قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> تأثير إنجلترا في مسيرة الأحداث -> مقدمة

الكتاب الثالث


بريطانيا


9871 - 2181م


مقدمة الترجمة العربية


يقدّم لنا المؤلفان كعهدنا بهما في الكتب السابقة فيضاً من الوقائع التاريخية، وفيضاً من الأفكار الجديدة التي لا نلتقي بها في كتب التاريخ التقليدية· إنه يسوق لنا عبر فصوله أسباباً مقنعة لعدم قيام ثورة في إنجلترا ومن ثم بريطانيا بكياناتها المختلفة (اسكتلندا، وإنجلترا وويلز وأيرلندا)، كتلك التي قامت في فرنسا·
إنه يربط ذلك بطبيعة الشعب الإنجليزي لا تقلقل ما هو مُستقر كما يربطه بطبيعة الأرستقراطية الحاكمة التي لا ترى في نظام الطبقات قيداً على الحريات، ويؤكد لنا أنه نظام طبقي غير جامد شتان بينه وبين النظام الطبقي الديني في الهند مثلاً، حيث يستحيل الانتقال من طبقة إلى أخرى، وحيث طبقة البراهمة المقدسة، ويشير إلى علاقات صداقة ودودة بين الفلاحين واللوردات·· إلخ· كما يشير إلى أن إنجلترا كانت قد شهدت ثورة دموية في القرن السابع عشر، ومن ثمّ لم تكن في حاجة إلى ثورة جديدة·
ولعل من أطرف الأفكار وأكثرها جدّة أن الشعب البريطاني في هذه الفترة على الأقل، بمليكه وبرلمانه ومثقفيه وعلمائه وشعرائه، كانوا متفقين - اتفاقاً غير مكتوب - على أن كثيراً من المسائل الدينية في المسيحية غير واضحة وغير مؤكدة، بل وفي كثير من الأحيان غير موثوق بها، وعلى هذا فليعتقد كل واحد ما يشاء، وليتصور الرب أو الإله كما يشاء، وليقم بأية طقوس يراها مناسبة بشرط واحد وهو أن يُعلن أنه مسيحي· ولا نكاد نجد من بين الشخصيات اللامعة التي أوردها المؤلف، مسيحياً حقيقياً بالمعنى الدارج للكلمة، لقد كان بعضهم ربانياً يؤمن بالله وحده ويُنكر تماما ألوهية المسيح، كما ينكر أي نبوّات أخرى، ووجدنا الموحدين Uniterians أو المناهضين للتثليث الذين لم يعترض عليهم التاج البريطاني شريطة أن يدرجوا أنفسهم تحت المسمّى العام (المسيحية)، ووجدنا الحلوليين (الشاعر وردزورث) الذي يرى الله غير منفصل عن الطبيعة، ورأينا المصلح أوين Owen الذي حارب الميسر، وطالب بتحريمه وتجريمه، وطالب الدولة بمنع اللوترية (اليانصيب) وأوصل صوته إلى البرلمان وعبّر عنه في كتبه، وطالب بتحريم الخمر، ومنع استيرادها، بل وطالب بعدم إصدار تراخيص للحانات والخمارات، ليبقى السُّكر في أضيق الحدود لينفق فيه الأثرياء الأغبياء أموالهم وأقام أوين مدارس لم تحجُر عليها الدولة يُعلِّم فيها الناشئة كل شيء مفيد إلا الخرافات - وهو يقصد اللاهوت المسيحي، ومع هذا فقد كان المسمى الرسمي للرجل أنه مسيحي·
أما موقف الدولة من الكاثوليكية فلم يكن مسألة خلاف عقائد في المقام الأول، وإنما كان مسألة - في الأساس - ذات بُعد وطني، فكيف يكون ولاء الكاثوليكي لملك بريطانيا بينما هو يقسم يمين الولاء لملك آخر هو الحَبْر الجليل في روما وكان هذا البابا صاحب سلطة زمنية إلى جانب سلطانه الديني؟!
والؤلف يربط فصول كتابه كلها بمجريات الأمور في فرنسا، فهو عندما يتناول في الفصل الثاني والعشرين، الشعراء المتمردين وعلى رأسهم لورد بايرون يبيّن لنا تعاطف هؤلاء الشعراء في فترة من الفترات مع مبادئ الثورة الفرنسية ودستورها، ولكنه يُبيّن لنا أيضاً كيف تراجعوا عن هذا التأييد عندما أكلت الثورة أبناءها، وأقامت المذابح· وقد أورد المؤلف تفاصيل حياة الشخصيات التي يُترجم لها مما قطع في بعض الأحيان تلسلسل العرض التاريخي، لكن هذا قد يكون مفيدا للراغبين في تتبع حياة هؤلاء المشاهير، فقراءة هذا الكتاب تحتاج إذن إلى صبر وجُهد إن أراد القارئ العام متابعته، لكنه لا يخلو من أفكار طريفة تتخلل عرضه الرتيب أحياناً·
وقد ركزت عند ترجمة هذا الكتاب على المعاني وأضفتُ بعض التعليقات البسيطة الشارحة، ففي التعليقات التي أوردتها عند ترجمة الكتابين السابقين ما لا داعي لتكراره هنا· ومن العدل والصدق أن أنوه هنا مرة أخرى، بفضل المجمع الثقافي، وعلى رأسه الأستاذ محمد السويدي باختيار هذه الكتب المفيدة لتقديمها إلى القارئ العربي·
وعلى اللَه قصد السبيل·
د· عبدالرحمن عبدالله الشيخ




الفصل الخامس عشر
تأثير إنجلترا في مسيرة الأحداث

كانت إنجلترا، حكومةً وشعباً، بانتشار صناعتها واتساع تجارتها وبأسطولها وعلى رأسه نيلسون، وبعقلها وإرادتها - كانت على رأس المعارضين للثورة الفرنسية بعد سنة 2981· كانت على رأس المقاومة ضد نابليون في الوقت الذي تهاوى فيه أعداء الثورة الآخرون نتيجة الهزائم المدمرة التي حاقت بهم أو نتيجة انهيار تحالفاتهم· لكن هذا الموقف الذي اتخذته إنجلترا لم يكن مفاجئاً كما لم تكن كل القوى فيها متفقة عليه منذ البداية، ففي بداية اندلاع الحريق الهائل (الثورة الفرنسية) كانت مواقف زعماء إنجلترا والرسميين فيها غير محددة، وظهر الانقسام بينهم، وتباينت المشاعر ما بين الخوف واستلهام أفكار الثورة، لقد تجاوب الشعراء والفلاسفة بحماس مع المثاليات الأولى للثورة، ومع حماسة جيوشها وشجاعتها، ولكنهم سرعان ما تأثروا ببلاغة بورك Burke الغاضبة، وسرعان ما فُجِعُوا بأخبار المذابح والإرهاب في هذه اليوتوبيا Utepia (فرنسا)، ولأن هؤلاء المحرِّرين (يقصد الثوار الفرنسيين) أصبحوا غزاة ضموا نصف - طموحاً منهم - لفرنسا، فقد رأت إنجلترا أن توازن القوى في القارة الأوروبية يتوقف على نتيجة هذا الصراع بين فرنسا والقوى الأوروبية الأخرى، ذلك التوازن الذي ظلت إنجلترا - تلك الجزيرة الصغيرة - تعتمدُ عليه لضمان سلامتها وحريتها طوال قرون· وشيئاً فشيئاً أصبحت الأمة الإنجليزية على قلب رجلٍ واحد، فرغم استسلام حلفائها، فإن التحدي الأكبر الذي لم تشهده إنجلترا منذ سنة 6601 متمثلاً في تعويق تجارتها وإفلاس شركاتها ومالييها واستنزاف صانعي الأقمشة، والإغراء اليومي بقبول شروط هذا الكورسيكي العبقري المرعب (نابليون) الذي يمتطي الآن القارة الأوروبية ويهدد بعبور القنال الإنجليزي بنصف مليون مقاتل لم يعرفوا الهزيمة - كل هذا جعل الملك الإنجليزي وبرلمانه يقفان بحزم، وجعل النبلاء والتجار يدفعون الضرائب الباهظة وجعل الإنجليزي العادي يؤدي خدمته الإلزامية في الجيش أو الأسطول، وجعل البحار الإنجليزي الذي لا مثيل له يجتاز مرحلة التمرد إلى مرحلة تحقيق الانتصارات، وجعل هذه البقعة الصغيرة الحبيبة (إنجلترا) تنطلق خارجة من العوز والمجاعة التي كادت تحيق بها في سنة 0181 slash 1181 لتبني خلال نصف قرن أكثر الإمبراطوريات قوة وتحضرا منذ سقوط روما·
لابد لنا أن نتوقف هنيهة عن متابعة هذه الدراما وهذا الصراع لندرس الأمور التي جعلت انتصار إنجلترا ممكنا - هذا الانتصار الذي يعد تحولا· لابد من التوقف لدراسة موارد التربة والعمل والعلم والأدب والفن والعقل والعقيدة والشخصية·



صفحة رقم : 14622