قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الحياة الإنجليزية -> المبادئ الأخلاقية

5- المبادئ الأخلاقية


5slash1- الرجل والمرأة


أي نوع من الأخلاق يمكن أن ينبثق عن هذه الحكومة الطبقية، وهذا الاقتصاد المتغير، وهذه الوحدة بين الدولة والكنيسة، وهذا التعليم المحدود انتشاره، والمحدود في محتواه، وهذا التراث الوطني الذي كان في وقت من الأوقات قويا مؤثراً بسبب العُزلة التي تحدّتها الآن الاتصالات بالعالم الخارجي والثورة والحرب؟
ليس الرجال والنساء من الناحية الطبيعية naturally ملتزمين بالمبادئ الأخلاقية لأن مواهبهم الاجتماعية التي تُؤثر التعاون والعمل المشترك ليست في قوّة بواعثهم الفردية ورغبتهم في تحقيق مصالحهم الذاتية، ومن هنا كان لابد من تقوية الباعث الاجتماعي وإضعاف الباعث الفردي بسن القوانين المعبّرة عن قوة الجماعة ورغبتها، وبالمواثيق الأخلاقية التي يتم بثّ محتواها من خلال الأسرة والكنيسة والمدرسة والرأي العام والعادات وتحديد المحرمات (الطابو أو التابو taboos)· من الطبيعي إذن أن تكثر الجرائم في إنجلترا في الفترة من 9871 إلى 5181 وأن تكثر حالات عدم الأمانة، وأن يكون هناك ما لاحصر له من العلاقات الجنسية قبل الزواج، وإذا كان لنا أن نصدّق هوجارث Hogarth وبوزول Boswell فقد كانت بيوت الدعارة والمومسات تملأ لندن والمدن الصناعية· وكان أفراد الأرستقراطية يجدون البغايا أقل تكلفة من الخليلات مدبّرات شؤون المنزل، فاللورد إجريمونت Egremont الذي كان يفيض بكرمه على تيرنر Turner وغيره من الفنانين، يقال إنه استمتع بسلسلة من الخليلات أنجب منهن أطفالاً كثيرين·· وعلى أية حال فد زادت الشائعات أخباراً عن علاقة أصدقائه الدافئة به(72) ويمكننا أن نحكم على أخلاق الطبقات العليا من خلال محاكاتهم لأمير ويلز واستئناسهم بأخلاقه، وكان هذا الأمير قد نشأ وسط أكثر الأرستقراطيين فجوراً وانحلالا· لقد كانوا ثُلَّة لم تشهد إنجلترا مثيلاً في فجورها وانحلالها منذ العصور الوسطى(82)·
وربما كان الفلاحون يحترمون القيم الأخلاقية القديمة، لأن تنظيم الأسرة بما يخدم أغراض الزراعة يستلزم سلطة أبوية قوية، وقلما يسمح للشباب بالإفلات من سلطة من هم أكبر سنا· وعلى أية حال، فقد كانت البروليتاريا النامية قد تحررت من مثل هذه الهيمنة مقلّدة مستغليها في حدود ما تسمح به دخولهم (أي دخول البروليتاريا)، وقد كانت الأجور المتدنية في المصانع الصغيرة غير المنضبطة تمثل دافعاً قوياً للفسق(92) بالنسبة إلى النسوة العاملات في المصانع ليبعن أجسادهن بثمن بخس ليُضفنه (أي هذا الثمن) إلى أجورهن المتدنية·
وحتى سنة 9291 كان العمر القانوني الذي يُسمح فيه بالزواج هو 41 سنة للذكور و 21 للإناث· وكان الزواج العادي ارتزاقا أو مصدر تعيّش وكسب· فالرجل (الزوج) كان مرغوباً بقدر ما لديه من مال فعلي أو متوقع، وكذلك كانت المرأة (الزوجة) مرغوب فيها بقدر مالها الموجود فعلاً أو المتوقع الحصول عليه، وكانت الأمهات يخططن ليل نهار (كما في روايات جين أوستن Austen) لتزويج بناتهن بُغية الحصول على المال· ومع أن الأعمال الأدبية تُعلي من شأن الزواج عن حب، إلا أن مثل هذا الزواج كان استثناء لا قاعدة· وكان الزواج على وفق للقانون العام مُعترفاً به رغم عدم عقده بواسطة رجال الدين وكان عدد أفراد الأسرة كبيراً لأن الأطفال كانوا يُعينون الأسرة من الناحية الاقتصادية، وكان عددهم (الأطفال) في المصانع أقل بقليل من عددهم في المزارع· وكان منع الحمل يتم بطرق بدائية· وكان عدد السكان يزداد لكنها كانت زيادة بطيئة بسبب وفيات الأطفال والشيوخ، وبسبب نقص الغذاء ونقص الرعاية الطبية وعدم مراعاة قواعد الصحة العامة· وانتشر الزنا، وكان يمكن أن يطلب الزوج الطلاق، وكذلك المرأة (بعد سنة 1081)، لكن هذا لم يكن ليتم دون إذن من البرلمان، وكان هذا يكلِّف كثيراً جداً، لدرجة أنه لم يحصل على الطلاق إلا 713 شخص قبل أن يصطبغ القانون بطابع ليبرالي في سنة 9581· وحتى سنة 9581 كانت الممتلكات المنقولة للزوجة تصبح مُلكاً للزوج عند الزواج، بالإضافة إلى أنه كان يحصل تلقائياً على كل مالٍ يأتيها بعد الزواج، لكنها كانت تحتفظ بملكية الأرض الخاصة بها أما الريع فلزوجها وإن ماتت قبله ورث كل ممتلكاتها(03)·
وسمعنا عن نسوة ثريّات لكنهن كن قليلات العدد· وجرى العُرف أن يقوم الأب الذي ليس له ولد (ذكر) بوقف ثروته على أحد أقربائه الذكور، تاركاً بناته دون مال يرثنه وإنما يعشن على إعانات الأصدقاء ومن يتلطّف عليهن· إنه عالم الرجال·
5slash2- ماري ولستونكرافت


لقد تعوّد معظم النساء البريطانيات على هذا الجوْر بحكم ما اعتدْنَ عليه، لكن الرياح الآن تهب من فرنسا الثورية، فدفعت بعض اللائي يعانين إلى الاحتجاج، وقد أحسَّت ماري ولستونكرافت Wollstonecraft بهذه الرياح فرفعت عقيرتها مطالبة بتحرير المرأة، وكانت مطالبتها من أقوى المطالبات التي شهدتها حركة تحرير المرأة·
وكان أبوها من أهل لندن وقرر أن يجرب العمل في مجال الزراعة ففشل وفقد ثروته وزوجته فعكف على الشراب وتخلى عن بناته الثلاث فتركهن يدبّرن أمور معيشتهن بأنفسهن، فافتتحن مدرسة فامتدحهن صامويل (صموئيل) جونسن لكنهم أفلسن وأصبحت ماري مربّية أطفال لكنها طُرِدت من عملها بعد عام لأن الأطفال أحبوا مربّيتهم أكثر من حبّم لأمّهم(13) وفي هذه الأثناء كتبت عدة كتب من بينها دفاع عن حقوق المرأة الذي كتبته في سنة 2971 وهي في الثالثة والثلاثين من عمرها·
وقد أهدت كتابها إلى م· تاليران - بيريجورد M. Talleyrand Perigord أسقف أوتون Auten الراحل مع إشارة إلى أنه ما دامت الهيئة التأسيسية قد أعلنت حقوق الإنسان فهي ملزمة أخلاقيا بإعلان حقوق المرأة· وربما رغبة منها في تسهيل طريقها وتحقيق أهدافها تحدثت بنبرة أخلاقية عالية معترفة بولائها لبلادها وتمسكها بالفضلية، وإيمانها بالله· ولم تتحدث إلاّ قليلاً عن حق النساء في التصويت لأن نظام التمثيل النيابي كله الآن في هذه البلاد ليس إلا أداة في يد الحكم الاستبدادي (حكم الفرد) فلا مجال لشكوى النساء لأنّهن معدودات كطبقة ذات عدد للعمل الشاق وكأنهن آلات، يدفعن لدعم الملكية عندما يصبحن قادرات بشق النفس على إسكات أصوات أطفالهن بحشوها خبزاً ومع هذا فإنني حقا أعتقد أنه من الضروري أن يمثل النساء في البرلمان بدلا من أن يُسْلبن حقهن في أي مشاركة مباشرة في تفكير الحكومة وتخطيطها(23)· وأشارت كمثال على انحياز القانون للرجل إلى قانون حق الابن البكر في ميراث أبيه، وحق الأب في وقف ممتلكاته على نسله أو أقاربه من الذكور، وذكرت أن الأعراف والعادات أشد قسوة على المرأة من القوانين فهي تُدين - وتُعاقب - المرأة للحظة واحدة فقدت فيها طهارتها، رغم أن الرجال يظلّون محترمين بينما هم منغمسون في الرذيلة(33)·
وربما صُدِم بعض القراء بإعلان ماري حق المرأة بالإحساس بالإشباع عند اللقاء الجنسي(43)، لكنها حذرت الجنسين قائلة إن الحب (المقصود هنا المتعة الجنسية) شهوة حيوانية لها نهاية(53) فالحب (المقصود هنا المتعة الجنسية) كعلاقة مادية لابد أن تحل محله الصداقة بالتدريج(63)، وهذا يتطلب احتراما متبادلا، والاحترام يتطلب أن يجد كل طرف (الزوج أو الزوجة) في الطرف الآخر شخصية متطورة (يعتبر الطرف الآخر كياناً له ذاته)(73) وهنا فإن أفضل طريق لتحرر المرأة هو اعترافها بأخطائها والتحقّق من أن حريتها تعتمد على تثقيف عقلها وسلوكها·
وراحت المؤلفة في كتابها تعدّد أخطاء النساء في زمانها: نزوعها إلى الضعف والجبن مما يغذي دعوى الرجل في التفوق والسيطرة ويُسعده، وإدمان لعب الورق والثرثرة والقيل والقال والتنجيم والتأثر العاطفي والتفاهة والاهتمام الزائد بالملبس والغرور·
الطبيعة والموسيقا والشعر والكياسة، كل ذلك يميل إلى جعل النساء مخلوقات للإحساس·· وهذا الإحساس أو الشعور إذا ما زاد عن حده أضعف - بشكل طبيعي - قوى النفس الأخرى ومنع الفكر من الوصول إلى المرتبة التي يجب أن يشغلها··· لأن التدرّب على الفهم والاستيعاب - كما تشير لنا الحياة - هو الطريق الوحيد الذي قدّمته لنا الطبيعة لتهدئة عواطفنا وانفعالاتنا ورغباتنا الجنسية(83)·
وقد شعرت ماري أن كل هذه الأخطاء تقريباً راجعة إلى عدم المساواة مع الرجل في التعليم، وإلى نجاح الرجل في اقناعها بأن أفضل إمبراطورية لها وأحلاها هي أن تُمتع(93) (كما قالت لهن إحدى المؤلفات)·
لقد امتعضت ماري من الأناقة المتكلّفة ومن التصنّع وراحت تنظر بحسد إلى النسوة الفرنسيات اللائي أصررن على تحصيل العلم واللائي تعلَّمن كيف يكتبن خطابات تعد من أجمل ما أنتجه العقل الفرنسي· في فرنسا تنتشر المعرفة أكثر من أي جزء آخر من العالم الأوروبي، وأنا أعزو ذلك في جانب منه إلى العلاقات بين الجنسين على المستوى الاجتماعي، تلك العلاقات التي كانت مستمرة منذ فترة طويلة(04)· لقد لاحظت ماري ولستونكرافت قبل بلزاك بجيل أنَّ:
الفرنسي الذي يحكّم عقله في أمور الجمال أكثر من غيره، يفضل المرأة في الثلاثين من عمرها·· والفرنسيون يسمحون للنساء أن يكنّ في أكمل أوضاعهن عندما تتنازل الحيويّة لتعطي مكانها للعقل ولجدية الشخصية الدالة على النضوج··· وفي مرحلة الشباب - حتى العشرين - يقذف الجسم خارج نفسه، وحتى الثلاثين تحقق الصلابة درجة من الكثافة، وتصبح عضلات الوجه المرنة يوما بعد يوم أكثر حدّة فتعطي شخصية للملامح - هذا يعني أنها تعبر عما يعتمل في النفس، فلا تخبرنا فقط عن القوى الكامنة فيها وإنما كيف يتم توظيفها(14)·
لقد اعتقدت ماري أن أخطاء النساء راجعة كلها - تقريبا - إلى إنكار حق المرأة في تعليم مساوٍ لتعليم الرجل، وإلى نجاح الرجل في اقناع المرأة بأنها لُعبة جنسية قبل الزواج وحِلية للزينة وخادمة مطيعة وآلة للإنجاب بعد الزواج· ولكي نُعطي الجنسين فرصاً متساوية لتنمية عقولهم وأجسادهم لا بُد أن يتعلم الأولاد والبنات معاً (حتى مرحلة الإعداد للوظيفة أو المهنة) وأن يتلقوا المناهج الدراسية نفسها، بل وأن يشتركوا في الألعاب الرياضية نفسها، في حالة إمكانية ذلك· ولابد أن تجعل كل امرأة من نفسها إنسانة قوية البدن وذات كفاءة عقلية لتتمكن من كسب عيشها بنفسها عند الضرورة(24)· وعلى أية حال فعاجلاً أو آجلاً ستلعب الوظائف البيولوجية والفروق الفسيولوجية بين الجنسين دورها(34)· إن قيام المرأة بدورها كأم مفيد لصحتها، وقد يؤدي ما ذكرنا آنفاً إلى أن تصبح الأسر أقل عدداً وأقوى صحّة(44)· إن تحرير المرأة بشكل مثالي يعني اتحاداً - على قدم المساواة - بين أم متعلمة وزوج متعلم(54)·
وبعد أن رأت المؤلفة الشابة اللامعة كتابها في المطبعة عبرت القنال الإنجليزي إلى فرنسا، وقد كانت مفتونة بالسنوات الخلاقة التي عاشتها الثورة الفرنسية، لكنها الآن - أي الثورة - قد تردّت في المذابح والإرهاب· وأحبّت في باريس أمريكياً هو القبطان جيلبرت إملي Imlay ووافقت على الحياة معه دون ارتباط رسمي· وبعد أن أصبحت حُبلى غاب عنها إملي لعدّة شهور منشغلاً بأعماله أو أية أمور أخرى، فكتبت له خطابات تتوسّل فيها له أن يعود(64) وكانت خطاباتها بليغة لكنها كانت بغير جدوى تماماً كخطابات جولي دي ليبيناس Lespinasse قبلها بجيل· وفي سنة 4971 حملت طفلها الذي بغير أب، وعرض إملي أن يُرسل لها مبلغاً سنوياً لكنها رفضت وعادت إلى إنجلترا (5971) وحاولت إغراق نفسها في نهر التيمز لكن بعض المراكبية أنقذوها·
وبعد ذلك بعام قابلت وليم جودون Godwin الذي تزوجها على وفق القانون العام (دون حضور رجل دين)، ولم يكن أي منهما يؤمن بحق الدولة في تنظيم الزواج· وعلى أية حال فقد عقدا قرانهما على وفق الطقوس الدينية في 92 مارس 7971 تحسبا لطفلهما المرتقب· وتألقت - لفترة - بين الجماعة الثورية التي تحلّقت حول الناشر جوزيف جونسون وهم: جودون، وتوماس هولكروفت، وتوم بين، ووليم وردزورث، ووليم بليك Blake (الذي رسم رسوماً لبعض كتاباتها) وفي 03 أغسطس 7971 وضعت طفلة بعد معاناة شديدة، وبعد ذلك بسنوات عشر ماتت·

5slash3- الأخلاق الاجتماعية


وعلى العموم فإن كل طبقات إنجلترا في هذه الفترة قد أسهمت في التفسخ الخلقي الذي عمّ البلاد، رغم ما أوردناه آنفاً عن حياة أشخاص عاشوا حياة مستقيمة ومحتشمة أهملها التاريخ· لقد كانت المقامرة شائعة تماماً، بل إن الحكومة نفسها (حتى سنة 6281) أسهمت فيها بإصدار اللوترية الوطنية (اليانصيب الوطني) وكان الإغراق في شرب الخمور أمراً متوطّناً كوسيلة للهروب من الضباب البارد والأمطار والفقر المُدقع والنزاعات الأسرية والتوترات السياسية واليأس الفلسفي (المقصود تبرير الواقع على نحو يائس) وقد اتفق بِت Pitt وفوكس - رغم ما بينهما من فروق - على تشجيع هذا السُّكر (المهدئ أو المخدر) كعامل مسكّن· وسُمِح للحانات أن تبقى مفتوحة في مساء السبت وحتى الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الأحد(74)· لأن يوم السبت هو يوم استلام الأجور وبذلك يُتاح للحانات أن تكون أول من يحصل على نصيبها من هذه الأجور الأسبوعية، وكان أفراد الطبقة الوسطى يشربون باعتدال، أما أفراد الطبقات العليا فيسرفون في الشراب لكن كان عليهم أن يتعلموا حمل مُسْكرهم بثبات كحوض يرشَح بما فيه·
وكان الانغماس في الشراب يُتيح الفساد والرشوة في كل مستوى من مستويات الحكم· وفي حالات كثيرة - كما لاحظنا آنفاً - كانت الأصوات الانتخابية وعضوية المجالس المحلية والتعيينات والوظائف - وفي بعض الأحيان رُتب النبالة - تُشترى وتُباع علناً كما تباع الأسهم والسندات في سوق الأوراق المالية· ولم يكن جورج الثالث - وكانت فضائله متأصّلة - لا يرى بأساً في تخصيص أموال للحصول على أصوات الناخبين لأعضاء البرلمان أو توزيع الوظائف طلباً للدعم السياسي· وفي سنة 9081 كان ستة وسبعون عضواً في البرلمان يشغلون وظائف عاطلة مجموعة قليلة من المقربين الأثيرين بحكم القرابة أو المصلحة التي تربطهم بالأثرياء وذوي النفود - تتلقى رواتب ضخمة دون عمل يؤدّونه بينما الذين يعملون بالفعل يتلقون في حالات كثيرة رواتب أقل مما يستحقون(84) وكان القضاةُ يبيعون المراكز التابعة (الملحقة) لزمام مناطقهم القضائية وينتزعون من شاغليها حصّة من الرسوم التي يدفعها الناس لقضاء مصالحهم لدى الجهات الرسمية·
والحكومة قد تكون قاسية، كما قد تكون فاسدة قابلة للرشوة· لقد ذكرنا قسوة تشريعاتها العقابية· لقد كان إلقاء القبض على عابري السبيل لتجنيدهم إجبارياً في البحرية مقدمة لدفع رواتب متدنية وتقديم طعام سيء لهم، وضبطهم بقسوة وصرامة لا ترحم(94) وفي عدة مناسبات تمرّدت طواقم السفن، وأدّى أحد هذه الإضرابات إلى تعويق ميناء لندن طوال شهر· ومع هذا كان البحارة الإنجليز هم أفضل رجال بحر وأفضل مقاتلين في الأساطيل عرفهم التاريخ·
وكان هناك سعي وجهود كثيرة للإصلاح الأخلاقي، ففي سنة 7871 أصدر جورج الثالث إدانة لكسر أحكام السبت، والتجديف على الله، والسُّكر، والأدب الفاحش، ووسائل الترفيه اللاأخلاقية، ولم يسجّل التاريخ أثراً لهذه الإدانة· وقد دلّنا جيرمي بنثام Bentham التعاليم الإصلاحية البرلمانية Parliamentary Reform Catechism (9081) على اثنتي عشرة وسيلة لكشف الفساد السياسي وعدم الكفاءة السياسية· وكان لعظات الميتوديين، (طائفة دينية بروتستنطية) والإنجيليين (طائفة دينية بروتستنطية) بعض الأثر، وتضاعف تأثيرها عندما أثارت الثورة الفرنسية المخاوف، فقد أكد هؤلاء الدعاة أن أمة منضبطة أخلاقيا يمكنها أن تواجه بنجاح غزواً فرنسياً أو ثورة داخلية· وحاربت جمعية القضاء على الرذائل ضد المبارزة والمواخير وبيوت الدعارة والكتابات الداعرة (الأدب الإباحي)· وهاجم إصلاحيون آخرون تشغيل الأطفال، واستخدامهم في تنظيف المداخن وقسوة أحوال السجون، ووحشية القوانين العقابية· وقد كان لموجة الاتجاه الإنساني (الحركة الإنسانية) التي انبثقت في جانب منها من ناحية، ومن حركة التنوير من ناحية أخرى أثر في نشر الأعمال التطوعية والخيرية والميل للإحسان وعمل الخير·
وكان وليم ولبرفورس أكثر المصلحين الإنجليز دأباً· لقد ولد في هَلْ Hull (9571) في أسرة ثرية تعمل في التجارة وتمتلك الضياع، وكان زميلاً لوليم بِت Pitt في كامبردج، ولم يجد صعوبة تُذكر ليحرز النجاح في انتخابات أوصلته للبرلمان (4771) بعد عام من تبوُّؤ وليم بِتْ منصب رئيس الوزراء· وعندما شعر بتأثير الحركة الإنجيلية Evangelical ساعد في تأسيس جمعية إصلاح عادات الشعب وأسلوب حياته (7871)· والأهم من كل هذا أنه عارض أن تتسامح أمة تعتنق الديانة المسيحية رسمياً مع التجارة في الرقيق الإفريقي (تجارة العبيد)·
وكانت إنجلترا الآن (في ذلك الوقت) رائدة في هذا المجال· وفي سنة 0971 نقلت السفن البريطانية 000·83 عبد إلى أمريكا ونقلت السفن الفرنسية 000·02 والبرتغالية 000،01 والهولندية 000،04 والدنماركية 0002· لقد أسهمت كل أمة أوروبية في هذه التجارة على وفق قدراتها، تلك التجارة التي ربما كانت أفظع الأفعال إجرامية في التاريخ· ومن ليفربول Liverpool وبريستول Bristol حملت السفن الخمور والأسلحة النارية والمنسوجات القطنية والأشياء التافهة إلى ساحل العبيد في إفريقية· وهناك - أي في إفريقية - غالباً ما كان الزعماء من أهل إفريقية يساعدون الزعماء المسيحيين في تسلّم عبيد أو زنوج Negros مقابل ما جلبوه من بضاعة، ويتم نقل هؤلاء العبيد (الزنوج) بعد ذلك إلى جزر الهند الغربية والمستعمرات الجنوبية في أمريكا الشمالية· وكان هؤلاء الأسرى (العبيد من الزنوج) يوضعون في جوف السفينة وفي أحيان كثيرة كانوا يُقيّدون بالسلاسل لمنعهم من التمرد أو الانتحار· وكانوا يُزوّدون بالماء والطعام بالقدر الذي يكفي - بالكاد - لإبقائهم على قيد الحياة، وكانت التهوية بائسة كما كانت وسائل التخلص من الإفرازات والفضلات في حدها الأدنى، وإذا ما هبت عاصفة شديدة وكان لابد من تخفيف حمولة السفينة تم - أحياناً - إلقاء العبيد المرضى في عُرض البحر لتخفيف الحمولة، وفي بعض الأحيان كان يتم إلقاء غير المرضى أيضاً· فمن بين عشرين مليون زنجي كانوا يُنقلون إلى جزر الهند الغربية البريطانية لم يصل منهم على قيد الحياة سوى 02%(05) وفي رحلة العودة كانت السفن تحمل دِبْس السكّر (المولاس) الذي كان يستقطر في بريطانيا لصنع الرُّم (نوع من الخمور) الذي كان يستخدم بدوره كثمن لشراء العبيد في الرحلة التالية (إلى إفريقية)·
وكان الكوكر (صحاب مذهب ديني منشق) هم أصحاب الريادة في القارتين في مهاجمة هذه التجارة باعتبارها الخطوة الأولى لإلغاء الرق· وانضم ما لاحصر لهم من الكتاب الإنجليز لمحاربة هذه التجارة: جون لوك، إسكندر بوب، جيمس طومسون، ريتشارد سافاج Savage، وليم كوبر، ولا ننس أن السيدة أفرا بيهن Behn قد قدمت لنا في روايتها أورونوكو Oroonoko (8761) وصفاً للأحوال في جرز الهند الغربية يثير التقزز· وفي سنة 2771 استصدر جرانفل شارب (من الكوكر - جماعة دينية) من إيرل مانسفيلد رئيس مجلس الملكة مرسوماً بمنع استيراد العبيد في بريطانيا، وكل عبد يصبح حراً بمجرد أن تطأ قدمه أرض بريطانيا· وفي سنة 6781 نشر توماس كلاركسون (وهو أيضاً من جماعة الكوكر) مبحثاً بعنوان (مقال عن الرق والتجارة في البشر) قدم فيه خلاصة مؤثرة لنتائج الرق والتجارة في العبيد، تكاد تكون حصاد عُمر بأكمله· وفي سنة 7871 كوّن كل من كلاركسون شارب، ويلبر فورس، جوزياه ودجوود، زاكاري Zachary ماكولاي (والد المؤرّخ) جمعية منع تجارة الرق· وفي سنة 9871 قدَّم ويلبر فورس إلى مجلس العموم مشروع قانون لإنهاء هذا الشر· ولم يحصل المشروع على الأصوات المطلوبة بسب أموال التجار، وفي سنة 2971 دافع بِت في واحد من أعظم خطبه عن إجراء مماثل (منع تجارة الرقيق) لكنه أيضاً لم يُوفق في تحقيق غرضه· وحاول ويلبر فورس مرات أخرى في سنة 8971 و 2081 و 4081 و 5081 لكنه مُني بالفشل في محاولاته تلك· وبقي على شارلز جيمس فوكس في فترة وزارته القصيرة (6081 slash 7081) أن يضغط على هذا الأمر حتى حقّق النصر، إذ استسلم البرلمان ومنع التجار البريطانيين من أي مشاركة في تجارة الرقيق· وكان ويلبرفورس والقدّيسون الذي ساندوه يعلمون أن هذا النصر الذي حققوه ليس سوى البداية، فواصلوا نضالهم لتحرير (عِتق) كل الرقيق على الأرض البريطانية· ومات ويلبرفورس في سنة 3381 وبعد موته بشهر جرى منع الرق في كل البلاد الخاضعة للحكم البريطاني، وكان هذا في 82 أغسطس سنة 3381·



صفحة رقم : 14631