قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> نابليون والفنون -> الموسيقا
الفصل الثاني عشر
نابليون والفنون
1- الموسيقا
كان على نابليون أن يُدير قارة، لذا لم يكن لديه كثير من الوقت للموسيقا· إنَّه لمن الصعبِ أن نتصوَّره جالساً صامتاً يستمع إلى كونشرت في مسرح فيدو Theatre-feydeau، ومع هذا فقد سمعنا عن كونشرتات تُعرف في قصر التوليري وهناك من أكَّد لنا أنّه كان يستمتع علي نحوٍ ما بحفلات موسيقية يُحْيها عازِف واحد، كانت جوزفين تقيمها في جناحها بالقصر(1)· وعلى أيَّة حال فقد كان سِيَباسْتيان إيرار Sebastien Erard وإجْناز بليل Ignaz pleyel يصنعون بيانوات pianos جميلة ولم يكن يخلو بيت من بيوت الطبقة الراقية من بيانو· ورتَّب كثيرون من المُضيفين سهرات موسيقيية خاصّة حيث كان الضيوف - كما يقول الجونكورث Goncourts - يتكلَّفون الاستماع بينما هم في الحقيقة يُفَضِّلون الحوار الهامس أو المناجاة(2)· فالألمان مآدبهم الموسيقا بلا كلمات، والفرنسيون يعيشون على كلمات بلا موسيقا·
وكان نابليون يُفَضِّل الأوبرا على الكونشرتات فلم يكن يستسيخ الغناء إلاَّ قليلاً ولم يكن صوتُه ليساعده على الغناء، لكن كان من متطلبات المظاهر الملكية ضرورة حضور الحاكم للأوبرا في المناسبات، ليراه الناس، وليتأمَّل· وقد أَسِف نابليون لأنّ باريس ينقصها·· دار أوبرا جديرة بمكانتها العالية كعاصمة للحضارة(3)، لكن اقتضى الأمر الانتظار حتى استطاع ابن أخيه وشارل جارنييه Charles Garnier أن يُقيما في الفترة من 1681 إلى 5781 الدَرّةَ المتلألئة التي كَلّلت شارع الأوبرا Avenue de lصopra إلاَّ أنّ مئات الأعمال الأوبرالية جرى تأليفها وإخراجها أثناء فترة حكم نابليون، وأوبرا السّيدة الشقراء (لا دام بلانش La Dame blanche) التي وضعها فرنسوا أريان بويلديو Francois - adrien Boieldien سيّد الأوبرا الكوميدية (الهزْليّة) عُرِضت ألفَ مرة في أربعين عاماً(4)· وكانت طبيعة نابليون الإيطالية تميل أكثر للأوبرات الإيطالية بما تتميز به من ألحان شجية وحبكات دراميّة· ولحماس نابليون لمؤلفات جيوفاني بيزيللو Giovanni Paisiello دعاه لتولِّي إدارة أوبرا باريس والكونسرفتوار (المعهد الموسيقي) وأتى بيزيللو لباريس في سنة 2081 وقد بلغ من العمر خمسة وستين عاماً، ولم يؤلف فيها سوى أوبرا واحدة هي بروسربينا Proserpina في سنة 3081 وتضايق من الاستقبال الفاتر الذي قُوبل به، فعاد إلى إيطاليا سنة 4081 وقدَّمَ أعماله لجمهور أكثر تجانساً وملاءمة في نابلي حيث كان جوزيف بونابرت وجوشيم مورا Joachim Murat·
وكان نابليون أكثر حظاً مع جاسبارو سبونتيني Gasparo Spontini الذي قَدِم إلى فرنسا في سنة 3081 إذ حظي بتأييد الإمبراطور ودعمه بمعالجته موضوعات تاريخية بطريقة تُضفي الجلال والعظمة على الامبراطورية الجديدة، وأشهر أوبرا قام بوضعها هي أوبرا كاهنة الإلهة الرومانية فستا أو قيِّمة النار المقدّسة (لافيستيل La Vestale) إلاَّ أنه واجه صعوبات في إيجاد مسرح لعرضها، فتدخَّلت جوزفين فتم إخراج هذه الأوبرا، وقد أدَّى ما بها من غرابة وضوضاء بالإضافة إلى قصة الحب التي تتحلَّق حولها إلى تحقيقها نجاحاً فائقاً سجَّله تاريخ الأوبرا· وعندما أُطيح بنابليون أَلَّف سبونتيني Spontini مقطوعة موسيقية احتفاءً بعودة البوربون إلى العرش·
واستمر شيروبيني Cherubini الذي كان مُهيمنا على الأوبرا الباريسية أثناء الثورة مُهيمناً عليها أيضاً في ظل حكم نابليون· وعلى أية حال فإن الإمبراطور كان يُفضِّل الموسيقا المرحة على أعمال شيروبيني الجادة لذا لم يُقدم له جوائز أو مكافآت، وكان هذا أمراً ملحوظاً· وقد قبل شيروبيني دعوة للحضور إلى فينا (يوليو 5081) لكن نابليون استولى عليها في شهر نوفمبر من العام نفسه· ولم يكن شيروبيني سعيداً تماماً عندما دُعي لقيادة فرقة موسيقية تعزف في حفلات مسائية تكريماً لنابليون في قصر شونبرون Schonbrunn، وعاد لفرنسا ووجد تكريماً في قصر أمير دي شيمي de Chimay الذي أَضْفى الاحترام على مدام تالييه Tallien بتزوِّجه منها·
وعندما عــاد نابليــون من إلبا Elba ورغــم مشاغله الكثيرة فإنه وجد من الوقت، ما يجعله يمنح شيروبيني رتبة فارس في جوقة الشرف، لكن لم يحدث إلاّ في عهد لويس الثامن عشــر أن تلقَّى هذا الإيطالــي الكئيــب اعترافاً بفضلــه ودخــلاً كافيــاً· وفــي الفتــرة من 1281 إلى 1481 وهي الفترة التي كان فيها مديراً للكونسرفتوار في باريس (معهد باريس للموسيقى) أثَّر في جيل كامل من الموسيقيين الفرنسيين· ووافته منيّته في سنة 2481 عن عمر يناهز الثانية والثمانين، وكاد يطويه النسيان في مشكاة الزمن المتغيرة (اللامبالية)·