قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> الكتابات المناهضة لنابليون -> الرقيب
الفصل الثالث عشر
الكتابات المناهضة لنابليون
1- الرقيب
كان نابليون مهتماً بالمسرح أكثر من اهتمامه بالكتابات الأدبية· لقد راقب بعناية برامج المسرح الفرنسي Théatre- Francais وأبدى حكمه عليها، وكان إلى حد كبير - مسؤولاً عن استبعاد (مسرحيات) فولتير وإحياء مسرحيات كورنيل وراسين· ولم يكن ذوقه في الأعمال الأدبية راقياً على هذا النحو· وكان يقرأ الرِّوايات بشغف بل كان يأخذ معه كثيراً من الروايات - معظمها ذوات طابع رومانسي - عند ذهابه للمعارك· وكانت مائدة حديثه في سانت هيلانه تضم بعض كُتب النقد الأدبي الجيّدة التي تحوي معلومات عن هومر وفرجيل وكورنيل وراسين ولا فونتين ومدام دي سيفني Sévigne وفولتير ورتشاردسون Richardson ورسّو لكنه كان لا يستسيغ شكسبير على الإطلاق· انه لمن المحال أن يُنهي المرءُ أيّاً من مسرحيّاته· إنها هزيلة يُرثى لها، فليس فيها شيء يجعلها تقترب - في أي موضع فيها - من أعمال كورنيل أو راسين(1) (كانت الترجمات الفرنسية لأعمال شكسبير غير كافية وغير جيّدة)·
وكمعظم رجال الأعمال لم يكن نابليون يُكن احتراماً للكتاب في مجال الاقتصاد أو الحكم، إذ كان يعتبرهم بائعي كلام ليس لديهم إلاّ القليل من الحِسِّ الصائب لفهم الحقيقة والطبيعة وحدود القدرة البشريّة· وكان متأكداً أنه يعرف أفضل منهم ما يُريده الشعب الفرنسي وما يجب أن يكون: كفاءة الحكومة وتكاملها، والاعتدال في الضرائب، وحرية السوق، وانضباط الإجراءات، وانتظام التمويل، وضمان توفّر فرص العمل بشكل يعادل العمالة المطروحة في مجال الصناعة، والأراضي الزراعية المُتاح ملكيتها للفلاحين، وتهيئة مكانه عزيزة لفرنسا بين الدول، فإن تحقق ذلك فلن يصر الشعب على تدابير (إجراءات) محدَّدة ولن يهتم الشعب بمسألة شغل المناصب بحفنة من المخبرين بعد نزاع كلامي· ولم يكن نابليون في سعيه الدؤوب للوصول لهذه الغايات يُطبق كثيراً تدخل لوردات الكلام من رجال القلم والخطباء· وكان نابليون إذا وجد أن تهدئة هذه الطائفة (لوردات الكلام من كتاب وخطباء) يستلزم تقديم جوائز أو مكافآت أو معاشات فإنه لم يكن يتوانى في تقديمها، وإلاّ فإنه يعمل على الحيلولة بين مسببي الإزعاج لحكمه القنصلي أو الإمبراطوري والنشر، أو العمل على إبعادهم عن باريس أو فرنسا· وقد كتب نابليون في سنة 2081 إنَّ حرية الصحافة التي لا تحدّها حدود سُرعان ما تُسبب الفوضى وترسّخها في دولة كل شيء فيها مهّيأ لذلك بالفعل(2)·
وكما كان يحدث في عهد حكومة الإدارة، فإن نابليون رغبة منه في متابعة الرأي العام، عمد إلى إصدار الأوامر لمديري البريد بفضِّ بعض الخطابات الخاصَّة، وكتابة تقارير له فيما يتعلق بالفقرات المعادية له، وأن يُعيدوا إغلاق الأظرف، وأن يُرسلوا نسخاً من المقتطفات التي يجمعونها من هذه الخطابات إليه شخصياً أو إلى الغرفة السوداء في مكتب البريد العام في باريس(3)· وأصدر تعليمات لأمين مكتبته الخاصة أن يُعِد تقريراً ملخصاً يعرضه عليه كل يوم فيما بين الساعة الخامسة والسادسة يتضمن ما ورد في الدوريَّات الجارية متعلقاً بالأمور السياسية، وأن يُقدِّم هذا التقرير كل عشرة أيام، وأن يتضمن هذا التقرير أيضاً تحليلاً لما ورد في الكتب والنشرات والأبحاث التي نُشرت في غضون العشرة أيام السابقة على تقدير التقرير وأمر نابليون أمين مكتبته الخاصّة أن يقدم له في اليوم الأول والسادس من كل أسبوع (أسبوع الثورة الفرنسية عشرة أيام) فيما بين الساعة الخامسة والسادسة نشرة بالملْصقات والإعلانات التي قد تلفت الانتباه وأن يكتب في تقريره أيضاً ما يكون قد نما إلى علمه من أقوال أو أفعال في المدارس المختلفة والتجمّعات الأدبية والخطب والمواعظ·· مما قد يكون ذا أهمية من منظور سياسي أو خلقي(4)·
وفي 71 يناير سنة 0081 أمر نابليون بوقف ستين صحيفة من بين ثلاث وسبعين صحيفة كانت تصدر في فرنسا في ذلك الوقت· وكان نابليون يُواصل بذلك السياسة التي سارت عليها حكومة الإدارة· وفي نهاية هذا العام المذكور آنفاً لم يَعُد باقياً من هذه الصحف إلاّ تسع، لم تكن واحدة منها ذات طابع نقدي راديكالي· قال نابليون إن هذه الصحف المعادية تسبب الرعب أكثر مما تسببه ألف حربة(5) ودأبت صحيفة لي مونيتير يونيفيرسال Le Moniteur universel على الدفاع عن سياسة نابليون، وكان في بعض الأحيان يكتب لها المقالات بل وحتى مستخلصات الكتب، لكنه لم يكن يوّقع هذه المقالات، لكن أسلوبها المؤثّق كان يُفشي بسرّ كاتبها· وقد سمِّي المفكرون الظرفاء هذه الصحيفة الحكومية باسم ساخر محرّف يعني الصحيفة الكذّابة(6) منتير يونيفيرسال Menteur universal·
إنني أريد منك أن تكتب لمحرِّري (جورنال دي ديبات le Journal de deصbats) وبيليسيزت Le Publiciste وجازيت دي فرانس La Gazettede France فهي الأكثر إنتشاراً، كما أعتقد·· أمراً تُعلن لهم فيه·· أن عصر الثورة قد انتهى وأنه ليس في فرنسا الآن إلاّ حزب واحد، وأنني لن أتسامح مُطلقاً مع الصحف التي تكتب - أو تفعل - أيَّ شيء ضِدَّ مصالحي، فإن نشرت هذه الصحف مقالات قليلة تحوي قدراً من السم مهما كان قليلاً، فإنها ستجد ذات صباح جميل من يُغلق أفواه كتَّابها(7)·
وفي 5 أبريل سنة 0081 امتدت الرقابة لتشمل الدراما· وكانت حجة الحكومة في إجرائها هذا أنَّ الآراء التي يتم التعبير عنها على مستوى الأفراد وبشكل خاص قد لا تُحدث إلاّ أضراراً قليلة، لكن هذه الآراء نفسها إذا ما تم وضعها على لسان شخصية تاريخية شهيرة فإنها ستُحدث تأثيراً انفجارياً مُضاعفاً عند عَرْضها على المسرح بسبب بلاغةِ ممثلٍ محبوب جماهيرياً وقوة أدائه، إنها - أي هذه الأفكار - في هذه الحال ستُثير المشاعر بشكل مُضاعف بين جمهور المشاهدين(8)· وقد استثنت الرقابةُ من ذلك نقد المَلَكِيَّة، وامتداح الديمقراطية· وقد تمَّ استبعاد مسرحية موت قيصر La Mort de César من المسارح بسبب تَصْفيق جماهير النظَّارة لحطب بروتس ضد الدكتاتورّية(9)·
وأخيراً أحكمت الدولةُ السيطرةَ· على كلِّ المطبوعات· انه لمن المهم جداً ألاَّ يُسمح بالنشر إلاَّ لمن تثق بهم الحكومة· فمن يُخاطب الجماهير من خلال مطبوعات هو كمن يتحدث إليهم في اجتماع عام (01)، في مقدوره أن يعرض موادَّ مثيرة ولا بد من مراقبته باعتباره محرِّضاً مُحتملاً أو مُسبباً مُحتملاً للحرائق· وعلى هذا فكلُّ طابع لابد أن يُقدِّم للرقيب كلَّ نصًّ قبل طبعه، سواء قَبْل أَنْ يطبعه أو أثناء طبعه ولابُدَّ من الحصولِ على موافقة الدولةِ على الطَّبْع، ولا بد أن يُوافق الطابعُ (الناشرُ) على حذفِ المادة التي تعترضِ عليها الرقابةُ أو إحلال البديل عنها كما تقترحه الحكومة· وحتى بعد أن يُوافقَ الرقيبُ وبعد طباعة الكتاب أو الصحيفة أو النشرة، فمن حقِّ وزير الشرطة (الداخلية) أن يُصادر المادةَ المنشورةَ أو حتى يُتْلفها تماماً، دون اعتبار لخسارة المؤلِف أو الناشر(11)·
وكان على الأدب والفكر في ظل هذه القيود على الفكر أن يُناضلا ليظلاَّ على قَيْد الحياة في ظلِّ نابليون· وقد وقع هذا النضال بأشجع معانيه على كاهل امرأة·
| صفحة رقم : 14612 |
|