قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> العلوم والفلسفة في ظل حكم نابليون -> أصوات محافظة

5- أصوات محافظة


لقد أضعف مفكرو القرن الثامن عشر الحكومة الفرنسية بتشكيكهم في مصداقية الكنيسة وموقفها الأخلاقي وبدعوتهم إلى الاستبداد المتنّور (فكرة المستبد العادل) للتخفيف من شرور الجهل، وعدم الكفاءة والفساد والظلم والفقر والحرب· وقد أجاب فلاسفة بواكير القرن التاسع عشر على هؤلاء الحالمين بالدفاع عن ضرورة الدين وحكمة التراث وسلطة الأسرة ومزايا الملكية (بفتح الميم واللام) الشرعية والحاجة الدائمة لأسيجة (حدود سياسية) وأخلاقية واقتصادية لمواجهة طوفان الجهل والطمع والعنف والبربرية وزيادة السكان عن المعدَّل المطلوب·
هناك رجلان في هذه الفترة أدانا بغضب دعوة القرن الثامن عشر للتحول من الإيمان إلى العقل ومن التراث للتنوير· ولد الفيكونت لويس جبريل امبرواز دي بونال Vicomte Louis - Gabriel - Ambroise de Bonald (4571) في أسرة تنعم بالرخاء ودرس في ظل الأمن والطاعة والتقوى· واعترته الدهشة لأحداث الثورة الفرنسية وأصبح مهدّداً فهاجر إلى ألمانيا وانضم لفترة إلى جيش الأمير كوندي Condeالمعادي للثورة لكنه امتعض من فَوْضاه الانتحارية، فتراجع إلى هيدلبرج Heidelberg ليواصل حربه بقلمه المتحفّظ (المنضبط) ففي كتابه الذي تناول فيه إمكانات السياسة والدين Téorie du pouvoir Politique et religieux (6971) دافع عن المَلَكِيّة المطلقة وعن الأرستقراطية المتوارثة ومن السلطة الأبوية في الأسرة وعن سلطان الباباوات الديني والمعنوي على كل ملوك العالم المسيحي وأدانت حكومة الإدارة هذا الكتاب لكنها سمحت للمؤلف بالعودة إلى فرنسا (7971)· وبعد فترة التزم فيها الحذر واصل هجومه الفلسفي بنشره مقالاً بعنوان: مقال تحليلي عن القوانين الطبيعية للنظام الاجتماعي (0081) ورحب نابليون بدفاعه عن الدين كضرورة للحكومة، وعرض عليه عضوية مجلس الدولة فرفضها، ثم قبل في سنة 6081 قائلاً إن الله هو الذي عيّن نابليون ليُعيد الإيمان الحق(32)·
وبعد عودة الملكية شغل سلسلة من الوظائف العامة، وأصدر سلسلة من البيانات المتحفّظة، المتوهّجة حماساً إلاّ أنها كانت غبيّة· لقد عارض الطلاق وعارض حقوق المرأة باعتبارها مدمّرة للأسرة والنظام الاجتماعي وأدان حرية الصحافة باعتبارها تشكل تهديداً لاستقرار الحكومة ودافع عن الرقابة وعقوبة الإعدام واقترح الحكم بالإعدام على كل من يجدِّف (يسخر من) الأواني (الكئوس) المستخدمة في طقوس العبادة الكاثوليكية(42)· وابتسم المحافظون لإمعانه في الحماسة وتمسكه الشديد بالأصولية (المفهوم انهم ابتسموا ساخرين)، لكنه لقي ترضيةً بمراسلاته مع جوزيف (يوسف) دي ميستر de Maistre الذي أرسل له من سال بطرسبورج St. Petersburg ما يفيد تأييده الكامل له، ونشر هذا الأخير بعد ذلك مجلدات لابد أنها أسعدت بونال Bonalid وأهاجت فيه ميلهما الكامل للمحافظة، والتزام الأسلوب المتألق·
ولد ميستر Maistre في سنة 3571 في شامبري Chambéry التي علّمت فيها مدام دي وارن de Warens روسّو فن الحب قبل ذلك بعشرين عاماً· وباعتبار شامبري عاصمة لدوقية سافوي فقد كانت تابعة لملوك سردينيا، وعلى أية حال فإن أهل سافوي كانوا يتكلمون الفرنسية كلغة وطنية وتعلَّم جوزيف أن يكتب الفرنسية بحيوية وقوة بشكل جعل أسلوبه قريباً من أسلوب فولتير· وكان أبوه رئيساً لمجلس شيوخ سافوي وأصبح هو نفسه عضواً في هذا المجلس في سنة 7871، إذن لقد كان لديه هو وأبوه أسبابٌ تجعلهما يدافعان عن الوضع الراهن، أسباب أكثر من كونها فلسفية· وإذا كان جوزيف إبناً لأبيه سياسياً (المقصود يذهب مذهب أبيه في السياسة) فقد كان ابناً لأمه عاطفياً فقد نقلت إليه الولاء الحار للكنسية الكاثوليكية· لقد كتب في فترة لاحقة لا شيء يمكن أن يحل محل ما يتلقاه المرء من تعليم على يد أمه(52) وتلقى تعليمه على يد الراهبات والقسس ثم في الكلية الجزوتية (اليسوعية) في تورين Turin، ولم يفقد حبه أبداً لهؤلاء القسس والراهبات، وبعد مغازلة - لم تَطُل - للماسونيين Freemasonary قبل بشكل تام نظرة الجزويت (اليسوعيين) والتي مؤدّاها أن الدولة يجب أن تكون تابعة للكنيسة وأن الكنيسة يجب أن تكون تابعة للبابا·
وفي سبتمبر سنة 2971 دخل جيشُ الثورة الفرنسية سافوي Savoy وفي نوفمبر من العام نفسه تم إلحاق الدوقية بفرنسا· لقد تركت هذه الصدمة التي أعادت تقديم كل الأمور على أسس جديدة - القِيَم والكلاسيّات والسلطات والعقائد - ميستر Maistre، في حالة من البعض والكراهية عكَّرت مزاجه وجعلت حياته قاتمة، وأثَّر ذلك في كتبه وجعل أسلوبه حاراً مُفْعماً، لقد هرب مع زوجته إلى لوزان وأصبح مراسلاً رسمياً لملك سردينيا شارلز عمانوئيل الرابع Charles Emmanuel وكان يجد بعض السلوى في تردّده على صالون مدام دي ستيل بالقرب من كوبت Coppet، لكن المفكرين الذين قابلهم عندها - مثل بنيامين كونستانت (قسطنطين) بَدوْاله وقد أصابتهم عدوى التشكّك المخزي الذي ساد فرنسا في القرن الثامن عشر· حتى المهاجرين (الذين تركوا فرنسا إثْر أحداث الثورة الفرنسيّة) المحتشدين في لوزان كانوا مدمنين على قراءة فولتير، واعترت الدهشة ميستر Maistre لعدم وعيهم فقد كان يرى أنَّ معاداة الكاثوليكية ستقوّض كل أساسات الحياة في فرنسا بإضعافها السّند الديني للقيم والأخلاق والأسرة والدولة· ولأنه قد غدا كبير السن لا يستطيع حمل السلاح ضد الثورة فقد قرر أن يحارب بقلمه غير المؤمنين (بالكاثوليكية) والثوريين· لقد مزج النّقد اللاذع بحبر قلمه وترك أثره كعلامة في هذا القرن· ولم يتفوق عليه - في عصره - في نزعته المحافظة تلك سوى إدموند بورك Edmund Burke·
وعلى هذا فقد أصدرت له إحدى مطابع نيوشاتل Neuchatel ملاحظات حول فرنسا Considérations sur la France ذكر فيه أن حكومة لويس السادس عشر كانت متذبذبة متردّدة تُعْوِزها الكفاءة وأن الكنيسة الفرنسية تحتاج اصلاحاً(62)· لكن أن نُغَيِّر شكل الدولة وسياساتها ونهجها بمثل هذه السرعة وهذا التهوّر يعني أن نُضَلل جهل المراهق (غير الناضج) الذي لا يفهم الأسس العميقة لفن الحكم· لقد اعتقد أنه لا يمكن أن يكون للأخلاق مكان إذا لم يكن لها جذور في التراث والزمن أو إذا لم تجد لها سنداً من دين وقِيَم، والثورة الفرنسية مَ أغلقت كل هذه الأبواب المُفضية للأخلاق بإعدامها الملك وتجريدها الكنيسة من ممتلكاتها· أبداً لم يحدث أن كان لمثل هذه الجريمة البشعة كل هؤلاء المشاركين الكثيرين فيها·· إن كل قطرة نزفت من الملك لويس السادس عشر ستكلف فرنسا سيلاً من الدماء· ربما سيدفع أربعة ملايين فرنسي حياتهم بسبب هذه الجريمة الوطنية البشعة·· جريمة العصيان المسلح ضد الدين وضد النظام الاجتماعي، تلك الجريمة التي بلغت ذروتها بقتل الملك(82)·
وفي سنة 7971 دعاه الملك شارل عمانوئيل ليعمل في تورين كتابع له، لكن سرعان ما استولى نابليون على تورين فهرب الفيلسوف إلى البندقية (فينيسيا)· وفي سنة 2081 تم تعيينه مفوّضاً سردينيا كامل الصلاحيات في بلاط القيصر اسكندر الأول· ولأنه كان يتوقع ألاّ تطول مدّة مهمته فقد ترك اسرته ولم يصحبها معه لكن خدمة مليكه اقتضت منه البقاء في سانت بطرسبورج حتى سنة 7181· وتحمل بُعده عن وطنه بصبر نافذ·
وأهم أعماله هو مبحثه عن المبادئ الدستورية Essai Sur le Principe generateur des Constitutions Politique (0181) وقد استخلص مثل هذه الدساتير التي تناولها من الصراع البشري بين الخير والشر (بين ما هو اجتماعي وما هو غير اجتماعي)، ومن الاندفاعات (الاضطرابات) ومن الحاجة لسلطة منظمة ودائمة لحفظ النظام العام ولحفظ الجماعة بدعْم روح التعاون في مواجهة الفردية والأهواء· إن كل إنسان يتطلع وهذا طبيعي للسلطة والتملّك وهو إذا لم يُروّض تحول إلى دكتاتور مجرم مغتصب· إن بعض القدّيسين يتحكمون في جشع البشر، وعدد قليل من الفلاسفة قد يمكنهم تحقيق ذلك (التحكم في أطماع البشر) عن طريق العقل لكن ما هو كامن في معظمنا لا يمكّن الفضيلة من السيطرة على غرائزنا الأساسية· وأن نترك كل من نفترض أنه ناضح ليحكم على الأمور وفقاً لعقله هو (وهو عقل ضعيف بسبب عدم الخبرة وبسبب العبودية للرغبة) فإن معنى هذا أن نضحّي بالانضباط (النظام) لصالح الحرية· ومثل هذه الحرية غير المنضبطة تصبح فوضى اجتماعية تهدد سلطة الجماعة التي من حقها أن تتّحِدَ ضدَّ هجوم يأتيها من الخارج أو فوضى تنشب في الداخل·
وعلى هذا فقد كانت حركة التنوير المغالية فيما يرى ميستر Maistre خطأ هائلاً· لقد قارنها بالشاب الذي تبنّى لنفسه وهو في الثامنة عشرة من عمره خططاً راديكالية لإعادة البناء في مجالات التعليم والأسرة والدين والمجتمع والحكم· واعتبر ميستر أن فولتير مثالاً اختاره لمثل هؤلاء التافهين الذين ادَّعْوا الإحاطة بكل شيء علماً انه حدّثنا عن كل شيء في كل العصور دون أن يتوغّل مرة واحدة إلى ما تحت السطح، لقد كان مشغولاً دائماً بتعليم العالم أنه قلما يكون لديه وقت للتفكير(92) لو أنه درس التاريخ بتواضع كفرد زائل (مجرد فرد في مرحلة تاريخية) يبحث عن العلم من خبرات الجنس البشري، لكان قد عرف أن الزمن نفسه مُعَلِّم أفضل من التفكير الشخصي، ولكان عرف أن أصحّ اختبار لفكرة هو تأثيراتها العملية (البرجمانية) في الحياة والتاريخ والجنس البشري، ولكان عرف أن المؤسسات العريقة في تراث القرون الخوالي لا يجب رفضها دون حساب دقيق للخسائر في مقابل المكاسب، ولكان عرف أن المعركة التي شُنّت لتدمير الكنيسة وإلحاق الخزي بها ستؤدي إلى إنهيار الأخلاق والأسرة والمجتمع والدولة فالكنيسة هي التي صاغت النظام الاجتماعي في غرب أوروبا (يقصد الكنيسة الكاثوليكية)· إن الثورة القاتلة المغتالة هي النتيجة المنطقية لحركة التنوير العمياء· إن الفلسفة قوّة مخرّبة أساسيّة لأنها وضعت كل ثقتها في العقل، والعقل فردي، والعقل يمثل الفكر الفردي، وتحرر الفرد من التراث السياسي والديني وتحرره من قبضة السلطة، يهدد الدولة بل والحضارة نفسها· ومن هنا فإن الجيل الحالي يشهد واحداً من أكثر الصراعات حدّة لم تشهد لها البشرية مثيلاً: الحرب حتى الموت بين المسيحية وعقيدة الفلاسفة(03)·
وما دام عمر الفرد قصيراً جداً لا يمكنه من سَبْر حِكْمة التراث فيجب أن يتعلّم القبول به (أي بالتراث) كمرشد له ودليل حتى يبلغ من العمر مبلغاً كبيرا يمكّنه من فهمه (أي هذا التراث)· انه - بطبيعة الحال - لن يكون قادراً على فهمه فهماً كاملاً· ولا بد أن يتشكك في أي تغييــر مقتـرح في الدسـتور أو الأعــراف الأخلاقيــة· ويجـب أن يكــرّم السلطة الشرعية باعتبارها رأي التراث وتوجّهه، وباعتبارها خبرة بشرية وباعتبارها بالتالي صوت الله(13)·
الملكية الوراثية والمطلقة سلطتها هي من رأيه أفضل أنواع الحكم لأنها تمثل التراث الأعرض والأعمق والأطول وهي تعمل على تحقيق الانضباط والاستمرارية والاستقرار والقوة، بينما الديمقراطية بدوام التغيير فيها - سواء تغيير القادة والزعماء أو تغيير الأفكار - وجنوحها بشكل دَورْي لارضاء نزوات العوام و جهلهم تؤدي إلى الفوضى وعدم الرضى والطيش، وتنتهي سريعاً· إن فن الحكم يعني من بين ما يعني تسكين العوام، أمَّا إِنْ أطاعتهم الحكومة فهي - بذلك - تنتحر·
وبتؤدة (2081-6181) عرض في أكثر مؤلفاته شهرة: أمسيات في سان بطرسبرج Les Soirees de Saint petersbourg (نشر سنة 1281) بعض الجوانب الثانوية لفلسفته· لقد كان يؤمن أن العلم يثبت وجود الله، لأن الله قد أوحى للطبيعة انضباطها العظيم الذي هو جزء من عبقرية النظام الكوني(23) لا يجب أن ننزعج وألاّ تهتز عقائدنا بالنجاحات المؤقتة للشر، أو للإحباطات التي يواجهها الخير، فالله يتيح للخير والشر أن يهبطا على القديس والمجرم على سواء كما يتيح الشمس أن تشرق على كليهما، ويتيح للمطر أيضاً أن يهطل عليهما لا يمنعه عن أحدهما، لأنه - أي الله - يكره أن يعطّل قوانين الطبيعة(33)، وعلى أية حال فإن الله قد يستجيب لدعاء الدَّاعين لتغيير تأثير هذه القوانين الطبيعية(43)· بالإضافة إلى أن معظم الشرور تعد عقاباً على أخطاء أو خطايا، وربما كان كل مرض وكل ألم عقاباً على بعض الفساد الكامن في نفوسنا أو نفوس أسلافنا أو نفوس مجموعتنا التي نعيش بينها·
وإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن ندافع عن العقاب البدني، والإعدام كعقاب لبعض الجرائم بل وندافع حتى عن التعذيب الذي تقوم به محاكم التفتيش، ويجب أن نبارك الجلاّد (منفّذ حكم الاعدام) بدلاً من جعله منبوذاً، فهو يقوم أيضاً بعمل الله (المهمة التي كلفه بها الله) وهي مُهمة حيوية للانضباط الاجتماعي(53)· فاستمرار الشر ومثابرته يتطلب استمرار العقاب ومثابرته، فإن تواني العقاب نمت الجريمة· وأكثر من هذا فليس هناك عقاب لا يؤدي إلى تطهير وليس ثمة اعتلال جسدي أو عقلي يُحدثه الحبيب الباقي (الله Eternal love) إلاّ ويتحول إلى سهم في صدر مبدأ الشر(63) والحرب مقدَّسة ما دامت هي قانون العالم وما دام الله قد سمح بها عبر التاريخ(73)· إن الحيوانات المفترسة تطيع هذه القاعدة وتنفّذها· ويأتي الملاك الفاني (كذا: exterminating) بشكل دوري ليُفْنى آلافاً من هذه الحيوانات(83)· ويمكن اعتبار البشرية كشجرة، وأن هناك يداً غير منظورة تشذّبها باستمرار، وغالباً ما يكون هذا التشذيب لصالحها··· والدماء الغزيرة التي تُراق غالباً ما يمكن ربطها بزيادة عدد السكان(93) فابتداء من الديدان بل وحتى الإنسان نجد القانون الكبير - وهو قانون التدمير العنيف للأحياء - يفعل فِعْله· فالأرض جميعاً التي تشرب الدماء ليست إلا مذبحاً كبيراً (المقصود بالمذبح مكان تقديم القرابين في الكنائس والمعابد) حيث لا بد من التضحية بكل موجود حي، فالوقت بلا نهاية، بلا حدود، بلا توقف بل وحتى فناء كل شيء وحتى مَوْت الموْت نفسه(04)·
وإذا كنّا نعارض أنّ مثل هذا الكون يدفعنا بشدَّة لعبادة خالقه· فإن ميستر Maistre يجيب بأننا لا بد أن نعبده رغم كل شيء لأن كل الشعوب وكل الأجيال عبدته، وأن مثل هذا التراث الباقي والعالمي لابد أن يحتوي حقيقة تفوق قدرة العقل الإنساني على الفهم وتستعصي على الدحض أو التفنيد· في خاتمة المطاف فإن الفلسفة - إن كانت حقيقة تحب الحكمة - ستستسلم للدين، والعقل سيستسلم للإيمان·
وفي سنة 7181 استدعى ملك سردينيا - وكان قد استعاد عرش تورين Turin - ميستر Maistre من روسيا، وفي سنة 8181 عينه في منصب كبير وجعله مستشاراً للدولة· وفي هذين العامين أَلَّف هذا الفيلسوف الشَّرس grim كتابه الأخير عن البابا Du Pape نُشر سنة 1281 بعد موته مباشرة· والكتاب إجابة عنيدة عن الأسئلة التي أثيرت حول تمجيده للملكيّة كحماية للمجتمع ضد فرديّة المواطن: ماذا لو أن الملك كان هو أيضاً - كقيصر أو نابليون - متسما بالفردية والاهتمام بذاته كأي مواطن، وكان عاشقاً للسلطة عشقاً يفوق عشقه لسواها؟
هنا يجيب ميستر Maistre بغير تردّد أن كل الحكَّام يجب أن يقبلوا تبعيتهم وخضوعهم لسلطة أعرق من سلطتهم وأعظم منها وأحكم: لابد أن يخضعوا في كل الأمور الدينية والأخلاقية لحُكم الحَبْر الجليل (البابا) الذي ورث سلطانه من القديس بطرس (النص الرسول بطرس، وكلمة الرسول يُطلقها المسيحيون على الدعاة الأوائل للمسيحية والمسيحيون يُلحقون بالأناجيل الأربعة ما يُسمّى أعمال الرسل Apostles أي الدعاة الأوائل، وفضلنا كلمة القديس على الرسول لأنها توفي بالمعنى وحتى لا يختلط الأمر على القارئ العربي) الذي ورثه بدوره عن المسيح (النص: Son of God)· وفي هذا الوقت (1281) ودول أوروبا تكافح لتتخلَّص من وحشية الثورة واستبداد نابليون، لزم أن يتذكر قادة أوروبا كيف أن الكنيسة الكاثوليكية قد أنقذت بقايا الحضارة الرومانية بتصدّيها للبرابرة كثيري العدد وترويضهم، وكيف أنها أسست - من خلال اسقُفيَّاتها - نظاماً اجتماعياً منضبطاً وتعليماً نظامياً أنجب - ببطء - خلال الظُّلمة والعصور الوسطى، حضارةً قائمة على موافقة الملوك على الاعتراف بالسلطة الروحية للبابا· فالأمم لا تتحضّر أبداً إلاَّ بالدين لأن الخوف من الله الذي يرى كل شيء والقادر على كل شيء هو وحده - أي هذا الخوف - الذي يضبط النزعات الفردية المتمثلة في الرغبات البشرية والدين مصاحب لمولد كل الحضارات، وغياب الدين نذير بموتها(14)· وعلى هذا فلا بد أن يقبل ملوك أوروبا مرة أخرى البابا كسيد أعلى لهم في كل الأمور الأخلاقية والروحية· يجب أن يُبْعدوا التعليم عن أيدي العلماء ويعيدوه للقسس لأن ارتقاء العلم سيُقَسي قلوب الناس(24) بينما استعادة الدين لمكانته ستؤدي إلى سلام للأمة وأرواح أفرادها·
لكن ماذا لو كان البابا أيضاً أنانياً ويعمل على تحويل كل مسألة وقضية لتحقيق مكاسب دنيوية للباباوية؟ هنا نجد ميستر Maistre حاضر الإجابة: ما دام البابا يُرشده الرّب - فإنه معصوم إذا تحدث في أمور العقيدة والأخلاق لأنه الرّأس الرسمي للكنيسة التي أسسها المسيح· وعلى هذا فقد أعلن ميستر عصمة البابا قبل أن تعلنها الكنيسة نفسها كجزء من الإيمان الكاثوليكي بنصف قرن· لقد اعترت الدهشةُ البابا نفسه ووجد الفاتيكان من الحكمة أن يعارض المبالغين في سيادة البابا Ultramontanists الذين يعلنون مزاعم مُرْبكة عن السيادة السياسية للباباوية·
وباستثناء هذه النقطة الأخيرة وبعض المبالغات الأخرى التي يمكن أن تدعو للابتسام (المقصود السخرية) فإن المحافظين في أوروبا رحبوا بدفاعه العنيد عن وجهات نظرهم، وأثنى عليه كل من شاتوبريان وبونال Bonald ولاميني Lamennais ولامارتين· بل وحتى نابليون اتفق معه في بعض المسائل - نزوع الملك لويس السادس عشر للخير وخسّة قاتليه، وتجاوزات الثورة، وضعف العقل وسهولة وقوعه في الخطأ وتهافت الفلاسفة، وضرورة الدين، وقيمة التراث وأهمية السلطة، وضعف الديمقراطية، وكون الملكية المطلقة والوراثية أمراً مرغوباً فيه، وكون الحرب مفيدة للتقليل من عدد السكان (الخدمات البيولوجية للحرب)···
وكان الأمر بالنسبة لأعداء نابليون الذين لا يزالون في الحكم أنهم شعروا أنَّ في فلسفة ميستر Maistre المستقيمة بعض الأسباب المعقولة تحتم عليهم الإطاحة بهذا الكورسيكي مُحْدث النعْمة (نابليون) وريث الثورة التي هدّدت كل ملكيّات العالم· لقد كانوا يؤمنون في قرارة أنفسهم أنهم لم يكونوا أبداً قادرين (ولن يقدروا) على أن يبرّروا لرعاياهم: لماذا قبلوا وهم الملوك الذين ورثوا الملك كابرا عن كابر، وهم أباطرة أوروبا وارستقراطييها - أعباء الحكم وأخطاره وطقوسه بينما كان مارا Marat وروبيسبير وبابيف Babeufs يتهمونهم بعدم الرحمة باستغلال العوام الأبرياء بدعوى الحق الإلهي للملوك، مستغلِّين كل المزايا (محقّقين كل المكاسب) من النظام الاجتماعي (السائد) مبتلعين كل خيرات الأرض، وكيف كانوا يقتلون رعاياهم ويذبحونهم بدعوى هذا الحق نفسه (حق الملوك الإلهي)·
أما الآن وبعد كتابات ميستر Maistre فقد ظهرت عقيدة يستطيع في ظلها أن يتحد كل حكام أوروبا الشرعيون لإعادة النظام القديم في بلدهم ولشعوبهم، بل وحتى لفرنسا البربرية غير المتسامحة قاتلة الملوك خائنة ربها المتخلّية عنه·


صفحة رقم : 14620