قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> تأثير إنجلترا في مسيرة الأحداث -> قسوة العلم
3- قسوة العِلْم
لم يقدم الاقتصاديون سوى القليل لإراحة العمال والتخفيف من معاناتهم· وشرح توماس مالتوس Thomas Malthus في مبحثه (مقال عن السكّان) صدرسنة 8971 أن زيادة الأجور تؤدي إلى ظهور أسرة أكثر عدداً مما يؤدي بدوره إلى زيادة الضغط على موارد الطعام وهذا يؤدي بدوره إلى عودة الفقر حالاً لأن الفقر هو النتيجة الدائمة لعدم كفاية الموارد الطبيعية لحاجة الإنسان(12)· وقد راجع مالتوس نظريته هذه سنة 3081 لكن دون تراجع عن أفكارها الأساسية واضعاً بذلك قانونه الحديدي للأجور والقاضي بأََنّ أُجرة العامل ينبغي ألاَّ تتجاوز الحدَّ اللازم لعيش الكفاف أوبتعبير آخر ستظل أجور العمل دائما تتحكم فيها نسبة إمداد العمل للحاجة (22)· وفي مبحثه مبادئ الاقتصاد السياسي (0281) حذَّر من أنَّ النمو الاقتصادي قد يؤدي إلى التجاوز مادام سيؤدي إلى تقليص الاستثمار والإنتاج، ودافع عن الرِّيع rent (العوائد عن استثمار الممتلكات) باعتبارة مكافأة عن الشجاعة والحكمة في الوقت الحالي، وعن قوةٍ أوبراعةٍ كانتا في الماضى(32)، واتفق مع فولتير في أنّ حياة الترف التي يحياها الأثرياء لها أثر طيب إذ تتيح للحرفيين الفنيين المهرة فرصاً للعمل· وفي لحظة ليبرالية أوصى بإقامة الأعمال العامة (الأشغال العامة) وفي فترات نقص الإنتاج كإعانة للعاطلين وتخفيفاً من معاناتهم·
واتفق ريكاردوRicardo مع نظريات صديقه مالتوس وأقام عليها مبحثه أسس الاقتصاد السياسي والضرائب (7181) الذي ظل طوال نصف قرن هو النص الكلاسي لما أطلق عليه كارليل العلم البارد أو القاسي(42)· لقد كان (ريكاردو) ابناً ليهودي هولندي كانت أحواله قد انتعشت في سوق لندن للصرافة والأوراق المالية، وكان قد تحوّل إلى المسيحية على مذهب الموحِدين وتزوِّج من فتاة على مذهب الكواكر Quaker (جماعة مسيحية) وأسسى شركة سمسرة وكوّن ثروة كبيرة وانسحب من عالم الأعمال سنة 5181 وكتب عدّة مباحث عميقة خاصة في المالية·وفي سنة 9181 تم انتخابه لمجلس العموم البريطاني حيث حارب المفاسد البرلمانية ودافع عن الاتحادات العمالية وحذّر الرأسماليين كي ينتبهوا مخافة أن يجني ملاَّكُ الأراضي في بريطانيا - عاجلا أم آجلا - حصادَ الصناعة ومكاسبها بما لهم من حق في رفع الإيجارات· ودلّل في بحث له في هذه الفترة على أن رفع الأجور لم يكن أبداً أمراً حقيقيا بسبب ارتفاع الأسعار الناتج عن زيادة تكاليف الإنتاج، لأن الأجر الخالص للعامل هو ذلك الذي يمكِّنه من العيش والإبقاء على نوْعه (دون زيادة) ولم يترك ريكاردو إلا القليل لكارل ماركس بتعريفه لقيمة value (وليس سعر price) البضاعة بكمية العمل المبذول اللازم لإنتاجها·
ولم يكن هو نفسه قاسيا (باردا) كَعِلْمه، فقد ظلّ هو ومالتوس صديقين إلى النهاية رغم أنهما كانا يختلفان غالبا في أمورخاصة وفي أمور الطباعة، وعندما ماتا (ريكاردو في سنة 3281 ومالتوس في سنة 4281) قال عنهما سير جيمس ماكينتوش Mackintosh (الومضة الباقية من التنوير الإسكتلندي): لقد عرفتُ آدم سميث معرفة سطحية، وعرفت ريكاردو جيدا وعرفت مالتوس بعمق فقد كانت علاقتي به حميمة· وبصرف النظر عمّا يُقال عن العلم الذي كان هؤلاء الثلاثة هم سادته ورجاله الأساسيين، فإن ثلاثتهم كانوا من أفضل من عرفت على الإطلاق(52)·