قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> العلوم والفلسفة في ظل حكم نابليون -> الرياضيات والفيزياء
الفصل الرّابع عشر
العلوم والفلسفة في ظل حكم نابليون
1- الرياضيّات والفيزياء
شهدت العلوم عصراً من أزهى عصورها في عصر نابليون لقد كان هو نفسه أوّل حاكم في التاريخ الحديث تلقى تعليماً علمياً، وربما لم يتلق الاسكندر تلميذ أرسطو مثل هذه الخلفية العلمية العميقة التي تلقاها نابليون· لقد كان الفرنسسكان الذين علّموه في المدرس العسكرية في برين Brenne يعلمون ان العِلْم أكثر فائدة من اللاهوت لكسب المعارك، فدرَّسوا للكورسيكي الشاب كل ما كانوا يعلمونه في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والجغرافيا· وعندما وصل للسلطة أعاد التقليد الذي كان على أيام لويس الرابع عشر، بتقديم جوائز مالية وعَيْنية لمن حققوا إنجازات ثقافية وقد قدّم معظم هذه الجوائز للعماء مستوحياً بذلك خلفيته العلمية، ومرة أخرى حذا حذو من سبقه فوسّع مجال عطاياه ليشمل غير الفرنسيين، ففي سنة 1081 دعا المعهد العلمي الفرنسي باسمه العالم أليساندرو فولتا Alessandro Volta للحضور إلى باريس ليعرض نظرياته عن التيار الكهربائي، وحضر فولتا بالفعل وحضر نابليون ثلاث محاضرات من محاضراته وقدَّم لهذا الفيزيائي الإيطالي ميدالية ذهبية(1)· وفي سنة 8081 أعطى جائزة الاكتشافات في مجالي الكيمياء الكهربيّة لهمفري ديفي Humphry Davy الذي حضر إلى باريس لتسلّمها رغم أن فرنسا وانجلترا كانا في حالة حرب(2)· وكان نابليون يدعو بشكل دوري علماء المعهد العلمى الفرنسي ليجتمعوا به ليقدموا له تقريراً عن الأعمال التي قاموا بها أو الجاري العمل فيها في مختلف مجالات تخصصهم· وفي أحد هذه الاجتماعات، في 62 فبراير سنة 8081 تحدث سكرتير المعهد كوفييه Cuvier ببلاغة كلاسيّة رصينة كبلاغة بفوّن Buffon وكان يحق لنابليون أن يشعر أن العصر الذهبي للنثر الفرنسي قد عاد من جديد·
لقد تفوق الفرنسيون في العلوم البحتة مما جعل فرنسا أكثر الأمم عقلانية وتشكّكاً، أما الإنجليز فشجعوا العلوم التطبيقية وطوّروا الصناعة والتجارة والثروة· مما جعلهم سادة العالم في القرن التاسع عشر· وفي الحقبة الأولى من هذا القرن التاسع عشر خطا في الرياضيات خطوات واسعة كلٌّ من لاجرانج Lagrange وليجندر Legendre ولابلاس Laplace ومونج Monge وهذا الأخير كان صديقا حميماً لنابليون واستمرت صداقتهما حتى الموت· لقد أسف لتحوّل القنصل إلى إمبراطور ولكنه تحمل ذلك بتسامح بل لقد سعد عندما جعله نابليون كونت بلوز Conte de Péluse، وربما كان بينهما سرُّ أن البيلوزيوم Pelusium كان خرائب قديمة في مصر· وقد حزن عندما نفى نابليون إلى إلبا Elba وأظهر فرحه وسعادته علناً عند عودته· وقد أمر البوربوني العائد إلى مُلكه المعهد الفرنسي بطرد مونج، فاستجاب المعهد للطلب، وعندما مات مونج في سنة 8181 أراد تلاميذه في مدرسة البوليتقنية LصEcole Polytechnique (التي ساعد في انشائها) في حضور جنازته لكنهم مُنِعوا من ذلك، وفي اليوم التالي ذهبوا متجمّعين إلى قبره ووضعوا باقة من الزهور·
وقد تأثر لازار كارنو Lazare Carno بمونج عندما كان يدرس في الأكاديمية العسكرية في ميزيير Meziers· وبعد أن عمل كمنسِّق للنصر Organzer of Victroy في لجنة الأمن العام وهروبه مع زوجته من الانقلاب الراديكالي في 4 سبتمبر 7971، وجد أمنه وسلواه في الرياضيات· وفي سنة 3081 نشر كتابه انعكاسات على ميتافيزيقيّة حساب التفاضل والتكامل Reflexion sur la métaphysique du Calcul infinitesimal وبعد ذلك كتب مقالين آخرين وضع فيهما أسس علم الهندسة التركيبية Synthetic geometry· - وفي سنة 6081 أحدث فرانسوا مولييه Molein ثورة في مجاله بإدخاله نظام المدخلين في علم مسك الدفاتر إلى بنك فرنسا - وفي سنة 2181 التحق جان فيكتور بونسيل Jean Victor Poncelet - تلميذ مونج - بالجيش العظيم لغزو روسيا، فتم أسره، فشغل وقته في فترة حبسه في صياغة النظريات الأساسية في الهندسة الاسقاطيّة (الإسقاط الهندسي) Projective Geometry وكان وقتا في الرابعة والعشرين من عمره·
الرياضيات هي أم العلوم ونموذجها الأمثل: فقد بدأت بالحساب وارتفعت إلى مستوى المعادلات· ومن خلال مثل هذه التقديرات الكمية دلّت الفيزياء والكيمياء المهندس على ملاحظة العالم وفهمه، وفي بعض الاحيان - كما في حالة تصميم معبد أو جسر - قد تُثمرُ الرياضيات فَنّا· ولم يكن جوزيف (يوسف) فورييه Fourire راضيا بطريقة أيرز Isere (1081) فأراد أيضا تسجيل المعلومات عن توصيل الحرارة في صياغات رياضية دقيقة· فأجرى على مراحل، تجارب في جرينوبل Grenoble وطوّر، بل واستخدم ما يعرف الآن باسم متتاليات فورييه Fourier Series في المعادلات التفاضلية - ولا زالت معادلات فورييه التفاضلية هذه فعالة في مجال الرياضيات ولا تزال سرا غامضا بالنسبة للمؤرخين· وقد أعلن اكتشافاته في سنة 7081 لكنه لم يعرض منهجه ونتائج بحوثه في هذا المجال في كتابه نظرية تحليلية في الحرارة Therorie Analytique de la Chaleur (2281) الذي يعد واحداً من أكثر الكتب أهمية في القرن التاسع عشر(3) لقد كتب فورييه:
أثر الحرار موضوع لقوانين ظهرت باستمرار، ولا يمكن اكتشاف هذا الأثر دون الاستعانة بالتحليل الرياضي· وهدف النظرية التي علينا أن نشرحها هو عرض هذه القوانين وإظهارها· إن التحليل الرياضي يختصر كل البحوث الفيزيائية عن انتشار (امتداد) الحرارة في مسائل متعلقة بحساب التكامل، بعد اخضاع الانتشار الحراري للتجارب·· وهذه الاعتبارات تقدم لنا مثالاً فريدا للعلاقة الموجودة بين الرياضيات، والقضايا (أو المسائل) الطبيعية(4)·
والأكثر إثارة هي التجارب التي أجراها جوزيف لويس جاي لوزاك Lussac بهدف قياس أثر الارتفاع عن سطح البحر على المغناطيسية الأرضية وانتشار الغازات، ففي 61 سبتمبر صعد في بالون إلى ارتفاع 210،32 قدم، وأدت اكتشافاته التي كتب عنها تقريراً إلى المعهد العلمي الفرنسي في الفترة من 5081 الى 9081 إلى وضعه بين مؤسسي علم الأرصاد الجوية (الميتيورولويجا) كما أن دراساته (التي أتت بعد ذلك) عن البوتاسيوم والكلور والسيانوجين كانت تعد استمرارا لأبحاث لافوازيه وبيرثول Berthollet في جعل الكيمياء النظرية في خدمة الصناعة والحياة اليومية·
وكان الأكثر تأثيراً في العلوم الفيزيائية في عهد نابليون هو لابلاس Pierre Simon Laplace انه لم يكن يدري أنه كان أوسم رجل في مجلس الشيوخ الذي تم تعيينه فيه بعد فشله كوزير للداخلية· وفي سنة 6971 قدّم بأسلوب متألق لكن ليفهمه العامة كتابة عن نظام الكون Exposition du Systeme du Monde تناول فيه نظريته السديمية (نظرية السديم الأعظم) عن أصل الكون· أما العمل الذي بذل فيه جهودا اكثر روية فهو كتابه الصادر في خمسة مجلدات معالجة للميكانيكا الفلكية Traite de mecanique Celeste (9971 - 5281)· لقد وظّف التطورات في مجال الرياضيات والفيزياء لتطبيقها على النظام الشمسي - وبالتالي أخضع كل الأجسام السماوية الأخرى لقوانين الحركة ومبدأ الجاذبية·
وكان نيوتن Newton قد ذكر ان بعض ما يبدو وكأنه عدم انضباط (عدم انتظام أو عدم خضوع لقاعدة) في حركة الكواكب السيارة - قد تحدّى كل محاولاته لشرحها· فعلى سبيل المثال فإن مدار زُحل يتسع باستمرار وإن كان ببطء أو تمهل - حتى أنه إذا لم يتم وقف هذا الاتساع في المدار، فلابد أن يضيع (أي زُحل) في الفضاء اللانهائي· كما ان مدار المشتري (جوبيتر) ومدار القمر ينكمشان (يضيقان) ببطء، لذا فإنه - على المدى البعيد - لابد أن تمتص (تستوعب) الشمس كوب المشتري، ولابد ان تحدث مأساة بارتطاء القمر بالأرض· واستنتج نيوتن أن الله نفسه لابد أن يتدخل بين الحين والحين لتصحيح مثل هذا الخلل، لكن كثيرين من الفلكيين رفضوا هذا الفرض الباعث على اليأس باعتباره مناقضاً لمبادئ العلم والطبيعة، وذهب لابلاس إلى أن هذا التفاوت (عدم الانتظام) راجع إلى تأثيرات تُصحح نفسها بنفسها بشكل دوري وأن قليلا من الصبر (في حالة المشتري 929 سنة) لازم لتعود الأمور لمسارها المنضبط· وانتهى إلى أنه ليس من سبب يدعونا للقول أن النظام الشمسي والنظام النجمي لن يستمرا حتى النهاية وفقاً للقوانين التي اكتشفها نيوتن ولابلاس·
لقد كانت فكرة مهيبة مرعبة، تلك الفكرة القائلة بأن الكون آلة محكوم عليها أن تستمر وفقاً لرسم بياني لا يتغير، في حركة دائمة في السماء وإلى الأبد· لقد كان لهذه الفكرة أثر هائل في تطوير النظرة الميكانيكية للعقل (النفس) وللمادة على سواء وساهمت مع أفكار داروين Darwin في تقويض أساس اللاهوت المسيحي واضعافه· فالله - كما قال لابلاس لنابليون - لم يكن رغم كل شيئ لازماً (أو لابد من وجوده كضرورة) واعتقد نابليون أن هذا الافتراض غير واضح أو أنه غائم أو غامض بعض الشيء، بل أن لابلاس نفسه أتى عليه حين بدأ فيه يتشكك فيما كان هو نفسه قد قال به في وقت من الأوقات (تراجع عن رأيه)· وكان يتوقف بين الحين والحين عن بحوثه عن النظام الشمسي والنجمي ليكتب نظرية تحليلية عن الاحتمالات Theorie analytique des probabilties (2181 - 0281)· وفـي نهايـة عمره ذكـر زمـلاءه العلمـاء أن ما نعرفـه قليـل وأن ما لا نعرفـه هائل(5)·
| صفحة رقم : 14616 |
|