قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> فرنسا في عهد نابليون -> المحاربون
3- المحاربون
لقد أدى قيام الثورة الفرنسية إلى أن أصبحت الحرب هي الأكثر تتابعاً والأكثر مدعاة للقتل والأكثر تكلفة، وقد أدى التجنيد العفوي العام (تسليح الشعب بشكل عام لمواجهة عدو لم تجر الاستعدادات العسكرية المعتادة لمواجهته) في سنة 3971 إلى قناعة بأن الحرب لم تعد (ولا يجب أن تكون) مباراة بين الملوك يستخدمون فيها المرتزقة وإنما نضال أمم تشترك فيه كل الطبقات - رغم أن الحكومات الأخرى حذت حذو فرنسا قبل ذلك ببعض الوقت بسماحها للعوام أن يُصبحوا ضباطاً بل وحتى مارشالات· وكان روسو Rousseau قد وضع بالفعل القاعدة العامة التي مؤداها أن الخدمة العامة هي اللازمة المنطقية للاشتراك في التصويت (في الانتخابات)، فيجب على من سيصوّت أن يخدم (وطنه) ففرنسا بمواجهتها للملكيات الأوروبية دفاعاً عن نظامها الجمهوري، فرنسا تلك التي كانت قبل لويس الرابع عشر تضم خليطاً من مناطق لكل منطقة مقوّماتها الخاصة ولا تربطها معها روح وطنية عامة، وحدّها الآن (3971) الخوف العام· لقد كانت استجابتها للتهديد حاسمة وذات طابع وطني عام· لقد أصبح من الضروري تكوين جيش كبير يضم كل الرجال، وبدأ التجنيد الإلزامي وعندما بدأت جماهير الفرنسيين (من غير العسكريين) في هزيمة القوات العسكرية المحترفة للملكيات الاقطاعية - فإن هذه الدول الملكية المهزومة فرضت هي الأخرى التجنيد الإلزامي، وبذا أصبحت الحرب صراع جماهير تتنافس في مضمار القتال· لقد أصبحت الحرب في الأساس صراعاً على المجد بين القوميات (الوطنيات) بعد أن كانت صراعاً بين الأسرات الحاكمة التي تبغي كل منها تحقيق ذاتها على حساب الأخرى·
وفي سنة 3081 أصدر نابليون قانوناً جديداً للتجنيد الإلزامي لمواجهة انهيار سلام معاهدة إميان Amiens وتحسباً لحرب ضد تحالف أوروبي آخر ضدّه· ونص هذا القانون الجديد على تجنيد كل الذكور من الشريحة العمرية ما بين عشرين وخمسة وعشرين، مع استثناءات كثيرة كاستثناء المتزوجين حديثاً وطلبة المعاهدة اللاهوتية والذين فقدوا زوجاتهم أو طلقوهن ويقومون بإعالة أطفال، كما تم إعفاء من كان له أخ مجنَّد والأخ الأكبر من بين ثلاثة أيتام· وأكثر من هذا فقد كان يمكن للمجنَّد أن يقدِّم بديلاً يحل محلّه· وقد بدا هذا - في البداية - أمراً غير عادل في نظر نابليون لكنه عاد فسمح به، وكان هذا في الأساس لاقتناعه بأن الطلبة الذين قطعوا شوطا متقدماً في الدراسة لابد من تركهم لمواصلة دراساتهم لهيئوا أنفسهم لشغل المناصب الإدارية(43)·
لقد تحمّل الشعب الفرنسي بصبر هذا الاستنزاف السنوي الملح للقوي البشرية في نشوة الابتهاج بانتصارات نابليون، لكن عندما بدأت الهزائم (8081) مخلّفة آلاف الأسر الحزينة، نمت المقاومة وتضاعفت أعداد المتهرِّبين والفارِّين· وبحلول عام 4181 كان نابليون قد جند في جيوشه 000،316،2 فرنسي(53)· مات منهم حوالي مليون بسبب جروح شديدة ألمّت بهم أو بسبب الأمراض(63)· وبالأضافة لهؤلاء فقد ضمَّ لجيوشه نصف مليون من الدول الأجنبية المتحالفة مع فرنسا أو التابعة لها· وفي سنة 9081 طلب نابليون من القيصر اسكندر أن يتوسط بين فرنسا وإنجلترا ذاكراً له أن تحقيق السلام العام سيُتيح الفرصة لوضع نهاية للتجنيد الإلزامي· لكن هذا الأمل لم يتحقق· وطالما كان أعداء فرنسا المهزومون يفيقون من أحزانهم ليكوِّنوا تحالفات جديدة وليخوضوا معارك جديدة فقد جنَّد نابليون كثيرين قبل حلول دورهم في التجنيد بخمس سنوات، وكان يستدعي للتجنيد كل عام دفعات قبل حلول دورها وفي سنة 3181 جندّ دفعة سنة 5181(73)· وأخيراً نفذ صبر الآباء الفرنسيين وتعالت صيحات يسقط التجنيد الإلزامي في كل مكان في فرنسا·
وبهذه الطريقة كان الجيش العظيم ينمو ويزداد عدده، ذلك الجيش الذي كان حُب نابليون ومصدر فخره· وقد عمل نابليون على رفع الروح المعنوية لهذا الجيش فجعل لكل كتيبة من كتائبه علماً خاصاً بها ذا لون محدّد كان يحمله أحد الشبان الشجعان أثناء المعركة ليقود أفراد الكتيبة ويبث العزم فيهم فإن سقط اندفع شاب آخر ليرفعه· وعادة ما كان هذا العلم يمثل روح الكتيبة وعلامتها الظاهرة· وعادة ما كان يُحتفظ بهذا العلم ليتم عرض ما بقي منه في الاستعراضات العسكرية احتفاء بالنصر، وأخيراً يتم تعليقه كشارة مقدسـة للنصـر رغـم تمزقـه واهترائه فـي كنيسة ضحايا الحرب· وكان لكل كتيبة تقريبا لباسها المحدّد الخاص بها واسمها، وكانت هذه الكتائب مشهورة في وقت من الأوقات من بريست Brest إلى نيس Nice ومن أنتورب Antwerp إلي بوردو Bordeaux: رُماة القنابل اليدوية (الرمّانات) Gerendiers الهوصّار Hussars (سلاح الفرسان الخفيف)، القنّاصة Chasseuus حاملو الرماح Lancers الفرسان Dragoons·· إلخ والأهم من كل هؤلاء الحرس الإمبراطوري البالغ عدده 000،29 مقاتل كاحتياطي دفاعي حول الإمبراطور حين يظهر موقف متأزم يقتضي منهم التضيحة بحياتهم· وكان من الممكن لأي مجنَّد أن يترقّى ليصبح عضواً في هذا الحرس الإمبراطوري أو حتى يحمل عصا المارشالية كواحد من الثمانية عشر مارشالاً في فرنسا النابليونية·
لقد كانت نتائج الحروب لا حد لها - بيولوجياً واقتصادياً وسياسياً وأخلاقياً· والرقم القديم الدال على عدد القتلى الفرنسيين في هذه الحروب هو 000،007،1(83) إلاّ أن الحسابات اللاحقة قد قلّصته ليصبح مليوناً(93)· وحتى لو كان هذا الرقم الأخير صحيحاً فإنه كفيل بإضعاف فرنسا طوال جيل حتى تستطيع أرحام نسائها تعويض هذه الخسارة· ومن الناحية الاقتصادية فإن هذه الحروب والاحتياجات العسكرية وظروف الموانئ المحاصرة - قد عجّلت بتقدم الصناعة وازدهارها· ومن الناحية السياسية فإنها قوَّت الوحدة بين الحكومات الإقليمية (في فرنسا) وعمَّقَت الولاء للحكم المركزي· ومن الناحية الأخلاقية فإن الصراع المستمر عوَّد أوروبا على توسيع نطاقات الحروب وعوّدها على تقنين المذابح البشرية على نحو لم يشهده العالم منذ غزوات البرابرة، فعلى جبهات القتال ومن ثم في العواصم تخلّى الحكّام عن الوصايا العشر· فقد كتب نابليون إلى الجنرال بيرثييه Berthier في سنة 9081(04) الحرب تبرّر كل شيء، فلم يحدث أن استقر شيء - مطلقاً - إلاّ بالسيف(14) وأن التحليل الأخير يشير إلى أن الحكومة لابد أن تتحلّى بالصفات العسكرية(24) فبدون الجيش لا تكون دولة·
ولتعويــد الشــعب الفرنسـي على هـذه الأخلاقيــات العسكــرية عمــد نابليــون إلى اســتثارة حبهم للمجــد· فالمجد la gloire أصبــح حمّى وطنيــة يغمــر الجميع بالوئام والحماس والطاعة· ومن هنا كـان يحـق لنابليون أن يقـول إن حــروب الثــورة قــد جعلــت من كل الأمــة الفرنسية نبلاء(34)، وطوال عشر سنوات وبمساعدة حلفائه كان الشعب الفرنسي كأنــه منوّم تنويماً مغناطيسيــا وراح نابليــون يوحــي إليه بنشوة المجد· ولندع ألفرد دي موس Alfred de Musset الذي كان شاهداً للأحداث، يصف لنا الروح العامة في فرنسا في سنة 0181:
لقد كان شباب هذا العصر يتنفّسون هواء في جو لا يعكر صفوه شيء، حيث يتألق المجد· كثير من المجد، وحيث تبرق السيوف· كثير من السيوف· لقد كانوا يعرفون جيداً أن قدرهم أن يكونوا ضحايا في مجزرة لكنهم كانوا ينظرون إلى مورا Murat كقائد لا يُغلب وللإمبراطور على أنه عبر الجِسْر والقذائف الكثيرة تنهمر من حوله مدوّية فراحوا يعجبون: أهو محصّن ضدّ الموت؟ وحتى الموت نفسه كان يبدو لهم جميلاً نبيلاً متألقاً في معركته المخضّبة بالدماء· لقد استعار الموت لون الأمل· لقد حصد كثيراً من المحاصيل التي حان قطافها فأصبح شاباً· لقد ماتت الشيخوخة، فكل أَسِرَّة الأطفال في فرنسا وكل القبور كانت مسلّحة بالتروس، ولم يعد هناك شيوخ (عجائز) وإنما هناك جثث لأنصاف آهلة demi - gods(44) وفي هذه الأثناء كان جنود نابليون على الجبهة يسرقون وقامرون ويبتلعون مخاوفهم ليتمكنوا من النوم، وكان ضباطه يسرقون بالقدر المتلائم مع مواقهم: جمع ماسينا Massena الملايين· ولم يكن ما جمعه سول Soult أقل كثيراً مما جمعه ماسينا، وجوزفين اللطيفة وجوزيف الرحيم ولوسيان Lucien الشجاع والعم الكاردينال فش Fesch، كل هؤلاء تربّحوا بتوظيف أموالهم في الشركات التي كانت تبيع البضائع المغشوشة للجنود الفرنسيين· وقد زين نابليون نشرات الحرب التي كان يوزعها داخل جيشه بالمبالغات واخفاء الحقائق، واستنزف ثروات الأمم المهزومة وسلب أعمالها الفنية بغير حق وراح يتفكّر مليا في بعض الأخلاق والقيم الفرنسية من جديد·