قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> نابليون والفنون -> المسرح
4- المسرح
كان نابليون مُلماً تماماً بالدراما الكلاسيّة في فرنسا، وكان إلمامه بأدب الدراما في بلاد الإغريق القديمة أقل· وكان نابليون يفضّل كورنيل Corneille لأنه وجد فيه ما شعر أنه فهم دقيق للبطولة والنبالة، وقد عبَّر كورنيل عنهما - فيما أحسن نابليون - بشكل أفضل كثيراً مما فعل راسين Racine قال نابليون في سانت هيلانة إن التراجيديا الجيّدة تقترب منا اقتراباً شديداً كل يوم والتراجيدا من النوع الأرقى هي مدرسة العظماء: إنه لمن واجب الحكَّام تشجيعها والعمل على تشجيع الناس على تذوّقها·· آه لو أنَّ كورنيل عاش في زماني لجعلته أميراً(01) ولم يكن الإمبراطور يهتم بالكوميديا فلم يكن في حاجة للتسلية والترفيه، وكان تاليران يُشفق على السيِّد دي ريميوزا de Rémusat لأنه كمسؤول عن الحفلات والترفيه في البلاط الإمبراطوري· كان يتوقع أن يقوم بترتيب أمور الترفيه والتسلية لهؤلاء المسؤلين المرهقين(11) لكن هؤلاء المسؤولين أنفقوا الأموال على الكويدي فرانسيز Comédie-Francauise (المصطلح يعني المسرح الفرنسي وليس مرتبطاً بالكوميديا بالضرورة - المترجم) ونجومه· وقد رحَّب نابليون بتالما Talma على مائدته كما رحب بالآنسة (المدموازيل) جورج Mlle. George على فراشه·
وفي سنة 7081 قلَّص نابليون عدد مسارح باريس إلى تسعة مسارح وأعاد تأسيس المسرح الفرنسي Theatre Francais (وهو غير الكوميدي فرانسيز الآنف ذكره) كما كان يهتم بين الحين والآخر بدار الكوميديا الفرنسية - وكان لها حقوق - مقصورة عليها - لإخراج الدراما الكلاسيّة· وفي 51 أكتوبر سنة 2181 - وبين خرائب موسكو المحترقة - وجد الوقت الكافي ليصوغ للمسرح الفرنسي Théafre - Francais مجموعة قواعد وإجراءات دقيقة ظلت تحكم هذا المسرح حتى اليوم(21) وفي ظل هذا التشجيع قدّم الكوميدي فرانسيز خلال فترة الإمبراطورية أجمل مسرحيات شهدها التاريخ الفرنسي· ولإضافة نشاطات أخرى لهذه النشاطات أعيد بناء مسرح لودون Theatve de LصOdéon - الذي كان شُيّد في سنة 9771 ودّمرْ حريق في سنة 9971 - في سنة 8081 وكانت خطوط معماره كلاسيّة كما أراد لها المعماري شالجرين Chalgrin· وأنشئ مسرح البلاط في قصر التوليري، كما أنشئت منصات خاصة للتمثيل المسرحي تميزت بقدر كبير من الامتياز في كثير من الدور التي يتمتع أهلها بالثراء·
وقد وصل تالما Talma بعد أن لعب أدواره في الثورة الفرنسية - إلى ذروة مجده في ظل حكم نابليون·
وكان معتزاً بنفسه وكان انفعالياً مميَّزاً فلا بُد أنه كان يجد صعوبة في السيطرة على مكوّات شخصيته الحقيقية عند أداء أدواره التمثيلية· لقد أصبح هو سيّد الفن البارع بتعلّمه كيف يضبط وينسق كل حركة من حركات أطرافه، وكل خَلْجة من خلجات وجهه، وكل نبرة من نبرات صوته، ليجعلها ملائمة لأية أحاسيس ومشاعر أو أفكار للشخصية التي يمثلها، وليجعلها ملائمة للتعبير عن أية دهشة أو معنى أو مغزى···· تريد هذه الشخصية أن توصلها للمشاهدين، وكان بعض المولعين بمشاهدة المسرحيات يذهبون عدّة مرّات لمشاهدة العرض الواحد ليروْه في الدّور نفسه ليستمتعوا ببراعة فنه وليدرسوه· ولم يكن أسلوبه في الأداء خطابياً على نحو ما كان عليه أسلوب الأداء التمثيلي في ظل الحكم القديم (قبل الثورة)· لقد كان يلقي الأشعار سداسية التفاعيل كما لو كان يقرأ نثراً (غير منظوم) وكان يعارض المبالغة غير الطبيعية في إظهار المشاعر ومع هذا فقد كان بمقدوره أن يكون حالما كأي عاشق انفعالياً كأي مجرم· وكادت مدام دي ستيل تصل إلى حد الرّعب عندما شاهدت تالما يؤدي دور أوثيلو(31) Othelo فكتبت له في سنة 7081: انّك في مجال فنك فريد في العالم (ليس لك نظير) ولم يصل أحد قبلك إلى هذه الدرجة من الاتقان حيث وحَّد الفن في شخصك بين الإثارة والإلهام والتفكير من ناحية والتلقائية من ناحية أخرى، وبين العقل والسجيّة(41)·
وكان نابليون أيضاً مفتوناً بهذا التراجيدي (تالما) فقدّم له مبالغ عينية ودفع ديونه ودعاه مراراً على مائدة الإفطار وكان الامبراطور يستطيع أن يظل مستغرقاً في الحديث عن الدراما والدبلوماسيون والجنرالات ينتظرون لقاءه بينما هو يشرح تفاصيل تاريخية يجب مراعاتها عند تقديم الشخصية· وذات صباح بعد أن شاهد مسرحية موت بومبي La Mart de Pompée قال لتالما: إنني لستُ براضٍ تماماً· إنك تستخدم ذراعيك كثيراً· إن الملوك لا يُكثرون هكذا من الإشارات والإيماءات· إنهم يعرفون أنَّ الحركة أمر amotion is an order وأن النظرة موت، لذا فهم يقتصدون في الإشارات والحركات والنظرات وقد تأكدنا أنّ تالما قد استفاد من هذه النصيحة(51)· وعلى أية حال فقد ظل تالما حتى آخر حياته سيّداً للمسرح الفرنسي·
وكان للمسرح الفرنسي أميراته (ممثلاته البارعات) أيضاً فقد كانت الآنسة (المدموازيل) دوشسنوا Duchesnois ذات وجه عادي لكنها متناسقة القوام· لذا فقد كانت - على حد ما ذكر دوماس الأب Dumas Pére - معجبة على نحو خاص بدور الزير Alzire حيث كانت تستطيع عرض دوْرها وهي شبه عارية وكان صوتها أيضاً ذا نغمات شجيّة عميقة ويُعبِّر عن الأسى الميلودي (يتسم بأنه صوت رخيم) حتى أنه في يوم عرض هذه المسرحية فضَّلها معظم من شاهدوها في دور ماريا ستورات Maria Stuart على الآنسة راشيل Mlle. Rachel(61) لقد كانت أكثر ما تكون إبداعاً عندما تؤدي أدواراً تراجيدية إذ كانت تنافس تالما Talma في أداء هذه الأدوار، وعادة ما كان يتم اختيارها لتلعب أدوارها معه· أما الآنسة جورج Mlle. George فكانت ذات جمالٍ يُحَرِّضُ على الإثم ولا بد أن المسرح الفرنسي تردّد عند توزيعه الأدوار في أن يعهد إليها بدوْر كليتمسترا Clutemnestra في مسرحية راسين Iphigénic· لقد جذب صوتها وقوامها القنصل الأول (نابليون) وكأيّ سيد إقطاعي يتمتّع بحق السيّد droit de seigneur راح يزورها زيارات قصيرة بين الحين والحين وكان عليها أن تستجيب لطلبه(71)· ورغم أن هذه العلاقة قد انتهت بعد عام إلاّ أنها - مثل تالما - ظلت مخلصة لنابليون طوال انتصاراته وهزائمه على سواء، ومن ثمّ فقد فقدت مكانها في المسرح الذي كانت تعمل به عندما سقط نابليون، لكنها عادت بعد ذلك لتُشارك في حركة المسرح الرومانسي بما في هذه الحركة من إثارة·
واعتقد نابليون - وله بعض الحق - أنَّ المسرح الفرنسي Comedie - Francaise في عهده رفع من شأن المسرح عموماً إلى درجة من الامتياز لم يحقّقها من قبل· وأمر نابليون فرقة هذا المسرح عدة مرات بتقديم عروضها على نفقة الدولة إظهاراً لتفوقها ودليلاً علي عظمته - في مينز Mainz أو كوْمِبْنيْ Compieصgne أو فونتينبلو Fontainebleau في مسرح البلاط أو - كما حدث في إيرفورت Erfurt ودريسْدن Dresden - لعرض مسرحية قبل لقاء الملوك(81)·