قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الحياة الإنجليزية -> الطبقات

الفصل السادس عشر


الحياة الإنجليزية


4081 - 7081


1- الطبقات


الحضارة شعب له نظام اجتماعي قامت عليه حكومة وقانون ودين وأخلاق وعادات وتقاليد ونظام تعليمي، مع إتاحة قدر كاف من الحرية للإبداع والتجربة وقدر كاف من الحرية لتكوين الصداقات وعلاقات الحب وأعمال الخير وتطويرها، وقدر كاف من الحرية يُتيح إبداع فن وأدب وعلم وفلسفة· والآن كيف كان حال هذه النظم والحريات في إنجلترا في الفترة من 9871 إلى 5181 وكيف كان شكلهما (تكوينهما) وماذا نتج عنهما؟
في البداية نجد أن الفروق التي فرضتها الطبيعة بين الناس - فيما هو موروث، وفي الفرص والمهارات - جعلتهم يندرجون في طبقات تُسهم كل طبقة منها بنصيب في الحياة المشتركة· ولم يكن في إنجلترا نظام الطبقات المغلقة (أو المتحجرة) لأن الفرد ذا الثروة الكبيرة أو التفوق قد يترقى (يصعد) من طبقة إلى أخرى بل يصل حتى إلى مرتبة النبالة، وغالبا ما كانت العلاقة بين النبيل والفلاح تتسم بروح الصداقة وقلما تكون ذات طابع برهمي of Brahmin (أو علاقة لا تسمح بأن يمس (يلمس) الفلاحُ النبيلَ)· وكانت القِنانة (عبودية الأرض) قد اختفت رغم أنه لم تكن هناك إلا أقلية تمتلك الأرض التي تزرعها· وكان النبلاء يدفعون الضرائب مثل غيرهم وفي بعض الأحيان (على عكس نظرائهم الفرنسيين) كانوا يعملون في مجال التجارة أو الصناعة· ولم يكن يرث لقب النبالة إلا الابن الأكبر أما بقية الأبناء فكانوا من الناحية القانونية (وليس الاجتماعية) من العوام·
وظلت كثير من مظاهر عدم المساواة (الفوارق) غير الطبيعية باقية· وكان تركُّزُ الثروةِ شديداً بشكل غير عادي· وكانت المساواةُ أمام القانون غير ذات معنى بسبب ارتفاع تكاليف التقاضي· ولم يكن ممكنا محاكمة اللوردات المتهمين إلا في مجلس اللوردات (الشيوخ)، وظلت مزايا النبالة هذه مستمرة حتى سنة 1481· وكان من الممكن إجبار من لا شجرة نسب لهم على الخدمة في البحرية· وقلما كان العوام يصلون إلى رتبٍ عليا في البحرية أو الجيش أو الخدمة المدنية أو الجامعات أو القضاء· وقلما كانت طبقة النبلاء الحاكم تسمح للجماهير التي لا تنتمي لطبقة معينة بأي دور في تقرير سياسات الحكومة أو اختيار القائمين عليها·
وربما كان الوعي الطبقي أكثر حدّة ووضوحاً لدى البورجوازية التي ظلت متعالية بكبرياء بعيدة عن الفلاحين والبروليتاريا، وكان أفرادها يحلمون بمراتب النبالة· وفي داخل الطبقة البورجوازية نفسها كانت هناك قطاعات متنافسة؛ فكان الرأسمالي العامل في المجال الصناعي يتعالى على جاره صاحب المحل التجاري، والتاجر الكبير الذي تحلَّى بالأموال نتيجة مغامراته التجارية يقف متباهياً إزاء رجل الصناعة· وكان ذوو المكانة أو الثروة العظيمة يطلون ما جمعوه من المستعمرات بطلاء الوطنية وكوّنوا طبقة خاصة بهم·
وكما في فرنسا، كذلك في إنجلترا لم يكن أي فرد راضياً بما فيه الكفاية بقسمته التي قسمها الله له، أتاحتها له قدراته، أو فرضتها الظروف· لقد كان كل شخص منشغلاً بالصعود أو التردي· لقد كان قلق العصر الحديث قد بدأ· وكانت المعركة الأساسية هي معركة الرأسمالي كي يحل محل الأرستقراطي في توجيه أمور الدولة· وكان هذا قد استغرق جيلا كاملا في فرنسا، أما في إنجلترا فاستغرق قروناً·
وعلى هذا، فحتى سنة 2381 كان لطبقة النبلاء الغلبة، وكانوا يبتسمون ساخرين من متحديهم· وبالمعنى الضيق فقد كانت طبقة النبلاء هذه في سنة 1081 تتكوّن من 782 نبيلاً أو نبيلة زمنياً (أي ليس من الإكليروس أو رجال الدين) و 62 أسقفاً إنجيلياً هم النبلاء أو اللوردات الروحيون (أي من رجال الدين) وهم الذين يشكلون مجلس الشيوخ (مجلس اللوردات)· وكان النبلاء الزمنيون (من غير رجال الدين) مرتبين طبقياً فيما بينهم ترتيباً تنازلياً: أمراء من دماء ملكية، دوقات، ماركيزات، إيرلات earls، فيكونتات Viscount وبارونات· وكان يمكن أن يُطلق على الواحد من كل هؤلاء - ما عدا الأمراء ذوي الدماء الملكية - لقب لورد، وكان اللقب يُورَّث جيلاً بعد جيل للابن الأكبر· وكان الواحد منهم يمتلك أراضي شاسعة يزرعها فلاحون مقيمون وعمال مستأجرون، وكان لها بطبيعة الحال ريع بلغ في حالة دوق نيوكاسل Newcastle 000،021 جنيه إسترليني(2) في السنة أو نحو 000،21 جنيه عادة كما في حالة الفيكونت بالمرستون· وكانت مزارع دوق بدفورد، ودوق نورفولك ودوق ديفونشير يمكن أن تغطي كونتيّة (مقاطعة(3))· وإلى الأدنى من هؤلاء اللوردات الزمنيين (من غير رجال الدين) واللوردات الروحانيين (من رجال الدين) نجد 045 بويرين! (تصغير بارون، وتكتب أحيان بارونت) وزوجاتهم (الواحدة منهن بويرينه، وتكتب أحياناً بارونيته) ويشفع الاسم المسيحي للواحد منهم باللفظ (سير Sir) إن كان بويرينا، وباللفظ (ليدي Lady) إن كانت بويرينه ويُتوارث هذا اللقب (سير أو ليدي) من هذه الأسرات· ويلي ذلك 053 فارساً Knights (لقب وليس له علاقة بالضرورة بركوب الخيل) وزوجاتهم، ويُسبق الاسم المسيحي للواحد منهم باللفظ (سير) أو (ليدي) أيضاً، لكن اللقب هنا لا يتوارث، ويلي حاملي لقب فارس نحو ستة آلاف من حاملي لقب حامل الدرع Squire أو شريف المحتد gentry وهم من ملاك الأراضي الذين وُلدوا في أسرات قديمة حازت قبولاً اجتماعياً ومن حق الواحد منهم أن يحمل شعار النبالة· كل هذه المجموعات الآنف ذكرها من حملة الألقاب تقع دون اللوردات وهم يكوِّنون النبالة الدنيا أو النبالة الأقل درجة لكنهم بشكل عام من بين الأرستقراطية التي تحكم إنجلترا·
لم يكن أحد يشعر بأن حكم الأقلية ينطوي على شيء من الخطأ· فقد كان هناك رضاً متزناً قانعاً رواقياً (متسم بقبول الواقع) يبرر فقر الفلاحين وتدني أوضاع عمال المصانع واستغلال أيرلندا· لقد كانت هناك قناعة أن الفقر هو عقاب ضروري وطبيعي لعدم الكفاءة أو الكسل ويجب ألا يُسمحً للمنظِّرين الخوَّارين بتحويل بريطانيا إلى ديموقراطية تقوم على تقديم الإعانــات الماليـة (للكسالى وغير الأكفــاء) ورغم الحالمين باختفاء أشكال الحكومة مثل وليـم جودون أو بيرسـي شيلي، فإن شـكلاً من أشـكال الحكومـة يُعـد أمراً ضرورياً فمن غير الحكومة يصبح الشعب غوغاء يهددون كل فرد وكل حرية، ولم يكن نابليون ظالما في حكمه لصالـح الأرسـتقراطية الإنجليزية، بل إنه قال في سانت هيلانه: ستكون مأساة (أو كارثة) أوروبية إذا اختفت الأرستقراطية الإنجليزية وتُركت الأمور لغوغاء لندن(4) فكل الحكومات تقوم إما على حكم الأقلية أو حكم الطغاة (الحكم الفردي المستبد) والأقلية الحاكمة إما أن تكون بأرستقراطية المولد أو بلوتقراطية الثروة (حكومة الأثرياء slash أو حكم الطبقة الثرية) وبطبيعة الحال فإن الديموقراطية كانت في هذا الاتجاه الأخير (البلوتوقراطي) لأن الثروة وحدها هي التي يمكنها تمويل المعارك أو دفع تكاليف حث الناس على التصويت لصالح المرشحين الأغنياء والذين يتم انتخابهم بطريقة ديموقراطية وهم قلما يكونون - بحكم المولد أو الخبرات - قادرين على التعامل بنجاح مع قضايا الحكم، أما تعاملهم مع الشؤون الخارجية فنجاحهم فيها أقل بكثير· فأرستقراطية المولد هي مدرسة لأجل الدولة· حقيقة إن بعض من تخرجوا في هذه المدرسة (أرستقراطية المولد) قد يصبحون عاطلين لا يصلحون لعمل، لكن هؤلاء قلّة، فأرستقراطيو المولد بحكم طول ارتباطهم بقضايا الحكم والأشخاص الحاكمين يكتسبون القدرة على التعامل مع الأمور الحرجة دون تعريض الأمة للخطر بحماقاتهم (تصرفاتهم غير المنضبطة)· وأكثر من هذا فإن الأرستقراطية الموظفة توظيفا صحيحاً تستطيع أن تُلزم الناس بعادة الطاعة واحترام السلطة اللذين هما منحة للنظام العام والأمن·
وبدت هذه الحجج التي صيغت ببراعة وتغلغلت في الشعور بشكل غامض مقنعة لغالب الشعب البريطاني· لكنها لم تكن مقنعة للبورجوازية الصاعدة التي كان أفرادها ممتعضين من الثروة التي حققها ملاّك الأراضي فسيطروا على الوزارات والبرلمانات، كما كان العمال المتمردون ينكرون على الأرستقراطية - بغضب - دورها، كما تعرضت الأرستقراطية للمساءلة من المثفين الذين هالتهم الوسائل التي توظفها الأرستقراطية التي تحكم إنجلترا لخدمة مصالحها·



صفحة رقم : 14627