قصة الحضارة -> عصر نابليون -> تاريخ الحضارة الأوروبية -> العلوم والفلسفة في ظل حكم نابليون -> ما هو العقل

4- ما هو العقل؟


كان تركيز لامارك على الشعور بالحاجة وعلى الجهد المتواصل كعوامل لرد الفعل العضوي متناسقاص مع تراجع علماء السيكولوجيا (علم النفس) في المعهد العلمي الفرنسي عن النظر للعقل كآلة ليس لها حق المبادرة وإنما هو استجابة لأحاسيس خارجية وداخلية· وقد استخدم علماء النفس كلمة فلسفة عند تلخيص ما توصّلوا إليه· فالفلسفة لم تنفصل بعد تماما عن العلم، والحقيقة أن الفلسفة قد تكون - بالضبط - هي خُلاصة العلم إذا نجح العلم في أن يكون مطابقاً للعقل (المنطقة) وكان واعيا لصياغة مناهج فروضه، وتطبيق ملاحظاته (مشاهداته) وإحكام تجاربه وصياغاته الرياضية ذات النتائج التي يمكن اثباتها والتحقق منها لكن هذا الوقت لم يكن قدأتى بعد واعتبر سيكلوجيو (علماء نفس) القرن التاسع عشر أنفسهم هم الذين عليهم أن يجدوا المبررات المنطقية أو الأسس الفعلية للأمور التي لازالت بعيدة عن مطال العلم وأدواته·
ورغم معارضة نابليون، استمر الأيديولوجيون ideologues طوال عقد من الزمان يهيمنون من خلال تدريس الفلسفة وعلم النفس في المعهد العلمي الفرنسي· وكان عدوّه اللدود his bete noire في المعهد العلمي هو أنتوان ديستون دي تراسي Antoine Destutt De Tracy المهيّج حامل شعلة حسيَّه كونديلاس Condillacصs sensationism طوال سنوات الحكم الإمبراطوري· وتم إرساله كمندوب جماهيري إلى مجلس الدولة في سنة 9871 فعمل على اصدار دستور ليبرالي وهو الذي صدر بالفعل في سنة 1971، لكن في سنة 3971 اعتراه سخط وخوف بسبب وحشية الجماهير وإرهاب اللجنة الكبرى فابتعد عن السياسة واشتغل بالفلسفة· ففي ضاحية أوتيل Auteuil انضم لمجموعة جذابة متحلقة حول مدام هيلفينيوس Helvetius الجميلة أبدا، وهناك تعرض للتأثيرات الراديكالية لكل من كوندرسيه Condercet وكاباني Cabanis· وأصبح عضواً في المعهد العلمي فكانت له السيادة في القسم الثاني المخصص للفلسفة وعلم النفس وفي سنة 1081 بدأ في نشر أجزاء من كتابه عناصر الأيديولوجية Elements de ideologie وأتم نشره في سنة 5181· وقد عرّف الأيديولوجية بأنها دراسة الأفكار على أساس حسِّية كونديلاس·· أو المذهب الحسي القائل بأن كل الأفكار نابعة من الحواس أو مشتقّة منها· وهذا - فيما اعتقد - قد يبدو غير حقيقي فيما يتعلق بالأفكار العامة والمجردة كالفضيلة والدين والجمال أو الإنسان، لكن عند التعامل مع مثل هذه الفكار يجب أن نفحص الأفكار الأساسية التي تم استخلاصها منها، وأن نعود إلى الإدراك الحسّي البسيط الذي انبثقت منه(61) وظن ديستوت Destutt أن هذه الدراسة الموضوعية يمكن أن تُزيح الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعية) من مكانها، وتُنهي حكم كانط Kant· وإذا لم نستطع أن نصل إلى نتيجة محدّدة بهذه الطريقة علينا أن ننتظر وأن نُرجئ الحكم وأن نحاول توضيح أننا - حقيقة - لا ندري(71)· هذه اللاأدرية المحكمة لم تُعجب نابليون اللاأدري ذلك أن نابليون في هذا الوقت كان يرتب أمور الوفاق (الكونكوردات) مع الكنيسة· وصنّف ديستوت - دون أن يأبه لاعتراض - الأيديولوجيا (ويقصد السيكولوجيا) باعتبارها أحد أقسام علم الحيوان Zoology، وعرَّف الوعي بأنه إدراك الحواس (إدراك حسّي) وعرّف الحكم Judgement (أي التمييز الإدراكي) بأنه الاحساس بالعلاقات، وعرّف الإرادة بأنها حاسّة الرغبة· فكما أن المثاليين (أصحاب المذهب المثالي) نافحوا عن فكرة أن الحواس لا تُثبت بطريق لا تحتمل الشك وجود العالم الخارجي، فإن ديستوت كان يعني المشاهد والأصوات والروائح والطعم لكنه أصرّ على أنها قد تدرك على سبيل اليقين وجود العالم الخارجي عن طريق اللمس والوجود والحركة، فكما سبق أن قال الدكتور جونسون Johnson أننا نستطيع أن نحسم هذه المسألة بركل حجر·
وفي سنة 3081 ألغى نابليون القسم الثاني في المعهد العلمي فوجد ديستوت دي تراسي نفسه بلا مدرّج يلقي فيه محاضراته وبلا طابع ولم يكن قادرا على الحصول على تصريح لنشر كتابه ملاحظات على روح القوانين لمنتسكيو فأرسل مخطوطة الكتاب إلى توماس جيفرسون Thomas Jefferson رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي أمر بترجمته للإنجليزية وطُبع في سنة 1181 دون الإشارة لاسم مؤلفة(81)· وعاش ديستوت حتى بلغ الثانية والثمانين، وأصدر في أواخر عمره بحثاً عن الحب De LصAmour (6281)·
بدأ مين دي بيران Maine de Biran (Marie - Francois - Pierre Gonthier de Biran) عمله في مجال الفلسفة بعرض فلسفته الحسية Sensationism بغموض ضَمِن له الشهرة· لقد بدأ عسكرياً وانتهى صوفيا (باطنيا)· في سنة 4871 التحق بالحرس الملكي للويس السادس عشر وساعد في الدفاع عنه ضد كتيبة النساء الرهيبة(02) التي حاصرت الملك والملكة في فرساي في الخامس والسادس من أكتوبر سنة 9871· ولما أصابه الرعب من الثورة عاد إلى عقارٍ له بالقرب من برجراك Bergerac· وتم انتخابه للمجلس التشريعي في سنة 9081 وعارض نابليون في سنة 3181 وأصبح مسؤولاً عن خزانة مجلس النواب في عهد لويس الثامن عشر· وكانت كتاباته عملاً إضافياً إلى جانب مهمته السياسية، ولكنها رفعت شأنه بين الفلاسفة الفرنسيين في عصره وجعلته في مكان الصدارة، وحقــق شــهرة سنة 2081 بفــوزه بالجائــزة الأولــى فــي مســابقة موّلهــا المعهد العلمي· وبدت مقالته أثر العادة في القدرة على التفكير Linfluence de Lصhabitude Sur les facultes de penser تنهج نهج وهات النظر الحسية التي قال بها كونديلاس Condillac بل وحتى السيكولوجيا الفسيولوجية (علم النفس الفسيولوجي) التي قال بها ديستوت دي تراسي Destutt de Tracy· لقد كتب أن طبيعة الفهم ليست أكثر من مجموع العادات الرئيسية للعضــو المركزي الــذي لابد مــن اعتبــاره الحاســة الجامعــة للإدراك(12) وفكــر فــي أن المــرء قد يفتــرض أن أي تأثيــر (انفعال) في الحقيقة ممثل في المخ بحركة عن طريق الألياف العصبية(22) لكــن مع الاســتطرد ابتعــد عــن هــذه الفكرة التي تعني أن العقل ليــس أكثر مــن جامــع لحــواس الجسمــ، فقد بدا له أنه عند بذل الجهد للانتباه أو جمع الإرادة يصبح العقل فعّالاً، وفاعلاً أصيلاً وليس مجرد اختصار لأي تجميع لإشارات الحواس·
واتسعت هوّة الخلاف مع الأيدلوجيين في سنة 5081 بنشر مبحث مذكرات عن تحليل التفكير Memoire sur la decomposition de la pensee الذي يتفق مع رجوع نابليون للدين· لقد برهن مين دي بيران على أن الجهد المبذول لتحقيق الإرادة يُظهر أن روح الإنسان ليست مجرد ترداد سلبي لحواسه وإنما هي إيجابية وذات قوة إرادية كاملة· إنها الجوهر الحقيقي للنفس، فالإرادة والذت (الأنا ego) شيء واحد· (شوبنهور سيركر على هذه الإرادية Voluntarism في سنة 9081 وستستمر في الفلسفة الفرنسية لتأخذ شكلاً متألقاً عبقرياً على يد بيرجسون Bergson)· هذه الإرادة المبذولة بجهد بالإضافة للعوامل الأخرى هي التي تقرر الفعل، فيصبح الإنسان حر الإرادة Ferr will (قضاؤه وقدره في يده) وبالتالي لا يصبــح مجرد آلة لا معنى لها· هذه القوة الداخلية هي حقيقة روحية وليست مجرد تجميع لخبرات الحواس والذكريات· وليس هناك شيء مادي عنها، ولا نعرف لها حيزا أو مكانا· حقيقة - كما يقول مين دي بيران - ربما كانت كل القوى - على هذا النحو - غير مادية ولا يمكن فهما إلا - بالقياس التمثيلي - للإرادة نفسها· وانطلاقاً من وجهة النظر هذه كان ليبنتز Leibniz على حق في وصف العالم (الكون) بأنه مجموعة من عناصر الوجود الأولية monads مركبة ومتصارعة، وكل منها يمثل محوراً أو مركزاً لقوة Force وإرادة Will وذاتية individuality·
وربما كانت حياة مين دي بيران الموزّعة بين السياسة والفلسفة بالاضافة الى المشاركات الحية في اللقاءات الأسبوعية في المعهد العلمي مع كل من كوفييه، وروييه كولار Rouer - Collar وأمبير Ampere وجيزو Guizot وفكتور كوزي Victor Cosin، قد أصبحت حياة خصبة وشاقة، فتدهور صحته وقربت حياته القصيرة البالغة ثمانية وخمسين عاما من الانتهاء، فتحول من التفكير العقلي الواسع المدى إلى الإيمان الديني الهادئ وأخيراً إلى الصوفية (التأمل الباطني) التي انتشلته من آلام العالم· لقد قال إن الإنسان لابد أن يترقّى من المرحلة الحيوانية الحسّية إلى المرحلة الإنسانية حيث الإرادة الحرة الواعية ليذوب في الوعي بالله وحبهّ·



صفحة رقم : 14619