قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> نابليون والفنون -> الرسامون
3- الرسَّامون
لقد انتعش فن الرسم الآن مع انتعاش البلاد ممّا مكّن رعاة الفنون من الدفع· وكان نابليون يدفع بسخاء لأنّه كان يرنو للخلود عَبْر القرون وكان يرنو للفت الأنظار لإنجازاته بالتقرب إلى أهل الأدب والفن· لقد جعله اعجابه بأوغسطس روما Augustus ولويس الرابع عشر الباريسي يميل للإعجاب بالمعايير الفنية الكلاسيّة - في الخط والانضباط والمنطق والنِّسب والتصميم والعقلانية والتحّفظ، لكن حدَّة أحاسيسه، ومدى خياله وقوة عاطفته، كل ذلك جعله يتفهَّم على نحو ما الحركة الرومانسية التي قامت لإطلاق الفرديّة والمشاعر والخيال والأصالة والإبداع والتأمل الباطني والألوان وتحريرها من أسر التقاليد والشكليات· لذا فإن نابليون جعل من ديفد (داود David) الرسّام الرسمي في بلاطه، لكنه أَوْلى أيضاً شيئاً من رعايته لوجدان جيرار Gerard ورعوّية برودون Prudصhon وألوان جروس Gros المتفجِّرة الصَّاخبة·
وقد كان جاك لويس ديفد (داود) مولعاً ولعاً طبيعياً بهذا الرَّاعي النصير (المقصود نابليون) الذي اتخذ لنفسه لقب قنصل والذي كان لفترة حامي حمى المدافعين عن حقوق العامة والذي تخّفى وراء قراراته ومراسيمه الشبيهة بقرارات مجلس الشيوخ الروماني ومراسيمه وسرعان ما زار ديفيد هذا الكورسيكي المنتصر (المقصود نابليون) بعد الثامن عشر من شهر بروير Brumaire (وفقاً للتقويم الجمهوري الذي وضعته الثورة الفرنسية)، وكسبه نابليون إلى جانبه بأن حياة ذات مرة كفرنسي مُقَدَّم لكنه وبّخه بكياسة لاستنزافه كثيراً من موهبته في التاريخ القديم، أليست هناك أحداث تستحق الخلود في تاريخنا الحديث بل والمعاصر؟! وعلى أية حال فقد أضاف نابليون قائلاً افعل ما يسّرك، فقلمك الرصاص سيُحقِّق الشهرة لأيِّ موضوع تختاره، لأنَّ أي صورة تاريخية ترسمها ستتلقَّى مقابلها 000،001 فرنك(6)· وكان هذا مُقْنعا· وصدَّق ديفيد على الاتفاق بأن رسم لوحة لبونابرت وهو يعبر الألب (1081) تلك اللوحة التي تظهر المقاتل الوسيم بساق جذّابة فوق حصان رائع يعدو بسرعة فوق المنحدر الصخري للجبل - إنها إحدى أجمل الصور في هذا العصر·
وكان ديفيد قد صوّت إلى جانب قرار إعدام لويس السادس عشر ولابُد أنه جفل عندما جعل نابليون من نفسه إمبراطور وأعاد للملكية كل أبهتها وسلطانها، و مع هذا فقد ذهب (أي ديفيد) ليرى سيّده الجديد (المقصود نابليون) وهو يضع التاج فوق رأسه، وكان افتتانه بالمشهد يفوق توجّهاته السياسية، وبعد ثلاث سنوات من الإخلاص المتردّد لسيّده (الذي أصبح ملكاً)، خلّد هذا الحدث في لوحة زيتية تُعد من روائع هذه الفترة· ويكاد يكون قد صوّر مائة شخصية في لوحة تتويج نابليون (7081) بل إنه رسم فيها مدام ليتيزيا (الأم) Mme Mére Letizia التي لم تكن حاضرة أثناء التتويج· وكان معظمهم راضين عن اللوحة ما عدا الكاردينال كابرارا Caprara الذي اشتكى ديفيد لأنه رسمه أصلعَ بدون شعره المستعار الذي اعتاد وضعه فوق رأسه· وبعد أن تأمل نابليون اللوحة لمدة نصف ساعة رفع قبعَّته للفنان (ديفيد) وقال له: هذا حسن، حسن جداً يا ديفيد، إنني أُحيّيك(7)·
ولم يكن ديفيد مجرد رسّام رسمي للبلاط، وإنما كان زعيم الفن الفرنسي في هذه الفترة بلا منازع· لقد سعى إليه كُلّ ذوي الحيثية يجلسون أمامه طمعاً في لوحة منه - نابليون، بيوس السابع، مورا Murat، وحتى الكاردينال كابريرا بعد أن وضع باروكته (شعره المستعار) فوق رأسه(8)· وقد نشر تلاميذ ديفيد - خاصة جيرار وجروس وإيزابي وإنجر Ingres - تأثيره حتى عندما انحرفوا عن اسلوبه· وفي وقت متأخر زمنا حتى سنة 4181 كان زوّار اللوفر الانجليز يندهشون لوجود فنانين شبان ينسخون لوحات ديفيد - لا لوْحات عصر النهضة(9)· وبعد عام تم نفيه بعد عودة البوربون، فذهب إلى بروكسل حيث انتعشت أحواله نتيجة عمله في رسم اللوحات الشخصية خاصة· ومات ديفيد في سنة 5281 عن عمر يناهز السابعة والسبعين بعد أن عاش حياة حافلة·
ومن بين تلاميذه انجر Ingres (0771 - 7681) الذي عاش بعده سنوات طوال· وعرَّجنا أثناء حديثنا عن جيرار وجيرين Guerin على رسومهما الشخصية ذات الطابع التنويري، وتوقفنا أكثر إزاء انطوان - جان جروس بسبب تنقله الشائق بين الأساليب المختلفة· لقد لاحظناه في ميلان يرسم أو يتخيَّل نابليون على جسر أركول ففي هذه اللوحة، سرعان ما ندرك ميراث ديفيد الفني يعانق الرومانسية· وقد كافأ نابليون الفنان جروس الذي كان معجباً به اعجاباً أعمى، بأن أرسله ليشهد إحدى المعارك حتى يتمكن الفنان الشاب من رؤية الحرب عن قرب، وبعد ذلك بسنوات قلائل أصبح مثل جويا Goya لا يرى أن الحرب تسبب معاناة شديدة، ففي لوحته طاعون يافا (4081) أظهر نابليون يلمس قروح الضحيّة، لكنه أظهر أيضاً الفزع واليأس بادِيَيْن على الرجال والنساء والأطفال وقد أصابهم قدرهم الأعمى القاسي· ولم يصوّر في لوحته معركة إيلاو (8081) مجريات الحرب وإنما صوّر ميدانها وقد غصّ بالمُحْتَضرين والموتى· وقد أحس بدفء ألوان روبين Ruben وأغرق رسومه بحيوية الدم واللحم التي رفعت الروح الرومانسية لفرنسا بعد عصر نابليون· لكن شعوره بأنه يخون سيده المنفي (نابليون) جعله يحاول العودة في أعماله للأسلوب الكلاسي بما فيه من هدوء وسكون· وفشل واستسلم للاكتئاب (المانيخوليا) وجفت فيه منابع الحيوية وحب الحياة· لقد تاه وأصبح عرضة للنسيان في عصر يَمُور بهوجو Hugo وبيرليوز Berlioz وجيريكول Géricault وديلاكُرْوا Delacroix· وفي 51 يونيو سنة 5381 غادر بيته وهو في الرابعة والستين من عمره وانطلق إلى ميدون Meudon حيث أغْرق نفسه في رافد نهر السّين·
أما بيير- بول برودن Pierre- Paul Prudصhon (8571-3281) فطوّر الفَوَران الرومانسي بتفضيله الجمال المثالي على الحقيقة والنسوة الفاتنات على الأرباب وفضل كوريجيو Correggio على رافائيل Raphael· وأعاد مع ديفيد الأهمية الأولى للخط لكنه شعر أنَّ الخطَّ يموت بلا ألوان· وكان دقيقاً إلاّ في حبّه للنساء، (النص: لم يكن رجلاً إلاّ عندما يتعامل مع النساء) فولعه بالتأمل وحاسيته الشديدة للحب والعشق يمكن أن يغفرا كل أخطائه التي تأتي في سياق مهذّب، ولأنه كان الأخ الأصغر لثلاثة عشر طفلاً فقد عانى الفقر في كلوني Cluny لكنه تطور على نحوٍ متردد، وعلى أية حال فإن رجال الدين عندما رأوه وهو يخطِّط ويرسم حثّوا الأسقف على تمويل دراسته للفن في ديجون Dijon، فكان طالباً جيداً، لكنه في سن العشرين تزوّج من امرأة فاتنة إلاّ أنها سرعان ما تحوّلت إلى امرأة فظة سليطة اللسان· وحصل على منحة دراسية فذهب إلى روما دون أن يصحب زوجته معه، فَفُتن برافائيل ثم ليوناردو وأخيراً استسلم لتأثير كوريجيو Correggio·
وفي سنة 9871 عاد لزوجته وانتقل معها إلى باريس وسرعان ما وجد نفسه منساقاً في الفوضى الثورية ولم يعد لديه وقت أو تذوق لكيوبيدْ his Cupids ولا بيسيشهه his Psyches، لكنه بعناد واصل رسمهما وبدا رقيقاً محباً في رسمه حتى لقد بدا كأن فرشاته تعانق الأجساد البشرية التي يصورها· وكان يتكسّب عيشه من تصميم أوراق الشركات والمؤسسات التي يكتب في رأسها اسم الشركة أو المؤسسة وعنوانها، ورسم المُصَغَّرات والإعلانات التجارية، وبعد عشر سنوات من العذاب فاز بتكليف من حكومة الإدارة برسم صورة الحكمة تهبط للأرض التي لفتت إليها نظر الجنرال بونابرت، وفي وقت لاحق كان نابليون يركّز على ديفيد وكان أحياناً يعتمد بشكل عابر على برودون Prudصhon وعلى أية حال فقد جلست جوزفين أمامه ليرسمها فكانت لوحة عُلّقت في اللوفر، وفي هذه الأثناء كان يُعاني من زواجه بواحدة، فاتفق مع زوجته على الانفصال·
ولم يلفت النظر ويحظى بالتصفيق إلاّ وهو في الخمسين من عمره أي من حوالي سنة 8081 ففي هذا العام صَبَ أحلامه الشهوانية في لوحته اغتصاب بسوخي (بسيشي) ثم وازنها بلوحته العدالة والانتقام يلاحقان الجريمة وتأثر نابليون بجمال لوحاته فعيَّنه في جوقة الشرف ومنحه مكاناً لإقامته في السوربون، وفي المكان المجاور لهذا الفنان الجائع للحب كانت تُقيم فنانة أخرى، إنها كونستانس مابيه Constance Mayer التي أصبحت خليلته ومديرة شؤون بيته وعزاءً له في شيخوخته· وفي سنة 1281 اعترى كونستانس ماييه وخز ضمير مفاجئ ومشاعر دينية عارمة وانتحرت· وتأثر برودون Prudصhon بهذا الحدث تأثراً كبيراً عصف به· وفي سنة 3281 وافته منيته ولم يُحدث موته - إلاّ بالكاد - تأثيراً كبيراً في الحركة الرومانسية التي سبق له أَنْ عزّزها بالرجوع إلى أعمال الفنانين من ديفيد إلى واتو Watteaw، فأعاد للفرنسيين من جديد حُبَّهم للجمال والحُسْن·