قصة الحضارة -> عصر نابليون -> بريطانيا -> الحياة الإنجليزية -> العادات وأسلوب الحياة

6- العادات وأسلوب الحياة


من بين أكثر الأحداث إثارة في سنة 7971 ظهور القبعة الحريرية العالية Silktophat لأول مرة، ويظهر أن خردواتياً لندنياً وضعها فوق رأسه زاعماً أن الحق الفطري (الموروث) للرجل الإنجليزي أن يكون متفرداً، وتجمهر الناس حوله وقيل إن بعض السنوة بُهتْنَ لهذا المنظر المُرعب alarming sight ، لكن لم يكن هناك ما هو منافٍ للعقل يمنع مصمّمي الأزياء النسائية والخردواتية haberdashers من تعميم هذه التقليعة (المودة)، فسرعان ما وضع الذكور من أبناء الطبقات العليا هذه القبعات الحريرية فوق رؤوسهم·
واختفت السيوف الموضوعة على سنام تصفيفة الشعر وعلى الشعر المستعار· وحلق الناس لحاهم، وترك معظم الذكور شعرهم ينمو حتى الكتفين، لكن بعض الشباب عبروا عن تحديهم وفرديتهم بقص شعورهم(15) وكسبت السراويل (البنطلونات) المعركة على سيقان الرجال، فبحلول سنة 5871 كان السروال (البنطلون) يصل إلى منتصف بطّة الساق (الرَبَلة)، وبحلول عام 3971 وصل إلى الكعب (رسغ القدم)، وحل رباط الحذاء محل الحِلية المعدنية، وبذا بدأت (أربطة الأحذية) دورها في مضايقة لابسي الأحذية وإزعاجهم· وكانت المعاطف طويلة خالية من التطريز والزخارف، لكن الصدرة الصدار كانت موضع اهتمام إذ كان الواحد منهم يُنفق عليها كثيراً من دخله ويتفنّن في تطريزها· لقد أدّى التنافس بين النبلاء وأعضاء مجلس العموم إلى ظهور المتأنقين bucks (المعنى الحرفي ذكر الوَعل أو الظبي، والمعنى لا يتضح تماما هنا إلا باللهجات العربية العامية إنه كاشخ أو كشخة كما يُقال عادة في دول الخليج، أو إنه كالهامور وما إلى ذلك، وفي مصر عادة يقولون نافش ريشه أو محلفط··· إلخ) وظهور المنمقين أو الذين يلبسون ملابس تروق للنساء beau· لقد كان جورج بريان متأنقا (beau) برومل Brumel (8771 - 0481) معروفا بشدة التأنق وتزيين نفسه فقد كان يقضي نصف النهار في ارتداء ملابسه وخلعها· وفي أتون Aton حيث كان الطلبة يسمونه بَكْ duck وأصبح صديقاً حميماً لأمير ويلز الذي شعر أن التأنق في الملبس هو نصف فنّ الحُكم· ولأن برومل كان قد ورث ثلاثين ألف جنيه فقد استأجر حائكاً لكل جزء من بدنه وجعل من نفسه حكماً للأناقة بين رجال لندن، وكان حسن الفكاهة رقيقاً، وكان يهتم بنفسه ورباط عنقه اهتماماً شديداً، لكنه كان يحب المغامرة ربما أكثر من التأنق فركبته الديون وفرّ عبر القنال الإنجليزي تخلّصا من دائنيه وعاش عشرين سنة في فقر مُدقع وملابس رثة ومات في الثانية والستين من عمره في مصحة فرنسية للمجانين·
وتخلّت النساء عن الطوق الموسِّع (بتشديد السين وكسرها slash وهو طوق من مادة لَدِنة لتوسيع أطراف التنورة أو الجيبة وتستخدم النسوة في بعض البلاد العربية الكلمة الأجنبية الدالة عليه: الهوب hoop ويجمعنه على هوبات) لكنهن ظللن المشدات (الكورسيهات، والمفرد كورسيه) لصدورهن، ليبدو ثديا المرأة ممتلئين متوازنين وكان خط الوسط في الفساتين مرفوعاً إلى أعلى (أي أعلى من مستوى الخصر) وثمة ديكولتيه (تقويرة واسعة قد تشمل الصدر والظهر والكتفين) تكشف ما فوق خط الوسط، وخلال فترة الوصاية على العرش (1181 - 0281) تغيرت أساليب اللباس (المودة) تغيراً شديداً، فاختفت المشدّات (الكورسيهات) ولم يَعُدن يستخدمن التنورات (الجيبات)، واستُخدمت العباءات الشفافة بما يكفي للإيحاء بخطوط الفخذين والساقين أو بتعير آخر أصبحت العباءات النسائية شفافة وصَّافة، وكان من رأي بايرون أن هذا الأسلوب في اللباس يقلل من فتنة النساء وراح يشكو - على غير عادته - مدافعاً عن الأخلاق:
- لقد ضلّت نساؤنا السبيل كأمنّا حواء
- فهن عرايا
- لكنهن غير خَجِلات من عُرْيِهن(25)
ومع هذا فقد كان هناك اعتدال في اللباس أكثر منه في تناول الطعام· لقد كانت الوجبات هائلة، لأن المناخ كان يحثّ على تناول اللحوم ذات الدهن طلباً للدفء وليس نَهَما تماماً وإن كان النَّهم أيضاً سبباً وارداً· وكان الفقراء يتناولون في الأساس خبزاً وجبناً ويشربون شاياَ أو مزرا (نوع من الجعة)، أما الطبقات ذوات المال فكانت الوجبة الرئيسية عندها تمتد أحياناً من الساعة التاسعة الى منتصف الليل، وكان يكن أن تمر بمراحل مختلفة: حساء، سمك، دجاج أو غيره من الطيور، لحوم، لحم غزال أو غيره من لحوم الطرائد، حلوى أو فاكهة، ونبيذ معدّل حسب الرغبة· وبعد تناول الحلوى أو الفاكهة تفارق النسوة المائدة حتى يتناقش الرجال بحرية في أمور السياسة والخيل والنساء· وكانت مدام دي ستيل de Stael تعترض على هذا الفصل بين الرجال والنساء بعد تناول الحلوى أو الفاكهة لأن هذا يزيل الباعث إلى الاحتشام وإلى العادات والتصرفات المهذبة، كما أنه يُقلل من سعادة الجماعة· ولم تكن آداب المائدة (الإتيكيت) في إنجلترا بالأناقة نفسها التي هي عليها في فرنسا·
وكانت العادات بشكل عام حميمة وخالية من التصنع (مباشرة) وكان الحديث يُتَبَّل بكلمات لا تتناول الذات الإلهية بوقار (كلمات ذات طابع تجديفي)· لقد اشتكى رئيس أساقفة كانتربري قائلا إن الكلمات المنطوية على التجديف تزداد يوماً بعد يوم بسرعة(35) وكان التلاكم Fisticuffs منتشرا بين الطبقات الدنيا، وكانت الملاكمة boxing رياضة أثيرة، وكانت الملاكمة بقصد الحصول على جائزة (الملاكمة التكسبية) تجذب المنظمين الطامعين من كل الطبقات· ولقد وصلنا وصف مكثف معاصر لهذه المباريات من روبرت سوثي Southey (7081):
عندما يتم الإعداد لمباراة بين اثنين كل منهما يبغي الحصول على الجائزة سرعان ما تصل الأخبار للناس عن طريق الصحف، فتظهر فقرات فيها في مناسبات مختلفة متناولة المتنافسين وكيف يتدربون، وما هي التمارين التي يقومون بها، وكيف أن أحدهم يتناول اللحم النيئ استعداداً للمباراة· وفي هذه الأثناء يختار الهواة والمقامرون أحد الطرفين لينحازوا إليه أو يقامروا على فوزه أو إخفاقه، وتظهر المراهنات في الصحف أيضاً، وفي حالات غير قليلة ينخرط الجميع في المراهنات حتى إن عدداً قليلاً من المحتالين الأوغاد قد يخدعون أعدادً كبيرة من الأغبياء(45)·
ويتجمع جمهور غفير يصل أحياناً إلى عشرين ألفاً وكأن هذا التجمع ولهذا الغرض بديلٌ عن الثورة والتمرد (أو بتعبير أدق تسامٍ بهذه الرغبة) وقد أوصى اللورد ألثورب Althorp بممارسة الألعاب الرياضية للتسامي بالغرائز العدوانية السائدة بين الناس، لكن منظمي هذه المباريات يعتبرونها تطهيراً لجيوب المرتادين (أي وسيلة لتجريد الناس من أموالهم)·
أما الأفقرون حالاً فيبحثون عن التنفيس عن مكنونات صدورهم بتقييد ثور أو دُب، ثم يظلون يزعجونه بالعصي ويغرون به الكلاب، وأحياناً يظل هذا طوال ثلاثة أيام حتى تأتي لحظة الرحمة فيقتلون ضحيتهم أو يرسلونها إلى دار الذبح (أو القتل slash المسلخ أو السلخانة)(55)، واستمرت مباريات صراع الديوك حتى مُنعت في سنة 2281· أما الكريكت Cricket الذي عرفته إنجلترا منذ سنة 0551 فقد جرى تقنين قواعده في القرن الثامن عشر، وكانت مبارياته في إنجلترا هي الأكثر إثارة إذ كان يحضرها عدد غفير، وتكون المراهنات على أشدها، ويكون مشجعو كلٍ في حالة سعار· وكان سباق الخيول يمثل ميداناً آخر للمقامرة لكنه أيضاً كان يُحيي العشق القديم للخيول والاهتمام اللذيد بتدريبها ومتابعة سلالاتها· أما الصيد فكان رياضة تمثل ذروة المتعة إذ يركب الصيادون في عربات أنيقة، وتطير العظاءات Swifts محلقة فوق الحقول ويعبر الصيادون المحاصيل والقنوات المائية والأسوجة (جمع سياج) فوق ظهور الخيول التي تبدو عليها - بعد الكلاب - السعادة بهذه المهمة·
وكان لكل طبقة مناسباتها التي يتجمع فيها أفرادها بدءاً من المقاهي - حيث يجتمع البسطاء لشرب البيرة (الجعة) وتدخين البايب (الغليون) وقراءة الصحف والحديث في السياسة والفلسفة - حتى الأجنحة الملكية الفخمة Roual Pavition (البافليون الملكي) في بريتون Brighton حيث يشترك الأثرياء في مهرجانات غالباً ما كانت باعثة على المسرّة في الشتاء والصيف على سواء(65) وعندما يتجمع الناس في منازلهم يلعبون الورق أو غيره من الألعاب المناسبة أو يستمعون للموسيقا أو يرقصون، وقد وصلت رقصة الفالس Walz قادمة من ألمانيا واسمها مشتق من الفعل الألماني Walzen بمعنى يدور، وقد علم المتمسكون بالأخلاق على انتشارها بوصفها بأنها ألفة أو مودّة آثمة (المعنى يكاد يكون: لقاء جنسياً آثماً Sinful intimacy)، وقد شكى كولردج عن قناعة في سنة 8971 لقد أزعجوني بدعوتي للرقص في كل حفلة رقص ليلية، وقد رفضت بتواضع· إنهم يرقصون رقصة شائنة تسمى الفالس Waltzen· ربما بلغ عددهم عشرين راقصاً وعشرين راقصة - لقد كان كل راقص يحتضن مراقصته وهي أيضاً تحتضنه، فتتلامس الأذرع والخصور والركب يلف بها وتلف به، وهكذا دواليك·· على موسيقا داعرة(75)·
وكان أفراد الطبقات العليا يستطيعون إقامة حفلات راقصة أو حفلات من أي نوع كانت في واحدة من النوادي الأنيقة: ألماك Almack، والهويت White والبروك Brook وهناك أيضاً يمكنهم المقامرة على مبالغ ضخمة ومناقشة آخر إنجازات السيدة سيدون Siddons وحفلات سمر الأمير وروايات جين أوستن ونقوش بليك Blake وأعمال تيرنر Turner وصور كونستابل· وكانت ذروة اللقاءات الاجتماعية عند الهويج (الأحرار) تتمثل في دار هولاند Holland House حيث كانت الليدي هولاند تعقد اجتماعات مسائية كان يمكن للمرء أن يلتقي فيها بذوي المكانة مثل اللورد بروهام Brougham أو فيليب دوق أورليان، أو تاليران، أو ميترنيخ، أو جرتان Grattan أو مدام دي ستيل أو بايرون أو توماس مور، أو أكثر من الهويج (الأحرار) نبالة - شارلز جيمس فوكس(85)· ولم يكن في فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر صالوناً يضارع صالون هولاند·



صفحة رقم : 14632