّسوة المغناجات الحنَّانات لابد أن يتابعهن المرء ويتحدث معهن لكنه أبداً لا يختار من بينهم زوجة له كما أنه لا يختار من بين هؤلاء الناس وزراءه(23)·
وفي 32 يناير سنة 3081 أعاد تنظيم المعهد وقسَّمهُ إلى أربعة أقسام، وألغى منه قسم السياسة والأخلاق· القسم الأول وهو القسم الذي كان يقدّره تقديراً شديداً مختص بدراسة العلوم· وكان من بين أعضائه الستين ادريان ليجندر Adrien Legendre ومونج Monge وبيوت Biot وبيرثول Bertholet وجاي - لوسّاك Gay - Lussac ولابلاس Laplace ولامارك Lamarck وجيوفري سان - هيلير Geoffroy وكوفييه Cuvier والقسم الثاني ويضم أربعين عضواً مختصاً بدراسة اللغة الفرنسية وأدبها وقد حلّ هذا القسم محل الأكاديمية الفرنسية القديمة، وواصل العمل في القاموس Dictionnaire وكان هذا القسم يضم الشاعر المخضرم ديليل Delille والدرامي الشهير ماري - جوزيف دي شينييه Marie Joseph de Chenier والمؤرخ الشاب جيزو Guizot والكاتب الرومانسي شاتوبريان، والفلاسفة: فولني Volney وديستوت دي تراسي Destutt de Tracy ومين دي بيرا Maine de Biran· أما القسم الثالث الذي يضم أيضاً أربعين عضواً فمختص بدراسة التاريخ القديم وتاريخ الشرق سواء التاريخ العام أم تاريخ الآداب والفنون، وفي هذا القسم تابع لويس لانجلي Langles تلك الدراسات عن فارس والهند التي أدّت بالفعل إلى ظهور مدرسة اللغات الشرقية Ecole des Langues Orientales (5971) واكتشف جان بابتست دَنس دي فيلوسو Jan - Baptiste dصAnsse de Villoison المعلّقين السكندريين على هوميروس وبذا مهّد الطريق أمام نظرية ف· أ· ولف F.A. Wolf التي مؤداها أن أعمال هوميروس اشترك في كتابتها عدد كبير· والقسم الرابع - أكاديمية الفنون الجميلة - يضم عشرة رسامين وستة نحاتين وستة معماريين وثلاثة حفارين (مشتغلين بفن الحفر) وثلاثة ملحنين، وفي هذا القسم تألق ديفد (داود David) وانجر Ingres وهودو Houdon·
ورغم نفور نابلوين من الأيدولوجيين فقد دعَّم المعهد بإخلاص وكان تواقاً لجعله حلية يتحلّى بها حكمه· وكان كل عضو من أعضاء المعهد يتلقى من الحكومة 0051 فرنك كراتب سنوي، وكان كل فرد من أفراد السكرتارية الدائمة يتلقى راتباً سنوياً مقداره ستة آلاف فرنك· ويقدم كل قسم في شهري فبراير ومارس، للإمبراطور تقريراً بانجازاته، وكان نابليون مسروراً من الصورة العامة، فقد زعم مينيفال Meneval أنه قال إن هذه المتابعة العامة للآداب والعلوم والفنون··· تظهر أن الذكاء البشري أبعد ما يكون عن الارتداد والتراجع وأنه لم يتوقف أثناء مسيرته المتواصلة نحو التقدم(33) وقد نتشكك في كلمة المسيرة المتواصلة لكن الذي لا شك فيه أن إعادة تنظيم المؤسسات العلمية، وتقديم المنح الدراسية في ظل حكم نابليون جعل المشتغلين في الحقول العلمية والأدبية والفنية في فرنسا على رأس قرنائهم الأوروبيين طوال نصف قرن·



صفحة رقم : 14603