قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> العلوم والفلسفة في ظل حكم نابليون -> الطب
2- الطب
ويمكن للأطباء أن يتحدثوا أيضاً عن نابليون برضاً تام· وهو لم يتخلّ أبداً عن أمله في اقناع طبيبه أن العقاقير (الأدوية) ضررها أكثر من نفعها وأنهم سيعذبون يوم القيامة لأن أعداد من تسببوا في قتلهم تفوق أعداد من راحوا ضحية حروب الجنرالات· وكان الدكتور كورفيزار Corvisart الذي أحب نابليون يسمع مزاحه صابرا، وقد انتقم الدكتور أنتومارشي Antommarchi من سخرية نابليون بأن راح يعطيه حقنه شرجية إثر أخرى، وكان نابليون حال تلقيه هذه الحقن الشرجية قد اقترب من الموت، وكان الدكتور الآنف ذكره يعتقد أنه يستحق (يستاهل) هذه الحقن· ويتضح مدى تقدير نابليون لعمل الأطباء المخلصين الأكفاء من أنه أوصى بمئة ألف فرنك للجرّاح الدومينيكاني الفاضل لرّي Larrey (6671 - 2481) الذي صحب الجيش الفرنسي إلى مصر وروسيا وواترلو والذي كان يسارع لتقديم المساعدة السريعة للجرحى، وأنجز مئتي عملية بتر في يوم واحد في بورودينو Borodino وترك لنا أربعة مجلدات عن العمليات الجراحية أثناء الحروب والمعارك Memoires de Chirurgie militaire et Compagnes (2181 - 7181)(5أ)·
ولم يخطئ نابليون عندما اختار جان - نيكولا كورفيزار كطبيب خاص له· فقد كان استاذا للطب التطبيقي في الكوليج دي فرانس College de France حريصاً عند التشخيص حذراً عند وصف الدواء· لقد كان هو أول طبيب فرنسي يفحص مرضاه بدق الأصابع Precussion (طريقه في التشخيص) - بزل الصدر - كوسيلة تشخيصية مُعِيَنة في حالة أمراض القلب أو الرئتين· وكان قد قرأ عن هذه الطريقة في كتاب ليوبولد أونبرجر Leopold Auenbrugger من أهل فيينا بعنوان طريقة جديدة للتشخيص بقرع الأصابع Inventum novum ex Percussione (9971) وترجم كورفيزار إلى الفرنسية هذه الدراسة المكونة من 59 صفحة وأضاف إليها خبراته وشرحها في كتاب تعليمي في 044 صفحة(6)· وأدى نشر مقاله عن الأمراض والآفاق العضوية في القلب·· إلخ Essai sur les maladies et les lesions Organiques du Coeur et des gros Vaisseaux إلى اعتباره أحد المؤسسين الكبار لعلم التشريح الباثولوجي (المرضي) وبعد ذلك بعام انتقل إلى المقر الإمبراطوري كطبيب مقيم، واعتاد الإمبراطور الصعب أن يقول أنه لا يؤمن بالطب لكنه يعتقد في كفاءة كورفيزار(7)· وعندما نفى نابليون في سانت هيلانة انسحب كورفيزار ليعيش مغموراً في الريف، ومات وهو باق على إخلاصه في العام نفسه الذي مات فيه نابليون (1281)·
وأجرى تلميذه رينيه - نيوفيل لينك Rene Theophile laennec مزايد من التجارب على طريقة الفحص بالتسمّع auscultation (الكلمة حرفيا تعني الإصغاء) وقد استخدم في محاولته الأولى اسطوانتين يوضع طرف كل منهما على جسد المريض وطرف كل منهما الآخر عند أذن الطبيب الذي يفحص بهذه الطريقة الصدر (Seeing the Chest) والمقصود يتسمَّع الصدر Stethos بأذنيه، فالأصوات الصادرة عن الأعضاء الداخلية - كما في حالة التنفس والكحّة والهضم يمكن سماعها واضحة غير مختلطة بأصوات أخرى تشوّش على معناها، ولمساعدة هذه الأداة واصل لينِّي Laennee أبحاثه ولخَّص نتائجه في بحث عن استخدام طريقة التسمّع في التشخيص - Traite a Laus Cutation mediate - (9181) الذي طبع طبعة ثانية في سنة 6281 ووصف هذا المبحث في طبعته الجديدة بأنه أهم بحث كُتب في أعضاء الصدر(8) وظل وصفه لمرض التهاب الرئة (ذات الرئة) مصدرا تقليدياً حتى القرن العشرين(9)·
وكان الانجاز البارز للطب الفرنسي في هذه الفترة هو الطريقة الإنسانية في معالجة المجانين وطريقة معاملتهم· وفي سنة 2971 عندما تم تعيين فيليب بينل Philippe Pinel مشرفاً طبياً على البيمارستان (مستشفى الأمراض العقلية) الذي كان ريشيليو Richelieu قد أسسه في ضاحية بيكتر Bicetre - صُدِم عندما وجد أنّ حقوق الانسان التي اعلنتها الثورة بثقة لا وجود لها بالنسبة للمرضى العقليين المحجوزين هنا أو في البيمارستان الآخر - سالبترييه Salpetriere، فكثير من النزلاء كانوا مقيَّدين بالسلاسل حتى لا يؤذوا الآخرين أو أنفسهم كما كان يتم تهدئة كثيرين منهم بِفَصْدِ دمائهم بشكل متتابع أو بتقديم أدوية منوّمة لهم، وأي نزيل جديد (ليس من الضروري أن يكون مجنونا فربما كان مزعجاً - لا غير - لأهله أو للحكومة) يُزَج به في المارستان ويُترك عُرضة للتلف البدني بتعرضه للعدوى أو المرض العقلي (النفسي) كمداً وحزناً· والنتيجة جمع من غريبي الأطوار المحدّقين بغباء اليائسين يظهرون في المناسبات للتسوّل من العامة· وقد ذهب بينل Pinel بنفسه للمؤتمر الوطني ليطلب الصلاحيات لمحاولة تخفيف الوضع· لقد فك القيود، وقلَّل عدد مرات فصد الدم وعدد جرعات الأدوية (المهدئة)، وأطلق صراح المرضى في الهواء المنعش وأمر الحراس ألاَّ يعاملوا المجانين كمجرمين ارتكبوا جرائم سرية حقت عليهم بسببها لعنة الله وإنما كمرضى يمكن شفواؤهم بتحسين أحوالهم ورعايتهم بصبر· وقد صاغ وجهات نظره ونظامه هذا في مبحث كُتب له البقاء بعنوان (Traite medico - philosphique sur alienation mentale) (1081)، وكان لهذا العنوان أكثر من دلالة، إذ كان يقصد ما ذهب إليه أبقراط من أن الطبيب إذا جمع بين عِلْم العَالِم والفهم السوّي الذي يتحلى به الفيلسوف أصبح هو النموذج والمثال· قال أبقراط الطبيب محب الحكمة مساوٍ للأرباب(01)·