قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> نابليون والفنون -> متنوعات

2- متنوعات


يشبه نابليون تماماً لويس الرابع عشر في رعايته للفنون فهو - مثله - كان راغباً في ترسيخ مجد فرنسا وعظمتها، وكان يأمل أن يجعله الفنانون حياً في ذاكرة البشر· ولم يكن ذَوْقه الخاص على أحسن ما يكون فقد كان ملتفتاً دائماً للأمور العسكرية لكنه قام بما يستطيع لِيُلْهم فنَّاني فرنسا بالأصول التاريخية والمثيرات الشخصية، لقد نهب الأعمال الفنية الكبيرة ليس فقط باعتبارها ثروة قابلة للنقل وقابلة للتفاوض بشأنها (على نحو ما تُشترى في أيامنا هذه) وكأوسمة وشواهد على انتصاراته، وإنما أيضاً كنماذج (موديلات) يحتذيها طلبة الفنون في متاحف فرنسا· لقد نقل فينوس وهي من أعمال دي ميديتشي deصmedici من الفاتيكان، والقديسون المتسامحون وهي من عمل كوريجيو Correggio من بارما، وزواج كانا وهي من أعمار فيرير Vermeer من البندقية (فينيسيا) وسلالة الصليب وهي من أعمال روبنز Rubens من أنتورب وصعود العذراء وهي من أعمال موريلو Murilo من مدريد··· وحتى تماثيل خيول القديس مرقس الصغيرة وجدت طريقها المحفوف بالمخاطر إلى باريس· وفي الفترة من 6971 إلى 4181 أرسل نابليون إلى باريس 605 من الأعمال الفنية الإيطالية عاد منها - بعد سقوطه - 942، وبقي 842 وضاع تسعة أعمال(5)· وعن طريق النهب حلَّت باريس محل روما كعاصمة للفن في غرب أوروبا· وكلَّما زادت فتوح نابليون زادت الأسلاب حتى فاضت على أقاليم (محافظات) فرنسا وأنشئت المتاحف لاستيعابها في نانسي Nancy وليل Lille وتولوز ونانت Nantes ورون Rouen وليون وستراسبورج وبوردو ومارسيليا وجنيف وبروكسل ومونتبلييه Montpellier وجرينوبل Grenoble وإميان Amiens·· وَعيَّن نابليون دينون الدومنيكاني كمسؤول عن كل هذه المجموعات الفنية خاصة متحف اللوفر، وكان دينون قد خدمه في بلاد كثيرة ولم ينس دينون أنَّ الامبراطور قد ذهب بنفسه ليمكِّنه من الانسحاب بأمان من هضبة كان العدو قد غمرها بنيرانه خلال معركة إيلاو Eulau·
وقد رصد نابليون الجوائز المادية وأقام المسابقات في مجالات فنية مختلفة، فجدَّد جائزة روما وأعاد الأكاديمية الفرنسية في روما· ودعا الفنانين إلى مائدته وتحدث في النقد الفني حتى أثناء خوضه المعارك وقدَّر أعمال معظم الرسّامين الذين بذلوا كل طاقاتهم لتخليد أعماله وكذلك المعماريين الذين استطاعوا مساعدته في أن يجعل باريس أجمل المدن وحكمة ذِروة تاريخية وَعَهِدَ للمثّالين والنحاتين بتزيين خمس عشرة نافورة جديدة في ميادين باريس·
ولأن ذوقه في الرسم والعمارة كان ينحو نحواً كلاسيّا فإنه كان معجباً بالأسلوب التذكاري الذي ساد في روما القديمة، وكان هذا الأسلوب يهدف لإظهار القوّة والسمو أكثر من الحسن المريح وجاذبية التفاصيل· لذا فقد عَهِد إلى بارثيليمي فينون Barthélemy vignon لتصميم معبد المجد على شرف جيشه الأساسي (الجيش العظيم) وأمر بُناته ألا يستخدمون في تشييد هذا المعبد سوى الرخام والحديد والذهب· وقد أثبتت الأيام أن هذا المعبد (معبد المجد) كان مكلّفا جداً وكان العمل فيه صعباً حتى أنه رغم أنّ بداية العمل فيه كانت في سنة 9081 إلاَّ أنه ظلّ غير مكتمل حتى سقوط نابليون، فأكمله خلفاؤه في سنة 2481 لكنهم جعلوه كنيسة إحياء لذكرى القديسة ماري ماجدالين Magdalen- لاماديلين La Madeleine· ولم تَنْعم به فرنسا أبداً سواء لتحقيق أغراض التقوى (المقصود العبادة) أو لجلب المسرّات نظراً لواجهته الكالحة ولأعمدته الأكثر تعبيراً عن جيش متقدّم منها عن آثم واهن نادم توَّاق لحبها (حب المكان الذي أصبح كنيسة)· ومن المباني التذكارية أيضاً مبنى البورصة الذي بدأ اسكندر تيودور برونجنيار Alexandre Théedore Brangniard العمل به في سنة 8081 وواصل إتين دي لا بار Eصtienne de La Barre إكماله في سنة 3181، ولا يوجد في أي مكان آخر لشيطان الجشع وحب المال Mammon مثل هذا المبنى الفخم ذي الأُبَّهة·
وكان المعماريّان المُفضَّلان في فترة حكم نابليون هما بيرسيبه Percier والمعماري المرتبط به عادة بيير فرانسوا ليونار فونتين Pierre- Francois - Léonard Fontaine وقد عملا معاً للربط بين اللوفر وقصر التوليري رغم تفاوت خطوطهما المعمارية ومن ثم فقد بنيا الجناح الشمالي (كور كاري Cour Carrée) للوفر (6081) وأصلحا وجدّدا السطح الخارجي وربطا الأرضيات بسلالم قوية (المقصود أن الأرضيات لم تكن في مستوى واحد فاضطرا لإقامة سلالم لمواصلة الطريق أو الممر)· وصمَّما قوس النصر في ميدان الفروسية Arcde Triomphe du Carrousel على نمط - وبالنسب نفسها - قوس سيتيميوس سيفيروس Septimius Severus في روما· وبدأ جان فرنسوا شالجرين Chalgrin في سنة 6081 في إقامة قوس النصر المرصّعه بالنجوم - وهو القوس الأكثر فخامة - في الطرف الأقصى لرحْبة الإليزيه، لكنه ما كاد يرفع قواعده حتى سقط نابليون ولم ينته العمل به حتى سنة 7381 أي قبل ثلاث سنوات من مرور رفاته تحته في طريقه إلى مثواه الأخير في مقبرته بدار ضحايا الحرب Hotel des Invalids ولا ريبَ أن هذا القوس يُحاكي قوس قسطنطين في روما إلاّ أنه يتفوَّق عليه - وعلى أى قوس نصر روماني آخر - في جماله، ويرجع هذا· في جانب منه - إلى نقوشه الدقيقة على الرخام· فإلى اليسار حفر جان - بيير كورتو Jean- Pierre Cartot تتويج نابليون، وإلى اليمين فرانسوا رودي Rudé وهو يعزف النشيد الوطني الفرنسي (3381-6381) معبراً عن النشوة العسكرية في ظلال الثورة، إن هذا العمل يُعد واحداً من روائع فن النحت في القرن التاسع عشر·
لقد قام هذا الفن الصعب في ظل نابليون على الأمجاد التي حقَّقها قبل وصوله للحكم· وقد عاش هودو Houdon حتى سنة 8281 ونحت له تمثالاً نصفياً (موجود الآن في متحف ديجو Dijon) وقد ضمن هذا التمثال للفنان مكاناً بين جوقة الشرف· ولأن نابليون كان لا يزال يتذكر الأباطرة الرومان خاصة من خلال الأعمال النحتية المتعلّقة بتراجان، فقد عُهِد إلى جان بابتست الأب Jean- Baptiste le Pere وجاك جُونْدوِي Jaques Gandouin بتخليد ذكرى معركة أوسترليتز Austerlitz في أعمال من النحت البارز لتُلصق طبقة طبقة بشكل تصاعدي حول العمود الذي سيشغل مكاناً بارزاً في ميدان فيندوم Vendome وتم هذا بالفعل (6081-0181)، وفي سنة 8081 توَّج أنطوان شود Antoine Chaudet اسطوانة العمود بتمثال لنابليون نحته من مدفع كان - أي نابليون - قد استولى عليه من الأعداء· وقلّما وصل الفخر بالانتصارات إلى هذا المستوى العالمي·
وكادت الفنون الصغرى - كصناعة الأثاث الفاخر، والزخرفة الداخلية (الديكور) والتطريز وأشغال الإبرة والفخار والخزف والمجوهرات والزجاج والتماثيل الصغيرة - تموت أثناء الثورة لكنها بدأت تنتعش في ظل حكومة الإدارة (حكومة المديرين) وانتعشت في عهد نابليون، فقد أنتج سيفر Sévres مرة أخرى أعمال خزفٍ جميلة· واتخذ الأثاث النمط الإمبراطوري بصرامة· وتُعد المصغّرات التي صوّر فيها إيزابي Isabey الشخصيات القيادية في هذا العصر من بين أجمل المصغّرات الفنية في التاريخ· وأبدعَ جوزيف شينار Chinard تماثيل نصفية جميلة من طين نضيج لجوزفين ومدام رِيسَامْيِيِه، وكانت تماثيل مدام ريسامييه على نحو خاص تتَّسم بالجمال وقد عرَّى أحد نَهْيْها ليظهرها كنموذج للمرأة المثل التي قررَّت أنْ تبقى نصف عذراء حتى آخر حياتها·



صفحة رقم : 14609