قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> تأثير إنجلترا في مسيرة الأحداث -> في القاع

2- في القاع


وإذا كان لنا أن نعيد النظر في أحوال عمال المصانع في بريطانيا في سنة 0081 وجب علينا ألا نبالغ في أهميتهم في نطاق الصورة العامة في ذلك الوقت، إذ يمكن أن نفترض وجود كثير من المشاهد الباعثة على السرور في إنجلترا السعيدة Merrie England· فلم يكن العمل في المصانع في حد ذاته في ذلك الوقت هو المَعْلم الرئيسي للصناعة البريطانية، فقد كان معظم الإنتاج الصناعي لا يزال يجري إنجازه في البيوت في الريف والحضر على أنوال أو مخارط، أو على يد حرفيين في محلات (دكاكين) مستقلة· وكان التصنيع من خلال نظام المصانع مقتصراً على عمليات إعداد القطن والكتان والصوف، ورغم محدودية هذا النظام، فإن دوره في بانوراما العصر (المشهد العام للعصر) كان واحداً من أشد الأدوار مدعاة للحزن في التاريخ الإنجليزي·
لقد كانت المصانع نفسها قائمة في الأحياء القذرة أي أحياء الفقراء مكفّنة بالروائح الكريهة المنبعثة من الماء الآسن والدخان الناتج عن المصانع ذاتها التي كانت من الداخل متربة بشكل عام وقذرة وسيئة التهوية والإضاءة حتى عام 5081 حين بدأت الإضاءة بغاز الاستصباح· وكان يتم تشغيل الماكينات بسرعتها القصوى مما كان يتطلب من العاملين عليها مراقبتها بعيون حذرة وتظل أيديهم مشغولة طوال اثنتي عشرة أو أربع عشرة ساعة في اليوم· لقد حدث وقتها كما حدث في وقت لاحق أن أدت المخترعات الآلية إلى إنقاذ العمل واستهلاك الإنسان· وكان مسموحاً للعمال بساعة لتناول الغداء وبعدها يستمر الكدح حتى الساعة الثامنة مساء في معظم الحالات(8)· وعند الحاجة كان يتم دعم القوى العاملة من المخزون البشري المتمثل في الفلاحين المرحّلين والنسوة الضائعات·
وكان أصحاب المصانع يفضلون النساء على الرجال، والأطفال على النساء لقلة أجورهم· وفي سنة 6191 كان من بين 000،01 من العاملين في 14 طاحونة إسكتلندية: 641،3 رجلاً و 458،6 امرأة و 185،4 طفلاً دون الثامنة عشرة من العمر(9)· وكان أصحاب المصانع يفضلون تشغيل الأطفال الأيتام والمعوزين الذين يُرسلهم مقاولو تشغيل الفقراء لنجدتهم، وذلك لانخفاض أجورهم· وحاول مرسوم المصانع The Factory Act الصادر في سنة 2081 أن يضع حدودا دنيا لاستخدام مثل هؤلاء العمال المهنيين بمنع تشغيلهم أكثر من 21 ساعة يومياً، ولكن البرلمان قد رفض الدفع للمفوضين (مندوبي الحكومة) لوضع المرسوم موضع التطبيق(01) وبشكل عام ظل تشغيل الأطفال ساري المفعول في المصانع البريطانية حتى سنة 2491(11)·
وفي سنة 0081 كان متوسط أجر العامل البالغ في لندن هو 81 شلنا في الأسبوع (نحو 32 دولاراً في الولايات المتحدة سنة 0691) أما في الريف فكان المتوسط ينقص بنحو الثلث(21)· وبالجملة فإن أجور الأسرة كان يتحكم فيها العدد المطلوب لاستمرار العمل لكن هذا كان يتوقف على انضمام الزوجة والابن إلى القوى العاملة في المصنع(31)· وكان أصحاب العمل يدافعون عن مبدأ بقاء الأجور منخفضة لضمان عودة العمال إلى العمل، وكان بعض العمال يحصلون على إجازة أسبوعية لمدة يومين أو ثلاثة وعندما يعودون للعمل يكونون في حالة غير يقظة لفرط ما تناولوه من كحول في أثناء الإجازة(41) ولم يكن يدفع العامل للعودة للعمل في المصنع بين الآلات سوى الجوع·
وكانت هناك بعض الميزات المعينة التي تُلطِّف عناء العمال، فبعض أصحاب الأعمال كانوا يدفعون قيمة الإيجار وتكاليف الوقود للعاملين لديهم· وكانت أسعار السلع منخفضة - كانت أرخص بنحو الثلث من الأسعار التي سادت في بريطانيا العظمى سنة 0691(51)· وكانت الأجور - بشكل عام - تتناسب طردياً مع الأسعار، فكلما ارتفعت الأسعار زادت الأجور وكلما انخفضت الأسعار قلت الأجور، وظل الحال على هذا النحو حتى سنة 3971 عندما بدأت الحرب مع فرنسا فعانت الطبقات كلها من نقص دخولها، وإن كانت معاناة العمال هي الأشد لأن أجورهم كانت منخفضة انخفاضاً لا يمكّنهم من العيش إلاّ بشق الأنفس·
لقد كان العمال يعيشون في المدن حيث الهواء الملوّث (المسمَّم) في أحياء منعزلة تعمها الأمراض، في مساكن مزدحمة - وأحيانا في غرف رطبة ضيقة كالقبور لايصلها نور الشمس إلاَّ لماما، ولا مكان فيها للنظافة، وحيث النزاعات بين المقيمين فيها تتلف الأعصاب المرهقة ولم يكن هناك مجال لاحتفاظ الفرد بخصوصيته ولم يكن ثمة ملجأ أمام المرأة سوى التقوى، ولم يكن أمام الرجل سوى الخمَّارة· وكان السُّكر (تناول الخمر) يتم كل أسبوع· وكان سكان البيوت يحصلون على المياه من الآبار و الطلمبات العامة فإذا ما قلَّ معين الماء في هذين المصدرين راحت النسوة يحملن الماء من أقرب نهر أو ترعة، وكانت هذه المياه ملوثة بالمخلفات الصناعية أو المنزلية أو البشرية(61)· وكان الصرف الصحي بدائيا وكانت البالوعات نادرة الوجود· وكتب ثورولد روجرز Thorolde Rogers في سنة 0981 عندما كان أستاذاً للاقتصاد السياسي في أكسفورد: إنني مُوقن أن التاريخ الإنجليزي الموثَّق لم يسجِّل في أي فترة من فتراته ظروفاً أسوأ للعمل اليدوي من تلك الظروف التي كانت موجودة في الأربعين سنة الممتدة من 2871 إلى 1281 وهي الفترة التي جمع فيها أصحاب المصانع ثرواتهم بسرعة، وهي الفترة التي تضاعفت فيها أجور الأرض الزراعية(71)· وقد استمرت هذه الأحوال حتى سني الأربعين من القرن التاسع عشر (0481 - 9481)· وقد لخّص كارليل Carlyle الذي نشأ في إسكتلندا وإنجلترا ما بين سنتي 5971 و 0481 حال عامل المصنع البريطاني في تلك الفترة بأن قال: إن البريتون Briton كانوا في حالة أفضل منه عندما كانوا أقنانا (عبيداً للأرض) في العصور الوسطى· فالتقدم الصناعي جعل للبروليتاري نصيباً تافهاً جداً من الثروة المتنامية، حتى إنّها جعلته يرتد إلى مرحلة البربرية في مسلكه ولباسه وطريقة حديثه والأسلوب الذي يتَّبعه للترفيه عن نفسه· وقد كتب أليكسيس دي توكفيل Alexis de Tocqueville بعد زيارته لمانشستر: لقد كاد الإنسان المتحضر يتحول إلى همجي بدائي(81)· ويرجع الفضل إلى هذه الأيام المريرة فيما حققته مانشستر والمدن الصناعية البريطانية الأخرى من تقدم·
وقدَّم قانون الفقراء الذي سُنّ في سنة 1061 (وجرت عليه تعديلات في فترات لاحقة) بعض المساعدة للمعدمين والعاطلين· وكان العاملون على تنفيذه مسؤولين إداريين في الوحدات الإدارية المختلفة وكانوا عادة ما يسلّمون المبالغ المجمّعة للملاجئ وإصلاحيات الأحداث· ولتمويل تنفيذ هذا القانون كان لابد من ضريبة خاصة مفروضة على أرباب البيوت الذين كانوا متذمرين من هذه الضريبة لأنها - على حد رأيهم - تُنفق على العاطلين وعديمي النفع وتساعد على تفريخ الطائشين والمهملين، وكان من رأيهم أن ضريبة المبيعات (المكوس) على ما يُباع أو يُتاجر به محلياً هي خير ضمان ضد الفوضى الاجتماعية· وفي كثير من المديريات (الوحدات الإدارية) - بعد سنة 5971 - كان يتم تنظيم المساعدات (الإعانات) ليحصل عليها أصحاب الأجور المتدنية (التي لا تكفي لإقامة أَوَد العمّال الحاصلين عليها)، وكان بعض أصحاب العمل ينتهزون فرصة تقديم هذه الإعانات للإبقاء على الأجور التي يدفعونها للعمال متدنية·
ورغم هذه الإعانات المتواضعة، فقد وصلت الحالة البائسة للعمال إلى منعطف خطير مع بداية القرن التاسع عشر· فحتى سنة 4281 كان محظوراً تشكيل تنظيمات للمطالبة بأجور أفضل، ومع هذا فقد كانت هناك تنظيمات سرية، وكان محظوراً القيام بإضرابات ومع هذا فقد أضرب العمال وجرى قمعهم، فأضربوا ثانية(91)· وحذّر الإصلاحيون مثل روبرت أوين Robert Owen البرلمان أنه إذا لم تتحسن أحوال المصانع، فسيزداد العنف مما سيكلف كثيرا· وواجهت الحكومة السخط المتزايد بتجديد الأعمال العدائية مع فرنسا (3081) وراحت حالة السخط تزداد كلما ابتعد شبحُ الحرب حتى انفجرت في ثورة علنية في سنة 1181، ولم يكن في طليعة هذه الثورة عمال المصانع وإنما نسّاجو الجوارب والربط الذين يقومون بعملهم على ماكينات في البيوت والمحلات الصغيرة في نوتنجهام Nottingham أو بالقرب منها· وهؤلاء النسّاجون رجالاً ونساء كانوا لا يزالون قادرين على الاستمتاع بحياة في الهواء الطلق في الحقول والمزارع، وربا تحققوا من أن حياتهم ذات الطبيعة المنطلقة تتناقض - من الناحية المثالية مع انكفائهم على أنوالهم· لقد امتعضوا من تبعيتهم لأصحاب الأنوال (آلات نسج الجوارب) الذين أجَّروا لهم هذه الأنوال، وباعوا لهم المواد الخامة واشتروا منهم منتجاتهم ولم يتركوا لهم ربحاً إلاَّ بالنسب التي يحددونها هم (أصحاب الأنوال) أو يحددها الذين موَّلوه بالخامات أو برأس المال· وأكثر من هذا فقد كانوا يخشون أن يفقدوا أعمالهم الحالية لصالح المصانع المنتشرة ذوات الأنوال الآلية التي تحركها الطاقة (البخارية) ذات الإنتاج المُضاعف، وفي فورة غضبهم قرروا أن يدمروا كلَّ ما يستطيعون تدميره من الآلات والماكينات التي اعتبروها رمزا لعبوديتهم·
ونظم ند Ned أو الملك لُود King Ludd - وهو شخصية غامضة وربما كان شخصاً أسطوريا - النسَّاجين الغاضبين ووضع الخطط لغاراتهم· وفي خريف سنة 1181 راحت جماعات منفصلة من هؤلاء النسّاجين الثائرين (اللوديين Luddites) يغزون مديرية إِثر مديرية وحطموا كل ما وجدوه من آلات النسيج· وامتدت الحركة من نوتنجهامشير Nottinghamshire إلى لانكشير Lancashire ودربيشير Derbyshire وليزيسترشير Leicestershire واستمرت الحركة خلال عام 2181· وامتنع محطِّمو الآلات (اللوديون) عن إلحاق الأذى بالأشخاص إلاّ في حالة صاحب مصنع أمر رجاله بإطلاق النار عليهم، فقد أخرجه المضربون وقتلوه· وارتعد نصف إنجلترا خوفا وهلعاً متذكرة الثورة الفرنسية· وكتب روبرت سوثي R. Southey في هذه اللحظات لا شيء ينقذنا سوى الجيش· إنه الذي سينقذنا من أكثر النكبات والكوارث ضراوة· سينقذنا من عصيان الفقراء المسلّح ضد الأثرياء، لكن إلى أي مدى يمكن الاعتماد على الجيش في هذا الأمر؟ فهذا موضع سؤال قلما أجرؤ أن أوجهه إلى نفسي· إن البلاد ملغّمة تسيخ تحت أقدامنا(02)· ودافع وليم كوبت W. Cobbett الصحفي المفعم حيوية عن هؤلاء المغيرين في مجلس العموم البريطاني وألقى الشاعر بيرون Byron خطاباً حاراً لصالحهم في مجلس اللوردات، وقدم اللورد ليفربول Liverpool رئيس الوزراء بعض التشريعات القاسية التي أجازها البرلمان وأرسل كتيبة عسكرية لقمع الثوّار وتم القبض على قادة الثوار وأدينوا بسرعة في محاكمة جماعية في يورك (3181) ونفى بعضهم وشُنق آخرون· وتضاعف عدد الآلات والماكينات ولم يصدر تشريع يرحم العامل البريطاني البالغ حتى سنة 4281·



صفحة رقم : 14624